:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, August 22, 2010

أصداء من الماضي

"أصبحت اعتقد أن العالم كلّه ما هو إلا عبارة عن لغز. وقد تحوّل هذا اللغز إلى شيء مخيف بفضل محاولاتنا المجنونة لأن نفسّره كما لو انه ينطوي على حقيقة ما".
- امبيرتو إيكو

تحكي رواية "جزيرة اليوم السابق" للكاتب الايطالي امبيرتو إيكو عن قصّة روبيرتو ديلا غريفا النبيل الايطالي الشابّ وأسفاره حول العالم. عندما كان مراهقا، اشترك روبيرتو في عملية حصار، الأمر الذي غيّر نظرته إلى الحياة. والده مات في ذلك الحصار، وفي ما بعد يقرّر روبيرتو أن يغادر ارض أبيه وينتقل إلى مكان آخر. ويستقرّ في باريس مع نخبة المثقفين الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة، أي منتصف القرن السابع عشر.
المشهد الباريسي الذي يرسمه امبيرتو إيكو ملوّن جدّا ويضمّ العديد من الشخصيات الخيالية والحقيقية مثل الكاردينال ريشيليو والكاردينال مازارين، بالإضافة إلى شابّ في السابعة عشرة من عمره يعكف على تصميم آلة حاسبة.
تبدأ القصّة عندما يكتشف روبيرتو انه الناجي الوحيد من حادث غرق سفينة وأنه أصبح على متن سفينة أخرى. لكن الغريب أن هذه السفينة الأخيرة مهجورة وهي تبدو كما لو أن طاقمها هربوا من شيء ما بشع، تاركين وراءهم كلّ شيء.
قصّة روبيرتو يسردها احد الباحثين "يُفترض انه إيكو نفسه"، والذي يتفحّص يوميات روبيرتو التي تمّ حفظها بعناية. ثم تتطوّر القصّة شيئا فشيئا لنكتشف المزيد عن ماضي روبيرتو، وفيما بعد يبدأ هو اكتشاف المزيد عن نفسه.
روبيرتو في الواقع يبدو في وضع حرج جدّا. فهو في السفينة الفارغة والتي تبعد عن الشاطئ بضع مئات من الياردات، لا يستطيع أن يصل إلى اليابسة لوحده. يبدو كما لو انه محاصر أو مسجون بداخلها. وفي محاولة لتمضية وقت فراغه، يبدأ في اختراع قصص عن شقيقه الشرّير والغامض المدعو فيرانتي.
روبيرتو في أعماقه يعرف أن فيرانتي ليس أكثر من مخلوق من صنع خياله. ومع ذلك فقصّة حياته الواقعية مليئة بالفجوات التي لا يمكن تفسيرها.
ومن عوالم الرومانسية، ينتقل روبيرتو ليجد له ملاذا في الفلسفة. علوم تلك العصور لم تكن متطوّرة كثيرا. في ذلك الوقت، لم يكن قد انقضى وقت طويل على إدانة غاليليو من قبل محاكم التفتيش. لذا كانت النقاشات الساخنة آنذاك منصبّة حول مسائل من نوع: هل الأرض تدور حول الشمس أم أنها ثابتة؟ وهل هناك فراغ في الطبيعة، أو هل يمكن أن يوجد فراغ؟ وهل توجد حياة خارج الأرض أو مخلوقات أخرى على القمر؟.
في ما بعد نكتشف أن روبيرتو في مهمّة علمية هو نفسه. وقد انتُدب ليبحث عن حلّ لمشكلة علمية ذات أهمية عملية كبيرة. لكن فلسفة روبيرتو تركّز على تلك المسائل التي ظلّت تؤرّق الناس منذ بدايات فجر التاريخ: ما طبيعة الحياة؟؟ هل هناك إله؟ وأهمّ من هذا وذاك، السؤال المتعلّق بالإرادة الحرّة للإنسان.
هذه الرواية تتضمّن طبقات متعدّدة: الباحث الذي يسرد القصّة والذي كثيرا ما يترك الأحداث تتدفّق بحرّية وبلا انقطاع، وأحيانا يضيف ملاحظات وتفسيرات. وهناك قصّة روبيرتو وأحلامه التي يحكيها الباحث. هذه الطبقات تعني الكثير وتوحي بالكثير عندما تتقاطع مساراتها على نحو غريب. ومن اللافت أيضا أن الباحث كثيرا ما يسجّل ملاحظات حول قدرات سرد قصّة روبيرتو والتي ترد دون أن يلاحظها احد على ما يبدو.
النقاشات الفلسفية العميقة بالإضافة إلى نثر إيكو الممتاز، هما من العوامل التي تجعل من هذه الرواية واحدة من أفضل الأعمال الأدبية. غير أن الرواية ليست سهلة القراءة. كما أنها بطيئة للغاية، تماما مثل سفينة روبيرتو التي لا تتحرّك أبدا.
في رواياته السيميائية، كثيرا ما يناقش إيكو مسألة العلاقة بين المؤلّف والقارئ. وهو في هذا الكتاب أيضا يمارس نفس اللعبة بطريقة جميلة للغاية. فهو يعود إلى القارئ من وقت لآخر ليناقش معه تطوّرات القصّة كما لو أن القارئ هو كاتبها. يقول مثلا في احد المقاطع: يجوز لنا الآن أن نفترض أن روبيرتو سيُشفى، إلا إذا اختار القارئ أن يشير إلى ذلك تلميحا، لأنه من الآن فصاعدا سأحتاجه، أي روبيرتو، على سطح السفينة طوال الوقت. ولأنني لا أجد تناقضا في أوراقه، فإنني سأحرّره من مرضه، كما يفعل مؤلّف متغطرس".
لاحظ هنا أن التمييز بين الباحث الذي يُفترض انه من كتب هذا الكتاب اعتمادا على ملاحظات روبيرتو وبين الكاتب الحقيقي، أي امبيرتو إيكو، يكاد يختفي تماما.
إيكو أيضا يطمس الخط الفاصل بين الخيال والواقع بتضمينه إشارات جريئة إلى كتب خيالية بما فيها بعض كتبه هو. يقول في احد أجزاء الرواية: بالنسبة للقبطان، كان واضحا أن الكتب التي لها علاقة بضحايا الطاعون كانت أداة لانتقال العدوى. هل يمكن أن يكون القبطان قد قرأ الملاحظات التي نُشرت من قبل على يد مؤلّف آخر في كتاب يُدعى اسم الوردة"؟
نعرف أن إيكو معجب كثيرا بـ ألكسندر دوما وقصصه. وهناك في هذا الكتاب إشارات إلى قصّتيه "الفرسان الثلاثة" و"الرجل ذو القناع الحديدي".
"جزيرة اليوم السابق" هي عبارة عن لعبة ألغاز. ويتعيّن على القارئ أن يحاول أن يكتشف بنفسه جميع تلك الإشارات والمعاني الخفيّة التي ضمّنها امبيرتو إيكو روايته. "مترجم بتصرّف"

2 comments:

Anonymous said...

الاجمل فى عالم ايكو انه يناسب مزاجى كثيراا فهو يحفزنى للتفكير وتفكيك الالغاز الفلسفية والتاريخية التى يصنعها عبر اعادة خلق عالم قديم اختفى ولم يبقى منه إلا آثار قليل ...مايساعد على فهم كتابات ايكو هو الاطلاع بشكل جيد على تاريخ اوربا مابين القرون ال11 وال13م فهو يرى فيها مادة خصبة وثرية ليعيد خلق شخصيات رواياته ن خلاله...استمتعت بما تختاره للعرض ضمن قراءاتك يا برومثيوس ،فلك اسلوبك الاكثر من رائع لخلق التشويق ولدفع القارىء للتفكير من زوايا جديدة...إيناس

Prometheus said...

أهلا بك إيناس.
وشكرا جزيلا لك على التعليق الجميل والمفيد. لم أتعرّف على امبيرتو ايكو الا من فترة قريبة. السمة الأبرز في رواياته هي مزجه الأدب بالفلسفة واللغة والتاريخ في قالب سردي مثير وجذّاب رغم غموض أسلوبه أحيانا.
تحيّاتي ومودّتي لك.