:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, August 15, 2010

فنّ الحداثة وانتهاك الجمال

يتحدّث الفيلسوف البريطاني روجر سكروتون في هذا الكتاب عن الجمال كفلسفة وكقيمة أخلاقية وروحية. ويقارن بين مفهوم الجمال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وما أصبح عليه حال الأدب والفنّ والموسيقى منذ بدايات القرن العشرين.
يقول المؤلّف: الجمال هو الغاية النهائية لأيّ منتج فنّي أو شعري أو موسيقيّ. ويضيف: بعد الحداثة تغيّر كلّ شيء. أصبحت غاية الفنّ بشكل متزايد هو أن يزعج وأن يخرّب وأن ينتهك المسلّمات والقوانين الأخلاقية. لذا ثمّة الآن حاجة ماسّة لإنقاذ الفنّ والأدب الحديث من الإدمان على القبح.
ويتحدّث سكروتون في كتابه عن ما يصفه بحزب تدنيس الجمال الذي تزعّمه الأدباء والكتّاب الفرنسيون الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية مثل جورج باتاي وجان جينيه وجان بول سارتر. ويشير إلى أن هناك فنّانين عظاما حاولوا إنقاذ الجمال من تخريب المجتمع الحديث مثل الشاعر تي اس اليوت ومثل عدد من الكتاب والأدباء الأمريكيين الذين رفضوا أن ينظروا إلى العالم المعاصر وكأن لا شيء فيه سوى القبح والدمامة.
ويضيف: كان كلّ من الرسّام ادوارد هوبر والموسيقيّ سامويل باربر يعتبران أن التجاوز المصحوب بالتباهي كان مجرّد وسيلة رخيصة لإثارة الجمهور وخيانة المهمّة المقدّسة للفنّ وهي تصوير الحياة والكشف عن جمالها.
لكنّ الفنّانين الكبار الذين كانوا يثمّنون الحياة عاليا فقدوا مكانتهم مع بدايات حقبة الثقافة الحديثة. وحتى الآن، بالنسبة للنقاد وأوساط الثقافة، فإن السعي وراء الجمال ظلّ دائما على هامش العملية الفنّية. وأصبحت الفوضوية والفجور والتهتّك علامات نجاح، بينما أصبح الباحثون عن الجمال يُتهمّون بالتنكّر للمهمّة الحقيقية للإبداع الفنّي. وقد تمّ تطبيع كلّ هذا ليغدو عقيدة نقدية راسخة.
ثم يتحدّث المؤلّف بعد ذلك عن تأثير الأوبرا في هذا التغيير فيقول: لقد منحت الأوبرا ثقافة ما بعد الحداثة فرصة لا مثيل لها في الانتقام من فنّ الماضي وإخفاء جماله خلف قناع دنيء وفاحش. وأحد الأمثلة الصادمة عن الدور السلبي للأوبرا يتمثّل في قصّة كونستانزا وبيلمونتي لـ موزارت. القصّة تتحدّث عن انفصال كونستانزا عن خطيبها بيلمونتي قبل أن تؤخذ لاحقا لتخدم في حريم باشا تركي يُدعى "سليم". وبعد مؤامرات عديدة يتمكّن خطيبها من إنقاذها بمساعدة من الباشا نفسه الذي يحترم عفّة كونستانزا ويقدّر إخلاصها لحبيبها ويرفض أن يتزوّجها بالإكراه.

في هذا العمل يعبّر موزارت عن أفكاره التنويرية عن الخير باعتباره قيمة عالمية سواءً في عرف تركيا المسلمة أو أوربّا المسيحية. والأوبرا تقدّم درسا أدبيا وأخلاقيا عاليا كما أن أنغامها تكرّس جمال تلك الفكرة وتقدّمها للمتلقي بأسلوب مقنع وجذّاب.
لكن المخرج الاسباني كاليكستو بييتو يقدّم هذه الاوبرا برؤية مختلفة. فهو يختار للأحداث بيتا للدعارة في برلين ثم يحوّل الباشا سليم إلى قوّاد وكونستانزا إلى عاهرة! وأثناء سماع المقطوعات الموسيقية الأكثر رقّة في الأوبرا تمتلئ خشبة المسرح بمشاهد الجنس الجماعي والعنف. وفي احد تلك المشاهد تتعرّض إحدى العاهرات إلى التعذيب ويُقطع ثدياها بطريقة همجية قبل أن تُقتل. الكلمات والموسيقى تتحدّث عن الحبّ والعاطفة. لكن هذه الرسالة تتلاشى خلف مناظر التدنيس والجريمة والجنس النرجسي. هذا مثال واحد عن احد الجوانب المألوفة كثيرا في ثقافتنا المعاصرة. وكلّما كان هناك جمال ينتظر الكشف عنه كلّما نشأت رغبة في تغييب جاذبيّته ومزجه بمشاهد العنف والخراب.
وهذا هو حال الكثير من الأعمال الفنّية الحديثة التي تمتلئ بمشاهد أكل لحوم البشر وتقطيع وتشويه أطراف الجسد. بالإضافة إلى الألم الذي لا معنى له والذي تزخر به السينما بوجود مخرجين مثل تارانتينو يبدو أن لا همّ لهم سوى إبراز كلّ ما هو مظلم وكئيب في الطبيعة البشرية.
في هذا الكتاب المصاغ بلغة جميلة يتساءل سكروتون أيضا عن السبب الذي يجعل قطعة من الفنّ أو الطبيعة أو شكل الإنسان شيئا جميلا. هل يمكن أن يكون هناك جمال خطير ومفسد ولا أخلاقي؟ يشير المؤلّف إلى أن نثر فلوبير وأنغام فاغنر وصور فلوبير كثيرا ما توصم بلا أخلاقيتها وأن من أبدعوها إنما كانوا يرسمون الشرّ بألوان فاتنة.
إن من الصحيح القول أن لوحة لـ رامبراندت أكثر جمالا من لوحة لـ اندي وارهول وأن معبدا كلاسيكيا أكثر جمالا من مكتب حديث مبنيّ من الخرسانة. وبينما نستمرّ في الجدل حول ما إذا كان هذا أو ذاك أكثر جمالا، يصرّ سكروتون أن الجمال قيمة حقيقية وعالمية متجذّرة في طبيعتنا العاقلة. والإحساس بالجمال جزء لا يتجزّأ من عملية صياغة الحياة البشرية. كما أن الجمال يمكن أن يكون مسلّيا ومزعجا، مقدّسا ومدّنسا. انه يتحدّث إلينا مباشرة مثل صوت صديق حميم.
وفي جزء آخر من الكتاب يتحدّث المؤلف عن إسهام الموسيقى في تدمير الجمال وتشويه الذوق فيقول: إن موسيقى الراب مثلا لا تتحدّث كلماتها وإيقاعاتها سوى عن العنف المستمرّ وترفض كلّ ما يمتّ بصلة إلى التناغم وغيره من العناصر التي يمكن أن تقيم جسرا مع عالم الأغاني القديمة. هذه الظواهر كلّها تمثّل انتهاكا، ومعها لا تعود الحياة احتفالا بالفنّ وإنما يصبح الفنّ من خلالها هدفا للانتهاك والتشويه. ويضيف: هناك جوع عظيم للجمال في عالمنا اليوم، جوع فشل فنّنا وأدبنا الحديث في إشباعه.
ليس من المستغرب أن فكرة الجمال حيّرت الفلاسفة منذ أقدم الأزمنة. ولطالما تساءلوا إن كان الجمال صفة للعالم أو انه جزء من مخيّلتنا أم لحظة سامية من لحظات الإحساس. هذه الأسئلة وغيرها مهمّة جدّا بالنسبة لنا اليوم، بالنظر إلى أننا نعيش في زمن يتوارى فيه الجمال ويذبل. ثمّة ظلال من السخرية والاغتراب تزحف على ما كان يوما ملمحا مشرقا لعالمنا. وهذه الأيّام عندما نبحث عن الجمال فإننا لا نجد غالبا سوى الظلام والتدنيس.
كتاب روجر سكروتون عبارة عن مجموعة من التأمّلات المثيرة والمشوّقة عن الجمال. والمؤلّف يخلص إلى نتائج قد يعتبرها البعض خلافية، لكنها تساعدنا في البحث عن معانٍ أعمق للأشياء الجميلة التي تملأ حياتنا. "مترجم"

7 comments:

Anonymous said...

ربط الجمال بالأخلاق هو الفخّ. عبر تاريخ الجمال (التذوق الفني) نجد أنه بالفعل مربوط بالأخلاق، أو لنقل القيم المجتمعية. لنأخذ مثالاً: في القرون الوسطى كان يُنظر بازدراء إلى أي فنان نتاجه مادي (النحّات مثلاً). بينما يُعتبر الشاعر أو الخطابي صورة الفنان الأكثر رقياً. لماذا؟ جماليات وأخلاق القرون الوسطى تعتبر وريثة لجماليات الاغريق، والاغريق بمجتمعهم الأوليغاركي كان ينظر بازدراء إلى الأعمال اليدوية باعتبارها أعمال العبيد. في حين الخطابة والشعر هو ما يفعله السيناتورز أو أولاد الاقطاعيين.

لكن الأخلاق، كما يحاول برتراند رسل تجريدها تماماً، كانت بالنسبة للمجتمع هي الحسن والقبيح. من وجهة النظر النفعية مثلاً (ستيوارت ميل - ديفيد هيوم) فإن الخير هو ما يجلب اللذة، والشر هو ما يجلب الألم. دعنا طبعاً من بعض التوجهات المتطرفة النيتشوية (أخلاق العبيد - أخلاق السادة

قد مر المجتمع الإنساني عموماً بالكثير من الصدمات، الفن لم يعد كلاسياً ولم يعد ذوق (البلاط - الصالونات الأدبية)، إن تدهور ثقة الإنسان بأخيه الإنسان غالباً هي سبب التحول في شكل الفن أو الجمال، وفترة الحداثة وما بعدها مرتبطة بالحروب والاضطرابات السياسية والغضب الشعبي. إن الفن النابع من الغضب (والنابع من الشعبي) لن يتوافق مع الصورة المتسامية للفن بالمقاييس الطومائية - النهضوية - أو الرومانسكية. والفن الذي خرج كتعبير عن ضيق واختناق الفرد بموجات التسليع (آندي وارهول) لن يتوافق مع المقاييس الكلاسية. تدهور ثقة الناس ببعضها (بما أننا ربطنا الجمال بالأخلاق - والأخلاق هي غالباً الكيفية التي يجب أن يتصرف بها الناس تجاه بعضهم). سيؤدي إلى ميل الأفراد إلى البحث عن المتعة في العمل الفني، واذا انتقلنا إلى مستوى أسمى ذوقياً، فسوف يكون (التشارك الوجداني)، والفرد صار يحب العمل الفني الذي يعبر عنه، أو يعبر عن قلقه، مثل أفلام الجريمة والعنف.
أو أغاني الراب التي تعبر عن مشاكل السود. أو فن الغرافيتي الذي يتوجه نحو الفرد العامل الذي يقضي معظم يومه يدور في الشوارع من -إلى المنزل، أو إلى المشردين. الخ.


أظن أن، وجهة نظر الكاتب القائلة بأن الجمال أو الفن الحداثي صار قبيحاً لأن لم يعد يعبر عن التسامي الأوليغاركي - النخبوي. ولم يعد يماثل مقاييس الفن الجمالية التي قد تعجب الحضور في الصالونات الأدبية. أو أشكال الغناء الكلاسي (أم كلثوم - عبد الحليم حافظ) التي تعجب غالباً جمهور مرفه يملك سعر تذكرة المسرح. كل هذا أعتبره الصدمة الحقيقية في الذوق الإنساني كله. ويبدو أن ما -بعد الحداثة أظهرت لنا إلى أي حد كان مفهومنا عن الجمال وهميا أو ساذجا.


شكراً على الترجمة المحترفة. والمقال المفيد.

Anonymous said...

مجموعة من التأمّلات المثيرة والمشوّقة عن الجمال

جميل ماكتبته بروم ونقلته لنا هناباسلوبك الممتع.
شكرالك
تحياتي

Prometheus said...

Anonymous
شكرا جزيلا لك على ملاحظاتك المفيدة والعميقة. لا اختلاف لي معك في ما كتبته. الموضوع جدلي كما ذكرت وطبيعي أن تتفاوت نظرة كل منا إلى ماهية وطبيعة الجمال. الاختلاف قديم جّدا كما تعرف وهناك الكثيرون ممن علقوا على مضمون كتاب سكروتون إما بالاتفاق أو الاختلاف. وبعض من أدلوا بدلوهم في الموضوع كتبوا شيئا قريبا مما كتبت. الفرق انك كتبت بعمق وإحاطة اكبر.
تحيّاتي لك وكل عام وأنت بخير.

Prometheus said...

Anonymous
شكرا جزيلا لك واهلا وسهلا بك دائما.

Ameerov said...

الرائع بروميثيوس

مقال جميل وموضوع الكتاب مهم ومثير
أعتقد أن الجمال كفكرة وقيمة تصنعها خيالاتنا أو إنطباعاتنا نحن
وكلما زادت معرفتنا تغيرت نظرتنا أو إنطباعاتنا نحو الجمال

هل الجمال غاية نهائية ؟وما الغاية منه؟
أم هو فى حد ذاته قيمة لوحده؟
و من يصنع الجمال نفسه؟أويولد الإحساس به


الفن والجمال والأخلاق !!
مواضيع كلها شائكة وصعبة

- - -
إفتقدنا كتاباتك الرائعة
كن دوماً بخير

رمضان حلو عليك

Ameerov said...

بروم
أعذرنى ..نسيت
فى الفقرة العاشرة تقريبا
(نثر فلوبير وأنغام فاغنر وصور فلوبير)

دعنى أخمن !!

تقصد أو يقصد صور فاروق حسنى التى يدفع فيها أمراء الخليج ملايينا ويقتنونها فى قصورهم(الجميلة) الفاتنة !!
مش صح طبعا بس صح !!

تحياتى

Prometheus said...

العزيز اميروف
شكرا جزيلا لك على ما تفضّلت به. وأنا معك في أن الجمال يظل قيمة نسبية وانه في النهاية محصّلة لأفكارنا وعواطفنا وانطباعاتنا.
لا علم لي بما ذكرته عن لوحات فاروق حسني. وإن ثبت فعلا أن مليونيراتنا يشترون لوحاته بالملايين فهذا قد يكون دليلا على براعته وجودة أعماله.
تحيّاتي لك وكل عام وأنت بخير.