:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, May 06, 2013

!بُوسان المتعجرف والبارد

أحيانا اُتّهم بأن أفكاري عن الفنّ تقليدية. وهذا اتّهام ظالم. فلو كنت تقليديّا بالفعل لأحببتُ الرسّام نيكولا بُوسان.
عاش هذا الرسّام في القرن السابع عشر وقضى معظم حياته في ايطاليا. وهو فرنسيّ كان يستلهم موضوعات لوحاته من الأساطير والأدب. ولوحته رعاة أركاديا هي واحدة من أكثر الأعمال شهرة في متحف اللوفر في باريس.
بالنسبة لعشّاق الفنّ الأصيلين، فإن حبّ هذا الرسّام هو المحكّ الحقيقيّ للذوق الرفيع. أن تفهم بُوسان وتُعجب به، فإن هذا هو طقس العبور كي تصبح عاشقا حقيقيّا للفنّ.
مؤرّخ الفنّ تيموثي كلارك ألّف مؤخّرا كتابا عن لوحة بُوسان طبيعة مع رجل قتلته أفعى الموجودة في الناشيونال غاليري. وأنا أتساءل: كيف وبأيّ منطق يمكن لأيّ شخص أن يشعر بالانجذاب نحو هذا الرسّام المُملّ؟!
ليست المسألة انه لم تُتح لي الفرصة لكي أصبح مفتونا بـ بُوسان. فقد قضيت ذات مرّة ليلة في فيللا ميديتشي في روما لرؤية معرض لأعمال بُوسان. وكان هناك في نفس الوقت معرض آخر في المدينة لأعمال بوتيتشيللي. وأتذكّر كيف أن الايطاليين نفروا من الانضباط البارد لـ بُوسان.
هذه هي مشكلتي مع الرسّام. أجد أعماله بلا دم أو روح. بالطبع، أستطيع أن أرى جدّية ونطاق فنّه. وليس هناك مكان أفضل من الناشيونال غاليري حيث لوحته عن الرجل والأفعى التي درسها كلارك. لكن أين هي الحياة في لوحاته؟ أين الافتتان؟ أجد لوحاته مثل المعادلات الرياضية التي تشرح كيف ينبغي أن يكون الفنّ العظيم .
سيزان كان معجبا بـ بُوسان. وأنا أحبّ سيزان. لكن بالنسبة لي، فإن الفرق بينهما واضح. في فنّ سيزان، هناك توتّرات عميقة، سكون صُوَره يُدمدم بالخطر. وأنا لا أجد توتّرات في بُوسان. غطرسته مطلقة وعالمه الفنّي مغلق.
وعندما يتحمّس له الناس، فإنني لا أستطيع كتم شعوري بأنهم دجّالون ومحتالون على مستوى ما. أنا متأكّد من أنني مخطئ. ولكن عندما يتعلّق الأمر بـ بُوسان، فأنا شخص غير مثقّف ومعادٍ للقيم الفنّية السائدة وأخشى أن أظلّ هكذا دائما.

❉ ❉ ❉

المقال أعلاه كتبه الناقد جوناثان جونز قبل أسابيع في جريدة الغارديان. والكاتب يطرح في مقاله سؤالا قديما - جديدا يتعلّق بماهيّة الفنّ الجيّد والفنّ الرديء، وهل هناك معايير محدّدة يمكن الاستناد إليها للتمييز بين النوعين؟
في بعض الأحيان، يعبّر بعض الناس عن إحباطهم عندما يجدون شيئا يعتقدون انه فنّ جميل، بينما يعتبره آخرون فنّا رخيصا. ومسألة النسبية في تقييم الأعمال الفنّية موجودة حتى في أوساط النقّاد ومؤرّخي الفنّ. فما يعتبره شخص ما فنّا رخيصا قد ينظر إليه آخر باعتباره فنّا عظيما.
غير أن الفكرة السائدة في أوساط بعض الفئات، وخاصّة من يُسمّون بالنخبة أو المثقّفين، هي أن الفنّ الراقي يمكن أن نجده في قصيدة لـ إليوت أو لوحة لـ بيكاسو أو سيمفونية لـ موزارت. في حين أن الفنّ الرخيص أو الرديء هو ذلك الذي يفضّله غالبية الناس والطبقات الشعبيّة خصوصا. واقرب مثال يرد إلى الذهن هو لوحات نورمان روكويل وموسيقى البوب وتلك اللوحات البرّاقة التي تزيّن التقاويم المكتبية والروايات الرومانسية الشعبية.
في بدايات القرن الماضي، بدأ الناس يتداولون مصطلحا فنّيا جديدا هو الكيتش آرت، وهي كلمة ألمانية تشير إلى نوع من الفنّ الذي يعكس ذوقا رديئا بسبب بهرجته المفرطة وإغراقه في العاطفية. هذا النوع من الفنّ غالبا ما يروق للطبقات الشعبية من المجتمع. ومن سماته انه منفصل عن الحياة كما انه لا يهتمّ كثيرا بالعوامل الحرفية ولا بالاعتبارات الجمالية.
الفنّ الرخيص أصبح هذه الأيّام يرتبط بالثقافة الشعبية وما ترمز له من انحلال وسلبية وتقليد وسطحية وابتذال بالإضافة إلى طابعها الاستهلاكي والميكانيكي، وفي المقابل يتسم الفنّ الرفيع بالتفرّد والتعقيد والفردانية والأصالة والعمق. لذا من غير المستغرب أن يذهب بعض النقاد إلى اعتبار فنّ اندي وارهول وروي ليكتنشتاين من قبيل الفنّ الرخيص بالنظر إلى شعبيته وتوظيف الآلة في إنتاجه وغلبة الطابع التجاري عليه.
في فنّ الحداثة وما بعدها، بما في ذلك الأدب، لم يعد يُنظر إلى الكيتش آرت والفنّ الشعبيّ على انه فنّ رخيص أو عديم القيمة. بل جرى عليه ما جرى على كثير من الفنون التي كان يُنظر إليها بدونية، وأصبح مع مرور الأيّام جزءا لا يتجزّأ من البنية العامّة لمفهوم الجمال السائد. وقد راج هذا الفنّ وازدهر بسبب سخرية النقّاد منه واحتقارهم له. بل إن بعض الأعمال الفنّية المصنفة على أنها رخيصة بيعت بملايين الدولارات، مثل بورتريه فلاديمير تريتشيكوف عن الفتاة الصينية ذات الوجه الأزرق والبورتريه الغريب الذي رسمه سلفادور دالي لـ مونا فون بيسمارك.
السؤال الذي يطرح نفسه اعتمادا على مضمون المقال أعلاه هو: هل من الضروري أن يكون كلّ شيء في الفنّ معذّبا وصادما وباعثا على الخوف والتوتّر والخطر كي يُعتبر فنّا أصيلا وجيّدا؟
هناك عبارة مشهورة تقول إن الجمال يكمن في عين الناظر، أي أن المتلقّي هو الذي يقرّر لنفسه إن كانت هذه القطعة الفنّية جميلة أم غير ذلك. والواقع انه لا توجد معايير واضحة ومحدّدة للفنّ الجيّد أو الجميل، كما أن النقّاد والخبراء مختلفون كثيرا حول هذه النقطة. والأمر يتعلّق في النهاية بذائقة الفرد نفسه وطريقته في النظر إلى العمل الفنّي. لذا لا تدع أحدا يحدّد لك معنى الفنّ، ولا تهتمّ بما يقوله الآخرون أو بما يؤمنون به. فقط ركّّز على أن تُبقي عقلك مفتوحا وخذ وقتا كافيا في دراسة وتأمّل الأعمال الفنّية ودرّب نفسك على تبيّن محاسنها وسلبيّاتها.

No comments: