:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, July 15, 2012

محطّات

كتابة على الجدار

بعض القصص الدينية والتاريخية يعود إليها الفضل في إثراء اللغة بالكثير من العبارات والصيغ الدلالية التي تصف مواقف أو حالات معيّنة بطريقة موجزة وبليغة.
ومن تلك العبارات واحدة تتكرّر كثيرا في لغة الأخبار وفي الأعمال الأدبية، وهي عبارة "الكتابة على الجدار". وآخر مرّة قيلت فيها كانت منذ يومين على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية التي كانت تتحدّث عن الأوضاع في سوريا. وقد صرّحت كلينتون بقولها: لقد أوضحنا وشركاؤنا لروسيا والصين انه يتعيّن عليهما أن يُريا الأسد الكتابة على الجدار. إن على الرئيس السوري أن يرحل، لأنه لن ينجح في امتحان الثقة، ولأن على يديه الكثير من الدم".
فما هو أصل هذه العبارة، ومتى وكيف دخلت لغة الخطاب اليوميّ؟
هناك قصّة قديمة يقال أنها تعود إلى زمن حكم الملك البابليّ بلشاسار ابن القائد المشهور نبوخذنصّر. وطبقا للقصّة، كان بلشاسار ملكا متهتّكا ومستهترا. وذات ليلة، أقام في قصره في بابل حفلا دعا إليه ألفا من أفراد حاشيته وأصدقائه. كان الفرس آنذاك يفرضون حصارا مشدّدا على المدينة لاحتلالها وإخضاع أهلها.
لكن بلشاسار لم يأبه أو يهتمّ لذلك، إذ كان غاية ما يشغله هو إشباع أهوائه وملذّاته. وقد وصل به استهتاره، كما تروي القصّة، حدّ استخدام آنية المعبد المقدّسة كأقداح تُدار بها الخمرة على ضيوفه.
وبينما بلشاسار وحاشيته منهمكون في لهوهم وعبثهم، ظهرت فجأة يد على الجدار لتكتب بالآرامية هذه الكلمات الثلاث: معدودة، موزونة، مقسّمة".
أصيب الملك بالذعر ممّا رأى وأمر من فوره بجلب أبرع المفسّرين في بابل كي يشرحوا له سرّ تلك اليد ومعنى الكلمات الغامضة التي كُتبت على جدار القصر.
وفي النهاية جاءوا إليه برجل صالح يقال له دانيال. فقال مفسّرا ما حدث: أيّها الملك! لقد أحصى الله عمرك وأصبحت أيّامك معدودة. ووَزَن أعمالك فرجحت خطاياك على حسناتك. وحكم بزوال ملكك وتقسيم مملكتك بين الفرس والميديّين".
وتذكر القصّة انه في نفس تلك الليلة اقتحم الفرس قلاع بابل الحصينة وقتلوا بلشاسار واستولوا على المدينة وأخذوا أهلها سبايا وعبيدا.
ومنذ بدايات القرن الثامن عشر على الأرجح، أصبحت عبارة "الكتابة على الجدار" تُستخدم مجازا في اللغة للإشارة إلى حتمية وقوع خطر وشيك أو حدث جلل ومشئوم، أو للتدليل على أن نهاية شخص أو حدث ما قد تحلّ بأسرع ممّا يمكن تخيّله.
وأحيانا يقال عن شخص ما أنه يملك القدرة على قراءة الكتابة التي على الجدار، في إشارة إلى مقدرته في التنبّؤ بوقوع حدث سيّء أو بنهاية شيء ما بطريقة مأساوية أو منذرة بالخطر.

❉ ❉ ❉

التطوّر بين داروين ودافنشي

تشارلز داروين صدَم العالم عندما أعلن أن البشر يمتّون بصلة إلى القرود. وهي الفكرة التي قال بها شخص آخر سبق داروين بـ 350 عاما.
الشيفرة الوراثية أكّدت الشبَه الوراثي بين الإنسان والقرَدَة العليا، كما يقول العلماء. ونظرية داروين عن التطوّر تمّ الاعتراف بها باعتبارها الفكرة الأكثر أهمّية في العصور الحديثة.
لكن هل كان داروين فعلا أوّل شخص قال بهذه الفكرة؟
إن أهم جانب مثير للجدل في ثورة داروين الفكرية هو الاستنتاج بأننا أيضا تطوّرنا من فصيلة قديمة وأن أقرب المخلوقات إلينا هي القرود العليا.
والشيفرة الوراثية أثبتت مدى الشبه الكبير بين الإنسان والشيمبانزي. ومع ذلك وقبل داروين بقرون، ظهر عبقريّ آخر سبقه إلى هذا الاكتشاف، هو ليوناردو دافنشي.
كان دافنشي يعتبر أن ارتباط البشر الوثيق بالقرود أمر بدهيّ. وهو لم يطرح هذه الفكرة كحالة تستحقّ الجدل.
في مذكّراته الموجودة في المكتبة الملكية لقصر ويندسور، يذكر دافنشي - استنادا إلى دراساته في التشريح المقارَن - أن البشر والقرود هم أبناء عمومة، وأن تشريح الإنسان قريب جدّا من تشريح بعض المخلوقات الأخرى ومن بينها القرود.
ثم يؤكّد على هذا الرأي بقوله: القرَدَة وغيرها ليست فقط ذات صلة بالإنسان، بل إنها تنتمي تقريبا إلى نفس الفصيلة.
كتب دافنشي ملاحظاته هذه قبل خمسمائة عام وقال فيها أشياء قريبة جدّا مما قاله جيرد دايماند الكاتب في مسائل العلم الحديث في كتابه "صعود وسقوط الشيمبانزي الثالث".
إن جزءا من الاحترام الذي يحظى به داروين هو أنه طرح تساؤلاته في العصر الفيكتوري. ومن خلالها جرّد البشر من وهمهم القديم بتفرّدهم البيولوجي.
ترى كم من الشجاعة والعبقرية لزم دافنشي عندما طرح هذه الأسئلة قبل خمسة قرون؟!

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية





❉ ❉ ❉

ترويض النمر

للنمر حضور قويّ ودائم في الفلسفة والأدب والفنّ وفي كتب الحكمة القديمة.
اوجين ديلاكروا، الفنّان الفرنسيّ الرومانسيّ، كان مفتونا بالنمور. وكان يتوق لرؤية احدها أثناء أسفاره في بلدان المشرق كي يرسمه. لكنّ محاولاته لرؤية القطّ البرّي المتوحّش عيانا وسط الطبيعة لم تتحقّق. وعندما عاد إلى باريس، داوم على زيارة حديقة الحيوان فيها كي يراقب النمر ويدرس حركاته وسكناته تمهيدا لرسمه.
وفي ما بعد رسمه مرارا في العديد من لوحاته. من أشهر تلك اللوحات لوحته "اصطياد النمر" التي صوّر فيها حركة وعنف وضراوة هذا الحيوان وهو يقاوم محاولات مجموعة من الرجال الأشدّاء للإجهاز عليه وقتله.
إصرار وعزيمة الرجل الذي يمتطي حصانا ورعب الحصان وعدوانية النمر، كلّ ذلك أبرزه ديلاكروا في هذه اللوحة الرائعة من خلال الضوء الساطع والألوان المتوتّرة.
النمر أيضا موجود بكثرة في كتب الصينيين القدماء. وهناك حكمة صينية مشهورة تقول: إحتضن النمر وعُد إلى الجبل". والنمر في هذه الحكمة يرمز إلى التحدّيات التي نواجهها في الحياة. أما الجبل فيرمز إلى المكان الهادئ الذي نعود إليه طلبا للسلام والطمأنينة.
وعلى عكس الفكرة الشعبية القائلة بقتل النمر، فإن التصوّر الصينيّ المثاليّ يدعو إلى ترويض الحيوان الذي يقبع في دواخلنا كي نصبح على وئام معه. وترويض النمر يتطلّب الكثير من الوعي وإعمال العقل والعواطف.
النمر مشهور عادةً بقوّته وخفّة حركته وبجماله أيضا. أحيانا، يزمجر بعنف. وأحيانا أخرى، يموء بعذوبة مثل قطّ أليف. واحتضانه يعني، ضمناً، التفكير في احتمالات شتّى.
احتضان النمر يعني مواجهة المشاكل والتحدّيات التي تعترض طريقنا من اجل ترويضها ومعالجتها بصبر وحكمة بدلا من دفعها بعيدا. والوصول إلى مستوى من السكينة وراحة البال يتطلّب من الإنسان أن يروّض النمر "أو المواقف الصعبة" كي يعود إلى قمّة الجبل حيث السلام والملاذ الآمن.

Credits
humanities.com

4 comments:

بنت القمر said...

بيفضل القديم محتفظ بطزاجة وبكارة بطعم الحنين برغم كل اخطاؤه
:)

Arpy Asmar said...

في بعض الحالات فقط اوافق الناقد الأمريكي. اما رأيك بالقراءة وتطور الاسلوب، فأنا اؤيده تماما، مع اضافة نقطة. انه مع تقدم الوقت، وبسبب الخبرات الحياتية والتي تتفاعل مع ما نقرأه، تتغير حتى نظرتنا الى موضوع ما ويتغير موقفنا.

شكرا لك
أربي اسمر

Prometheus said...

بنت القمر
صحيح ما تفضلت به. شكرا جزيلا لك.

Prometheus said...

اربي
أوافقك، مع مرور الزمن تتغيّر، ليس فقط أساليب التعبير والكتابة، وإنما أيضا نظرتنا للأمور والكثير من مواقفنا إزاء الحياة والأشياء. تحياتي.