:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, May 26, 2010

بيانو تشايكوفسكي

ألوان تشايكوفسكي وإيقاعاته المتنوّعة والانفعالات التي تتدفّق من موسيقاه تجعل منه موسيقيّا استثنائيا ونادر الطراز.
كان تشايكوفسكي كتلة من التناقضات. كان إنسانا حسّاسا، ولطالما انتابه شعور بعدم الأمان. لكن رغم المشاكل الكثيرة التي اعترضت حياته، استمرّ اهتمامه بالموسيقى وألّف العديد من المعزوفات الشهيرة.
وقد عُرف عنه نفوره من بيتهوفن وفاغنر. لكنّه كان عاشقا كبيرا لـ موزارت.
عندما كان تشايكوفسكي ما يزال شابّا، أرسلته أسرته كي يدرس القانون في سانت بيترسبيرغ. لكنّ شغفه بالموسيقى أبعده عن القانون وبالتالي عن توقّعات عائلته، فدرس التأليف الموسيقي.
كونشيرتو البيانو رقم واحد هو العمل الذي قدّم تشايكوفسكي إلى الجمهور ومن ثمّ دفعه إلى دائرة الأضواء والشهرة.
الغريب أن النقاد وصفوا الكونشيرتو وقت ظهوره لأوّل مرّة بأنه عمل موسيقي مشوّش وتعوزه البراعة كما يصعب عزفه.
هذا الاستقبال الفاتر أدّى إلى تقويض ثقة تشايكوفسكي بنفسه. لكنّه قرّر إجراء بعض التعديلات عليه. وعندما قُدّم الكونشيرتو في روسيا عام 1875، قوبل بالكثير من الإشادة والاستحسان من الجمهور والنقّاد على حدّ سواء.
ومن المفارقات اللافتة انه خلال عام واحد من ظهور الكونشيرتو، ألّف تشايكوفسكي سلسلة من أشهر أعماله الموسيقية، وفي طليعتها باليه بحيرة البجع والسيمفونية الثالثة.
كونشيرتو البيانو يتألّف من ثلاث حركات، أشهرها الحركة الأولى المسمّاة الليغرو فان تروبو. مقدّمة هذه الحركة فخمة وباذخة. غير أنها أيضا تعطي انطباعا بالصدمة والرهبة. لكنها سرعان ما تتحوّل إلى موسيقى سلسة وعذبة مع دخول نغمات البيانو.

الاستماع إلى هذا الكونشيرتو يستدعي صورا عن البطولة والتضحية. وقد ألّف في الأساس كي يُعزف في قاعة ضخمة للموسيقى احتفالا بلحظات مهمّة في تاريخ روسيا.
موسيقى تشايكوفسكي إجمالا ذات سمات وملامح روسية واضحة. لكنه لم يكن قوميّا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولم يُعرف عنه انه كان مؤمنا في أيّ وقت بالقومية الروسية.
والذين أرّخوا لسيرة حياته تحدّثوا عن تأثير النساء في إطلاق مخيّلته الموسيقية وفي إلهامه عددا من أفضل أعماله. كانت والدته في طليعة هؤلاء. بالإضافة إلى نساء أخريات بينهن مغنّيات أوبرا وسيّدات مجتمع. وقد عُرف عنه تماهيه وتعاطفه مع المصير المشئوم الذي كانت تنتهي إليه بطلاته في القطع الموسيقية والباليهات التي ألفها كالعاصفة وروميو وجولييت وأوجين اونيغان.
بالإضافة إلى اهتمامه بالتأليف الموسيقي، كان تشايكوفسكي قائدا اوركسترا مرموقا.
وقد ألّف على امتداد حياته الموسيقية معزوفات رائعة كثيرة من أشهرها كسّارة البندق وبحيرة البجع ولحن ليلي على الآلات الوترية، بالإضافة إلى الجميلة النائمة التي يقال انه لا ينافسها عمل موسيقيّ آخر في تعبيرها الجميل عن قوّة الحبّ. والمعروف أن تشايكوفسكي كان بارعا في كتابة الأنغام التذكّرية التي تمازجها مسحة من الفرح حينا والحنين والحزن أحيانا.
والكثيرون يعتبرونه سيّد الباليه الكلاسيكي بلا منازع. وهناك من يصف موسيقاه عموما بالنخبوية. لكنّ الصحيح أيضا أنها تروق لكلّ شخص بطبيعتها الحميمة وبأنغامها الساحرة والعميقة.
أدّى عزف البيانو في هذا الكونشيرتو عازفون كثر من أشهرهم فلاديمير هوروفيتز وعازفة البيانو الأرجنتينية مارتا ارغيريتش.
توفّي تشايكوفسكي عام 1893 بالكوليرا عن عمر يناهز الخمسين. لكن هناك روايات أخرى تقول انه مات مسموما.

6 comments:

Anonymous said...

عموماً، سواء كان قومياً أم لا، موسيقى بحيرة البجع هذه التي تضعها في مدونتك تقبض بشدة على الروح الروسية وتبثها للسامع، لطالما شعرت أن روسيا تتجسد في هذا الأوبريت، ولا أجد أي موسيقى أخرى يمكنها أن تعبّر عن بلد ما بهذا الشكل، والغريب أن الأمر لم أحسه قط عند أي مؤلف ألماني- الألمان ذوو أول نعرات قومية متعصبة في أوروبا.

Prometheus said...

Anonymous
شكرا جزيلا لك على ملاحظتك. وأنا أشاطرك الرأي في ما كتبته مع بعض الاختلاف. أظن أن موسيقى تشايكوفيسكي ومنها بحيرة البجع هي تعبير أمين وحقيقي عن الروح الروسية. قد يكون تشايكوفيسكي قوميا بمعنى وطني فحسب. وموسيقاه من هذه الناحية لا تختلف كثيرا عن أدب تولستوي ودستويفسكي. الموسيقى القومية بظلالها الأيديولوجية وحمولتها العرقية نجدها بوضوح في موسيقى ميخائيل غلينكا وكورساكوف وإلى حدّ ما الكسندر بورودين. تحيّاتي وتقديري لك.

Suad said...

اللــــــــــــــــه .. تشايكوفيسكي وفريدا ومون ريفر في وقت واحد .. جميلة جداً تدويناتك الاخيرة والاجمل المقطوعات الموسيقية التي تنتقيها لتصاحب هذه التدوينات. علي بالي الآن ان اسمع مون ريفر بصوت اندي ويليامز

نترقب المزيد

H. M. H. said...

أحييك، عزيزي بروميثيوس، على هذا المقال الشيّق والمفيد، وعلى مواضيعك السابقة جمّة الفائدة، وأشكرك جزيل الشكر.

ألتمسُ منك العذر، إذ أنني سأتحدث في نقطة بعيدة – بعض الشيء – عن فكرة مقالك، حيث لفت انتباهي البورتريه الذي وضعته لتشايكوفسكي، إذ أن نيقولاي كُزنِتسُف قد رَسمّ لوحةً فريدة له تصلح للتناول في مدونتك المتميزة الأخرى [تحف فنية]. ففي البورتريه المرسوم بألوانٍ مشرقةٍ – رغم غلبة الأسود عليه – جسارةٌ وعُمق وقوةٌ داخلية كبيرة، وتمكنٌ كبيرٌ من الريشة التي نفذت البورتريه بإحكامٍ، وبضرباتٍ واثقةٍ قوية. وجهُ تشايكوفسكي يُنبئ عن رجلٍ حيي، لكنه يمتلك من القوةُ الداخلية الكثير، ويظهر ذلك في وضعية رأسه، وعينيه النافذتين الناظرتين مباشرةً إلى الرائي. سمة اللوحة الغالبة الوقار، واللون الأسودُ فيها يغدو لوناً مُشرقاً، إذ أن حلة تشايكوفسكي السوداء لامعةٌ تدل على الأناقة والوضع الاجتماعي الراقي، والوقار الذي يُميز الرجال الذين تجاوزوا منتصف العُمر، وحققوا مكانة اجتماعية مرموقة. ورغم وقار تشايكوفسكي وقوته وحيائه، إلا أن هُناك لمسةُ من البهجة والخفة في اللوحة، في خطوط وجهه ويده وخلفية اللوحة الناعمة كأنها ستارة من الطيلسان.

يخص بورتريه كُزنِتسُف شخصاً واثقاً من نفسه، يعرف ما يقدرُ على تحقيقه، وليس موهوماً بشأن ذاته. إنهُ رجلٌ يُدرك أن القوةَ الحقة تنبع من الداخل، ولا تُستعار من الخارج. لذلك يبدو طليقاً، ومنسجماً مع محيطه. أما اتكاؤه على الكتاب – الذي قد يكون كُراس ألحانه – فيُمكن أن يدل على رسوخ علمه، وإضافته الحقيقية للمعرفة الإنسانية والفكر. وخلفية اللوحة التي تُشبه ستاراً من الطيلسان ينعكس عليه الضوء وينكسر، فتُوحي بالعمق والغموض. إن تشايكوفسكي رجلٌ لا يُمكن سبر أغواره، رغم صراحة وجهه، وطلاقة محياه.

في رواية [المُراهق]، تحدث فيودور دوستويفسكي عن الفرق بين البورتريه والصورة الفوتوغرافية، مُنحازاً إلى الرسمِ باليد لأنه يكشف شيئاً من روحِ المرسوم، عكسَ الصور الفوتوغرافية التي تبدو كأقنعة الموت. وأعتقد أن هذا البورتريه يُجسد رؤية دوستويفسكي. هُناكَ أيضاً روحُ الرسام الذي وازن الضوء والظل ببراعةٍ في اللوحة، وجعل بؤر الضوء القليلة فيها تُشعِ في اللوحةِ كُلها فتجعلها تعبيراً عن الثقة والإيجابية.

أعتذرُ لطول التعليق وخروجه عن سياقِ المقال، وأُثني على اختياراتك الراقية، وأسلوبك الجميل.

تحياتي القلبية..

Prometheus said...

سعاد:
أهلا وسهلا بك وعلى الرحب والسعة دائما.

Prometheus said...

H. M. H.
أشكرك كثيرا على اضاءاتك الشيّقة والمفيدة.
أنا أيضا لفتني البورتريه كثيرا. خيّل لي فعلا انه يستحق أن يدرج ضمن سلسلة اللوحات العالمية لأسباب كثيرة منها الأسباب التي ذكرتها.
جزئية القوّة الداخلية للشخصية التي ذكرتها هي إحدى سمات هذه اللوحة الرائعة. اللون الأسود في البورتريه ساحر وجذّاب بما لا يوصف.
الأسود المسيطر على عموم اللوحة مقابل وضاءة الوجه والعينين المتفحّصتين يعطيان انطباعا عن شخص لا يكفّ عن التفكير والتأمّل.
طبعا لا استطيع إلا أن اتفق معك في ما ذكرته عن سمات الأناقة والوقار والمزاج المبتهج والثقة بالنفس التي ينقلها لنا الرسّام عن الشخصية.
إشارتك إلى رأي دستويفسكي عن أفضلية الرسم على التصوير الفوتوغرافي للأسباب التي نوّهت عنها هي إشارة في مكانها ولا يمكن أن اختلف معها.
أظن أنني قرأت الكثير عن حياة تشايكوفيسكي وموسيقاه. وأجد أن هذا البورتريه يعبّر تعبيرا صادقا ودقيقا عن شخصيته ودوره ومكانته في الحضارة الإنسانية.
مع خالص تحيّتي ومودّتي لك على ملاحظاتك الذكية وإشاراتك العميقة والمفيدة.