:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, July 22, 2011

محطّات

زجاج النافذة


من اكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الإنسان أن ينظر إلى الناس والأشياء من خلال عيون الآخرين، ومن ثمّ يكوّن تصوّراته وقناعاته بناءً على ما يقوله الآخرون ويفعلونه لا على ما يراه هو ويعتقده.
كنت أتحدّث مع زميل منذ أيّام عن بعض شئون ومشاكل العمل. وأثناء الحديث جاء على سيرة زميل ثالث فوصفه بأنه إنسان متعال وأنانيّ ومتغطرس. قلت له: هل تعرف الرجل عن قرب؟ قال: سبق لي أن تعاملت معه مرّة أو مرّتين. قلت له: حسنا، هل تثق في حكمي على الآخرين؟ قال: نعم. قلت: هذا الرجل الذي تتحدّث عنه أعرفه تمام المعرفة. ومن خلال علاقتي به، لم أرَ منه إلا كلّ خير. بل لا أبالغ إن قلت انه من خيرة الناس الذين التقيتهم وعرفتهم. وكون انك تعاملت معه مرّة أو مرّتين لا يعطيك الحق في أن تُصدر عليه حكما متسرّعا وناجزا فتظلمه وتظلم نفسك". قال: أنا لا اظلمه. تخيّل أن أحدا من زملائه لا يحبّه ولا يضمر له أيّ نوع من الودّ". قلت: من الخطأ أن تحكم على إنسان من خلال ما يقوله الآخرون الذين قد يكونون عرضة للتحامل والأهواء. وأخشى انك عندما تعاملت معه كنت واقعا مسبقاً تحت تأثير ما سمعته عنه. هؤلاء الأشخاص الذين تستشهد برأيهم في الرجل ربّما يضمرون له الحقد والكراهية. وأنت وأنا نعرف انه يشغل وظيفة مهمّة وأنه مقرّب من الإدارة العليا. وهذا لوحده سبب كاف لأن يصبح شخصا محسودا ومكروها".
ثم تذكرّت قصّة ذات مغزى قرأتها منذ بعض الوقت وأعجبتني، لأنها تتضمّن درسا بليغا في طريقة النظر إلى الأشياء والحكم على الآخرين. تتحدّث القصّة عن زوجين شابّين انتقلا للعيش في احد الأحياء الجديدة. وفي صباح اليوم التالي وبينما كانا يتناولان إفطارهما، لمحت الزوجة عبر زجاج النافذة جارتها وهي تنشر غسيل ملابسهم في الخارج. ثم قالت معلّقة: هذه المرأة غسيلها متّسخ. إنها حتى لا تعرف كيف تغسل الملابس". نظر زوجها عبر النافذة وهو صامت. وفي كلّ مرّة كانت المرأة تنشر غسيلها، كانت الزوجة تُبدي نفس الملاحظة.
وبعد شهر، دُهشت الزوجة عندما رأت ملابس نظيفة ولامعة على حبل غسيل جارتها. ثم قالت لزوجها: انظر، لقد تعلّمت كيف تغسل جيّدا. غريبة! ترى من علّمها هذا؟".
فردّ عليها الزوج قائلا: يا عزيزتي، لقد استيقظتُ مبكّرا هذا الصباح وقمت بتنظيف زجاج نافذتنا".
الدرس الذي تقوله لنا هذه القصّة هو أن ما نراه عندما نراقب الآخرين يعتمد على النافذة التي ننظر إليهم من خلالها. فمن الأولى إذن أن ننظّف زجاج نوافذنا ونمسح عنها ما علق بها من غبار وأوساخ كي نرى الناس والأشياء على حقيقتها.
وقريب من هذا المعنى قول الإمام الشافعيّ: وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة، ولكنّ عين السخط تُبدي المَسَاويا".

❉ ❉ ❉

سماء الكناري


دانيال لوبيز مصوّر سينمائي اسباني أمضى أكثر من عام في تصوير هذا الفيلم الذي يتضمّن مشاهد من جزر الكناري الاسبانية التي تتميّز بجمال طبيعتها وسحر أجوائها.
المشاهد الليلية وحركة الأرض والقمر والشمس في الفيلم تمنح إحساسا بجلال الطبيعة وتنوّعها.
وقد حرص المصوّر على التقاط مناظر الجبال والأنهار وحركة الغيوم والنجوم من نقطة تعلو سطح البحر بحوالي ألفي متر وبحيث يُخيّل للناظر وكأن الزمن يمضي بسرعة.

❉ ❉ ❉

طريق صخري في بورفيل

كان كلود مونيه يرسم دون كلل أو ملل. وأحيانا كان يرسم في أحوال جويّة سيّئة في محاولة منه لاختبار تحمّله وقوّة ملاحظته.
وكان من عادته أن يقوم كلّ سنة برحلة شتائية تأخذه إلى بعض القرى الواقعة على ساحل النورماندي. كان يختار المواقع على طول الشاطئ الخشن ومن ثمّ ينصب عدّة الرسم مشرفا على البحر من نقطة عالية.
وفي عام 1883 سافر مع صديقه بيير رينوار إلى إحدى قرى منتجع الريفيرا. وهناك وجد رؤية بديلة عن أضواء الشمال الباردة. كما وجد تحدّيا غير مسبوق: الألوان المشعّة لجنوب المتوسط.
وطوال ثلاثة أشهر، كان مونيه يعمل من الفجر إلى الغروب ويرسم أربع لوحات في كلّ مرةّ، في محاولة للامساك بالألوان البديعة التي كان يراها في كلّ مكان حوله.
وبعد ثلاث سنوات ذهب إلى ساحل بريتاني. وهناك اجتذبته التضاريس الصعبة وتشكيلات الصخور الغريبة التي تبرز من البحر.
وإحدى أروع اللوحات التي رسمها في تلك الفترة كانت لوحته بعنوان طريق صخري في بورفيل. هذه اللوحة تخفي داخلها كلّ الهواء والسحر اللذين يخطران بالبال عندما يأتي ذكر الانطباعية.
المشهد الذي أمامنا هو لسيّدتين، واحدة تمسك بمظلّة مفتوحة والأخرى تقف على بعد خطوات منها.
المكان عبارة عن حقل من الزهور البرّية يشرف مباشرة على البحر. وأمام المرأتين منظر رائع لقوارب تتحرّك مبحرة في مياه القنال.
ما يثير الدهشة في هذه اللوحة هو اللون. فالتوليف بأكمله ليس عن السيّدتين وإنما عن اللون. اللافندر والأحمر والأخضر والأزرق كلّها تعمل معا في هذه اللوحة. تستطيع أن ترى امتزاج هذه الألوان في كلّ مكان في هذا المشهد. اللافندر، أو لون أزهار الخزامى، هو الأكثر انتشارا هنا لأنه يمكن أن يُستخدم كلون داكن وفاتح في نفس الوقت. وما يجعل هذا ممكنا أكثر هو سطوع الشمس التي تلقي بضوئها على المشهد، ولكن خارج نطاق الناظر.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

ابن الرياح

Flute Player
قال المعلّم "وو شي" مخاطبا مجموعة من تلاميذه الصغار الذين تحلّقوا حوله: هل تعرفون ما هذا الشيء؟
صاح الأطفال بصوت واحد: نعم. إنه ناي.
ردّ المعلمّ: أوه هذا صحيح. لكنه أكثر من ناي. إنه رسول. لكن رسول مَن؟ هل تعرفون؟
جلس الأطفال بعيون مفتوحة وهزّوا رؤوسهم جميعا وقالوا: لا.
قال المعلّم وهو يسحب كلماته ببطء: إنه رسول الرياح. هو الذي يحمل لنا جميع القصص والحكايات الرائعة التي تجمعها الرياح من الأشجار والحقول والغابات. أغمضوا عيونكم واستمعوا. إستمعوا إلى الرياح.
وأغمض الأطفال عيونهم واستمعوا بعناية إلى الرياح في حفيف أوراق الشجر، وإلى همساتها في الغابات، وإلى هدهداتها في الحقول، وإلى صريرها واندفاعها بين أشجار الخيزران.
لقد استمعوا إلى كلّ الأصوات الرائعة والعجيبة للرياح.
ثم وضع المعلّم الناي في فمه وبدأ يعزف نغما ناعما ورقيقا. وما لبث أن غيّر اللحن كي يتناغم مع همسات الرياح وعصفها وهدوئها.
وعندما انتهى من عزفه قال الأطفال: ونحن أيضا.
ابتسم المعلم بفرح وناولهم الناي. لكن عندما بدأ العزف لم تصدر عنه سوى أصوات قليلة واهنة لا تشبه النغم الجميل الذي عزفه المعلم للتوّ.
قال الأطفال بخيبة أمل: لا فائدة يا معلّم. إنه لا يحبّنا.
ردّ المعلم: لا يا أبنائي. انه يحبّكم. ما عليكم إلا أن تعلّموه كيف يقصّ عليكم الحكايات التي تريدون سماعها.
ثم أخذ يعلّم تلاميذه واحدا تلو الأخر كيف يعزف، وأعطى لكلّ منهم ناياً.
ولم ينته ذلك النهار حتى كانت الرياح قد بدأت تحكي لهم كثيرا من قصصها الساحرة والمدهشة.

7 comments:

أحلام رحال said...

جميل جدا هذاالطرح بروميثيوس
ركزت على نقطتين أساسيتين: نقدنا للآخرين من وجهة نظر الناس وليس من وجهة نظرنا نحن، ونقدهم أيضا دون الانتباه إلى عيوبنا الذاتية التي تمنعنا من رؤتهم على حقيقتهم. وفي كلا الموقفين هنالك خطأ فينا.
أضف إلى ذلك أننا نقوم بالحكم على الناس وكأن أحدا كلّفنا ونصبنا قضاة!

أذكر شابة متدينة قالت لي إنها كانت معجبة جدا بإعلامية معينة، وصدف يوما أن رأتها جالسة في أحد المقاهي تشرب كأس نبيذ. من وقتها تقول الشابة انها كرهت هذه الإعلامية المذكورة. فقط بسبب الإختلاف في المواقف صار هنالك حكم مسبق
أؤمن كثيرا أن نظرتنا للآخر وحكمنا له تدل على من نحن أكثر مما تدل على الآخر

كريمة سندي said...

قصة جميلة ودرس كبير من الزوج لزوجته

أشكرك على الطرح الراقي

Mist said...

وربما قريب منه: "كل إناء بما فيه ينضح"..لذلك نُؤمر بالتروي في الحكم على الآخرين..لأن الحكم عليهم يمر بعدة "فلاتر" حتى يصبح أقرب للواقع، ورغم كل هذا تظل حقيقة كل واحد فينا ناقصة..

خواطرك كثيرًا ما تستدعي تيار تفكير هاديء..يرتب أو يدعو لتفكر..

تحياتي :)

Prometheus said...

أحلام:
أهلا وسهلا بك. وأكيد معك حقّ في ما ذكرته. شخصيا لا إميل إلى انتقاد الآخرين فانا مثلك أؤمن بان علينا أولا أن ننشغل بعيوبنا الشخصية ونعمل على علاجها.
الحكم على الآخرين مشكلة في حدّ ذاتها. واحسب أن على الإنسان العاقل أن يتجنب ذلك ما أمكن. لكن هذا لا يمنع أن ندافع عن من نعتقد انه يستحقّ المديح والإطراء لا القدح والهجاء. قصّة الشابّة المتديّنة مع المرأة التي تشرب النبيذ نرى مثلها الكثير في حياتنا اليومية. وعلى كل حال، يمكن للإنسان أن يفعل ما يشاء طالما أن ذلك لا يؤثر على الآخرين ولا يعتدي على حقوقهم.
مع خالص تحيّاتي ومودّتي لك.

Prometheus said...

كريمة:
شكرا جزيلا لك واهلا وسهلا بك دائما.

Prometheus said...

Mist
كلامك لا غبار عليه وهو عين العقل كما أرى.
خالص شكري وتقديري لك.

Malek El Hazen said...

الحكم على الاشخاص من وجهة نظر الآخرين موضوع مهم جداً وخاصة في اماكن العمل. فعندما ينتقل احدهم إلى مكان عمل جديد تجد من يتطوع بتحذيره من فلان وعلان، وهذا طيب وذلك شرير.. ألخ
لا بأس من وضع تلك الآراء والمحاذير قيد الاهتمام، ولكن من الخطأ، في نظري، أن تكون هي المقياس الوحيد.