:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, May 25, 2010

مدرسة أثينا


خلال العصور الوسطى، كان الناس في أوربّا يؤمنون بأن كلّ من عاش قبل ظهور المسيح سيكون مصيره النار لا محالة! لكنْ وحسب هذه الفكرة، فإن المفكّرين والفلاسفة الذين عاشوا في العصور الوثنية، مثل أفلاطون وأرسطو وزارادشت، سيكونون في وضع أفضل حالا، إذ سينتهي بهم الأمر في المنطقة المسمّاة "البرزخ" والتي يقال إنها تقع في منتصف المسافة بين الجنّة والنار.
في لوحته المشهورة مدرسة أثينا، يحاول رافائيل أن يقول أن لا فرق بين المفكّر "أو الفيلسوف"، سواءً عاش قبل المسيحية أو بعدها، طالما انه يؤمن بالقيم الإنسانية المشتركة والجامعة مثل الحقّ والخير والحبّ والحكمة والجمال.
جوزيف فيلن يقدّم في هذا الموضوع المترجم قراءة جديدة للوحة التي قيل إنها عبارة عن تاريخ مصوّر للفكر الفلسفي الغربي من وجهة نظر أفلاطونية.

أحد أهمّ الدروس التي يتعلّمها الإنسان أثناء الدراسة الجامعية هو المسافة الكبيرة التي تفصل الشخصيات العظيمة في تاريخ الفلسفة عن بقيّة الذين جاءوا من بعدهم. فـ سقراط وتوما الاكويني وسبينوزا، على سبيل المثال لا الحصر، يتبوّءون مكانة أعلى بكثير من الفلاسفة الذين أتوا لاحقا. هؤلاء العمالقة يقفون متميّزين كأبطال ومستكشفين جريئين ومؤسّسين ومشرّعين للأساليب الجديدة ونظم الفهم.
إن كارل ماركس لم يبتعد عن الحقيقة عندما قال ذات مرّة إن الفلاسفة حتى الآن سعوا فقط لأن يفهموا العالم، مع أن الهدف الأساسي هو تغييره. وفي الحقيقة فإن الفلاسفة حاولوا دائما أن يفعلوا الأمرين معا.
والمثقّفون والعلماء والأكاديميون الذين يتبنون الفكر الطليعي الفلسفي يسعون دائما إلى تعميم الفكرة الجيّدة ونشرها وجعلها ممنهجة.
وبهذه الطريقة غيّر الفلاسفة، مع مرور الوقت، العالم. وبناءً عليه، فإن التاريخ الحديث مدين بالكثير من العرفان لأوائل الفلاسفة الحديثين العظام مثل بيكون وهوبس وديكارت ولوك وسبينوزا.
وهذا ينطبق على أفلاطون وأرسطو، وبقيّة الفلاسفة العظماء القدامى الذين ترسّموا خطاهما. وإذا كانت الفلسفة لا تبدو مهمّة بالنسبة للإنسان العادي اليوم، فإن ذلك يعود إلى أن القليلين هم من يدرسونها دراسة كافية. ثم هناك حقيقة أن الفلسفة أصبحت مجرّد فرع متخصّص جدّا من العلوم ولم تعد طريقة حياة.
لكن في عصور الفنّ العظيم، كان الرسّامون والنحّاتون ينظرون إلى الفلاسفة نظرة إكبار وتقديس. وكانوا يترجمون تلك النظرة إلى صور فنّية.
رمبراندت كان أحد هؤلاء. في لوحته "أرسطو يتأمّل تمثالا نصفيا لـ هوميروس" ولوحته الأقلّ شهرة "الفيلسوف المتأمّل"، يتعامل رمبراندت باحترام وإجلال مع ما يرمز إليه الفيلسوف وما تمثّله حياته.
كما رسم جاك لوي دافيد موت سقراط نقلا عن رواية أفلاطون عن الحادثة. وصوّر الرسّام الفيلسوف وهو يشرب السمّ بينما يستمرّ في حثّ تلاميذه الذين يستبدّ بهم الحزن على التمسّك بالحرّية والثبات على المبدأ.
دافيد يظهر لنا انه في مواجهة الفيلسوف للموت بشجاعة، يتكرّس الإيمان بالحياة التي تسعى لكشف وإجلاء الحقيقة.
من جهته، يربط الرسّام جوزيف رايت الفلسفة بالروح العلمية الحديثة في لوحته بعنوان تجربة على طائر. هذا العمل الرائع يذكّرنا بأن الفلسفة يمكن بالفعل أن تغيّر العالم من خلال الغوص في الظواهر الطبيعية بغية تحليلها وفهمها.
غير أن عصر النهضة كان أفضل المراحل التاريخية التي ازدهر فيها الرسم الفلسفي. في هذا الوقت بالذات، أعادت أوربّا المسيحية اكتشاف وفهم معنى العصور الوثنية القديمة.
الرسّام رافائيل الذي يصفه فاساري بأمير الرسّامين كان شابّا عندما انتقل إلى فلورنسا لدراسة الرسم. وأثناء إقامته هناك تعلّم على يد اثنين من كبار معاصريه من الرسّامين: ليوناردو دافنشي ومايكل انجيلو.
عظمة هذين المعلّمَين لم تؤدّ إلا إلى شحذ طموحات رافائيل التي اقترنت بموهبته الهائلة التي أنتجت واحدة من أعظم اللوحات في تاريخ الفنّ الغربي.
هذه اللوحة الموجودة اليوم في الفاتيكان سُمّيت "مدرسة أثينا". وظلّت تحمل هذا الاسم طوال الـ 300 عام الماضية لعدم وجود اسم أفضل. وهي تصوّر اجتماعا لأعظم فلاسفة العالم القديم.
وللمرّة الأولى في الفنّ الغربي يستطيع رسّام أن يمثّل الوحدة المتناغمة الكامنة في الاهتمامات المتنوّعة للعقل الإنساني من خلال تصوير بعض الأفراد الأكثر مثالية الذين يمثّلون التقاليد العقلانية وجَمْعِهم في مكان أسطوري واحد وفي زمن واحد.
مدرسة أثينا لوحة تحمل اسما غامضا. فرغم حضور بعض الأثينيين البارزين مثل سقراط وبعض تلاميذه مثل زينوفون وألسيبايديس وديوجين، إلا أن في اللوحة أشخاصا كثيرين من غير أهالي أثينا. والأكثر إثارة للاهتمام في اللوحة هو حضور الفيلسوف الفارسي القديم زارادشت الذي عاش قبل زمن أثينا بوقت طويل، وكذلك حضور ابن رشد المفكّر المسلم الذي علّق على أفكار أرسطو والذي عاش بعد فلاسفة أثينا بقرون طويلة.
وكما يبدو، فإن مدرسة أثينا بخصائصها الأخلاقية والعقلانية يمكن أن توجد في أمكنة وأزمنة متباعدة جدّا. ورافائيل يريدنا أن نرى كم أن العقل متعدّد الثقافات حقّا وعابر للتاريخ أيضا.
إن الفلسفة، كما كان القدماء يرونها، لم تكن نشاطا منعزلا. كما أن الفيلسوف لا يجب أن يعتزل الحياة ويبتعد عن مشاكل الناس العاديين. لأن الفلسفة تُعنى في الأساس بالبحث عن معنى للحياة يعين الإنسان على تلمّس طريقه وفهم واقعه.
ورافائيل يؤكّد على هذا من خلال تصويره للمبنى الضخم الذي يجمع هؤلاء الأشخاص كرمز للتناغم والتوافق الصحّي بين قوى الروح والعقل.



في هذه الصورة نجد ترتيبا دقيقا للأشخاص. وقد ترجم الرسّام فكر العصور القديمة وحوّله إلى تظاهرة حيّة. وذروة المشهد الذي تمثّله اللوحة يقع في منتصفها، وبالتحديد في الهيئة الرائعة لكلّ من أفلاطون وأرسطو. فهما يبدوان واثقين ومتعافيين بينما يحمل كلّ منهما احد كتبه في يده. أفلاطون يحمل كتاب تيميوس وأرسطو كتاب الأخلاق.
وقد أراد رافائيل من خلال الحركات والإيماءات الدراماتيكية لكلّ من الشخصيتين المركزيتين في اللوحة أن يرمز إلى الطبيعة المتسامية والميتافيزيقية لتفكير أفلاطون، وإلى الطبيعة العملية والواقعية لتعاليم أرسطو.
أفلاطون كان معلّما لـ أرسطو. وكما هو الحال دائما، لم يكن التلميذ على وفاق دائم مع معلّمه. لكنّ أرسطو كان يدرك أن أستاذه مهتمّ بالماورائيات والعالم الآخر، لدرجة انه كان يترك تلاميذه أحيانا نهباً للتكهّنات.
رافائيل أراد أن ينبّهنا من خلال اللوحة إلى الفروق المهمّة بين أفكار كلّ من أفلاطون وأرسطو من خلال عنواني الكتابين اللذين وضعهما في يد كلّ منهما. الأقواس الكبيرة التي تنتشر فوق الشخصيات في اللوحة تُظهر أن هناك جامعة شاملة تضم كلّ المدارس الفكرية وتنضوي تحتها جميع التخصّصات المختلفة وتتعايش ككلّ متناغم.
لكن كيف تحقّق هذا العمل المدهش؟
رافائيل كان عمره لا يتجاوز السابعة والعشرين عندما أوصى به للبابا يوليوس الثاني كبير مهندسيه المعماري برامانتي. وقد طلب الأخير من الفنّان أن يرسم لوحة على جدار مكتبة البابا.
في العصور القديمة كانت المكتبات تُزيّن بصور الشعراء والفلاسفة. ويوليوس الذي كان مشهورا بحبّه للأشياء القديمة أراد أن تُزخرف المكتبة الكبيرة بنفس الأسلوب. لكن لم يكن لـ رافائيل خبرة كبيرة في رسم الجداريات الضخمة. غير انه كان هناك نموذج بارز في الجوار: رسومات مايكل انجيلو الثورية في سقف كنيسة سيستين.
من أين جاءت رافائيل فكرة تخطيط هذه اللوحة؟
المؤرّخون يختلفون حول هذه المسألة. لكن هناك من يربط اللوحة بكتاب الكوميديا الإلهية لـ دانتي.
في المجلّد الرابع من الجحيم، وقبل أن ينزل دانتي وفرجيل إلى أعماق الجحيم، يقابلان الوثنيين من أصحاب الفضائل والخصال الإنسانية السامية وبينهم أبطال وشعراء وفلاسفة. هؤلاء، رغم أنهم عاشوا في عصر سابق على ظهور الأديان التوحيدية، إلا أنهم كانوا يعيشون حياة صحّية، إذ كانوا يتّبعون فطرتهم السليمة ويمشون على هدي من نورهم الخاصّ.
ومن المرجّح أن يكون رافائيل قد استخدم هذه القصّة في رسم رؤيته التي ضمّنها اللوحة. غير انه خالف دانتي، فلم يضع الأشخاص في مسار سُفلي إلى الجحيم وإنما في رؤية سماوية.
الفلاسفة في اللوحة يسعون إلى معرفة الحقيقة في جنّة تحفّها السماء والضوء، وهو أمر يتناقض مع الظلام والرعب اللذين يستحضرهما الذهن عندما تُذكر كلمة الجحيم.
هذه اللوحة لن تكتشف فخامتها وبهاءها ما لم ترها عيانا. لكن عليك أن تنتظر طويلا قبل أن تتمكّن من بلوغ المكان. وعندما تدخل الغرفة الموجودة بداخلها، لن يكون أمامك سوى دقائق قليلة لرؤية اللوحة بسبب صغر مساحة الغرفة وكثرة الزوّار.
أمّا إن كنت تريد دراسة اللوحة فهي موجودة على الانترنت. وهناك عدد من المواقع التي توفّر صورا ممتازة للوحة بعد ترميمها.

2 comments:

Entropy said...

العزيز بروميثيوس

كتاباتك ترسل القراء لعوالم أخرى بعيدة
شكرا على المعلومات و على أسلوبك الجميل

Prometheus said...

عزيزتي Entropy
شكرا جزيلا لك. يمكن أن يكون كلامك صحيحا. الكتابة عن العوالم البعيدة قد تكون وسيلة لا واعية للهروب من الكتابة عن "عالمنا القريب" الذي لا تجلب الكتابة عن أحواله سوى الحزن ووجع الرأس.
دمت بخير.