:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, April 17, 2012

التاريخ السرّي

"كان الثلج قد بدأ يذوب في الجبال، و"بوني" كان قد مضى على موته عدّة أسابيع قبل أن نبدأ في إدراك مدى خطورة الحالة التي كنّا فيها".
لو قرأت هذه العبارة مرّة أخرى فستكتشف أنها استهلال عظيم لرواية. إنه لا يقول لك فقط أن هناك حالة وفاة، ويذكر اسم الشخص المتوفّى وكم مضى على موته، ولكنّه أيضا يقول إن مجموعة من الأشخاص ليسوا معنيّين بموت زميلهم بقدر ما هم مهتمّون بمصيرهم هم.
بعد مرور تسعة عشر عاما على صدور رواية التاريخ السرّي لـ دونا تارت، وبالرغم من كلّ ما قيل وكُتب عنها، ما تزال هذه الرواية تحظى باهتمام النقّاد والقرّاء وما يزال بالإمكان قول الكثير عنها.
هناك أشياء عديدة تدفع الناس للإعجاب برواية تارت. لكنّها جديرة بالثناء بشكل خاصّ للطريقة المقنعة التي تتحدّث بها الكاتبة عن دراسة الأدب الكلاسيكي، وكيف يمكن أن تؤثّر قراءة بعض الأعمال الكلاسيكية في القارئ إلى الحدّ الذي قد يدفعه لارتكاب جريمة قتل.
والفكرة ليست جديدة تماما. ففي احد أفلام هيتشكوك من حقبة الأربعينات، يتآمر طالبان متأثّران بأفكار مدير مدرستهما الإعدادية، المتأثّر هو الآخر بتعاليم فريدريك نيتشه، لارتكاب جريمة قتل. وفي ذروة حماسهما للذهاب إلى ما هو ابعد من الخير والشرّ، يقومان بخنق احد زملائهما حتى الموت. ثم يصرّحان، تقريبا، للمحقّقين بالأدلّة التي تدينهما كي يعزّزا شعورهما بالتفوّق وسعيهما الفكري لتحقيق الذات.
عملية القتل في رواية التاريخ السرّي لا تأتي من معلّم نيتشوي، وإنما من خلال تأثير أستاذ ليّن الكلام يعلّم الأدب الكلاسيكي واللغة اليونانية القديمة لخمسة من الطلاب في الجامعة.
شيئا فشيئا، تتطوّر علاقة الأستاذ بهذه المجموعة الصغيرة من الطلاب إلى نمط غير صحّي من عبادة الشخصية بنكهة وثنية. وعبر خطوات تدرّجية، يصبح الطلاب الخمسة مهجوسين بطقوس السُكر والشراب. وفي إحدى حفلاتهم الماجنة، وتحت تأثير النشوة الديونيسية المتوحّشة، يقومون بقتل احدهم.
صحيح أن مثل هذا الانتقال صعب. لكن الكاتبة تنقله بطريقة قابلة للتصديق. وهي تروي القصّة من منظور المتآمر الأكثر لطفا في حلقة المتآمرين. وتحاول إقناع القارئ بأن سلسلة من الأحداث العشوائية يمكن أن تؤثّر في طالب دمث الأخلاق يهوى اللغات القديمة فتحوّله في النهاية إلى قاتل. الحميمية التي تحضّر الكاتبة من خلالها القارئ للدخول في الجوّ النفسي الخانق للمؤامرة هي أحد أكثر الملامح إثارة في هذه الرواية.
في حصّته الأولى، يلقي أستاذ الأدب الكلاسيكي الغريب الأطوار جوليان مورو على طلابه محاضرة بليغة، ولكن مشئومة، عن انجذاب اليونانيين القدماء لكلّ ما هو غير منطقي. ثم يقارن ذلك بميل الرومان إلى تجنّب كلّ ما يشير إلى الجوانب المظلمة في النفس الإنسانية.
وتصوّر الكاتبة في لقطات رائعة الكاريزما التي يتمتّع بها مورو ومعرفته الواسعة والجوّ الدافئ لمحاضراته.
"الجمال هو الرعب. هذه فكرة يونانية صميمة وعميقة جدّا. كلّ ما نسمّيه جميلا نرتعش أمامه. ترى ما الذي يمكن أن يكون أكثر هولا وجمالا، بالنسبة للإغريق أو لنا، من أن نفقد السيطرة تماما، نتخلّص من قيود كينونتنا للحظات، ونتجاهل حقيقة أننا محكومون بالفناء"!
"يوريبيديس كان يتحدّث عن ينابيع العسل والحليب المتدفّقة من الأرض وعن المينادات. كانوا غزلانا أكثر منهم بشرا. هذا ما يعنيه أن تكون حرّا تماما".
"كم هو رائع أن تطلق هذه المشاعر دفعة واحدة، أن تغنّي، تصرخ، ترقص حافي القدمين في الغابة في سكون الليل، وأن تتساوى مع الحيوان في إدراكه للفناء".
"عندما كنت أمشي إلى المنزل ليلا، تحوّلت الأشياء إلى ابيض حول الأطراف. وبدا أن ليس لي ماض ولا ذكريات وأنني أسير على هذا الطريق المضيء إلى الأبد".
"إذا كنّا أقوياء بما فيه الكفاية، فإن بمقدور أرواحنا أن تمزّق الحُجب وتنظر إلى ذلك الجمال العاري والرهيب مباشرة. لندع الله يستهلكنا، يلتهمنا ويهشّم عظامنا ثم يلفظنا كي نولد من جديد".
دونا تارت تخلق في روايتها أمزجة متنوّعة وتستحضر أمكنة مختلفة. براعتها السردية وأسلوبها الشاعري وقوّتها الوصفية وحواراتها واهتمامها بالتفاصيل، كلّها عناصر لا تقاوم.
القيم والأفكار الفلسفية التي يحدّدها الأستاذ تلقي بظلالها على عدد من الوقائع التالية في هذا الكتاب المحبوك بذكاء. والمؤلّفة تبدو في أفضل حالاتها وهي تمزج بأسلوب لذيذ المجرّد والملموس، النظري والعملي، الحاضر والماضي التاريخي والمستقبل الذي تتكشّف ملامحه القاتلة تباعا.
الجانب الوحيد المخيّب للآمال في رواية التاريخ السرّي هو أن مؤلّفتها كتبتها وهي في الثامنة والعشرين من عمرها. وعندما تخطّت الثلاثين كتبت روايتها الثانية. وهذا يعني أننا لن نرى روايتها الثالثة إلا بعد أن تتخطّى الأربعين من عمرها. ومع إنتاج قليل مثل هذا فإن الكاتبة قد تجد نفسها في النهاية خارج أضواء الأدب وبعيدا عن اهتمام النقّاد. "مترجم".

No comments: