:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, April 28, 2013

على خُطى ابيكوروس

دانيال كلاين فيلسوف وأكاديميّ أمريكي ومؤلّف أكثر من عشرين كتابا. قبل عامين، عندما بلغ كلاين الثالثة والسبعين من عمره، حزم حقائبه وتوجّه إلى جزيرة يونانية صغيرة تقع في بحر ايجة. كان غرضه من تلك الرحلة أن يتأمّل حياته الماضية ويبحث عن أفضل السبل لقضاء فترة شيخوخة هادئة ومثمرة بعيدا عن المنغّصات والصخب.
وهذا الكتاب بعنوان "أسفار مع ابيكوروس: رحلة إلى جزيرة يونانية بحثا عن حياة معطاءة" هو ملخّص لأفكار وتأمّلات الكاتب خلال فترة العام التي قضاها في جزيرة هايدرا الصغيرة والتي سبق له أن زارها عندما كان شابّا في العشرين من عمره.
اسم هايدرا مشتقّ من اليونانية القديمة ومعناه "الماء". وقد اكتسبت الجزيرة هذا الاسم لكثرة ينابيع الماء فيها. والمعروف أن سكّانها يعيشون في المتوسّط فترة أطول من غيرهم بعشر سنوات، بسبب هوائها المنعش وتضاريسها الجبليّة وأسلوب الحياة البسيط فيها الذي يعتمد على الفواكه والخضروات الطازجة وحليب الماعز.
قرار كلاين بأن يعيش عاما في تلك الجزيرة كان باعثه رغبته في أن يتأمّل ايجابيّات تجربة الشيخوخة في مكان يبدو أن الناس فيه يعرفون السرّ إلى حياة طويلة وسعيدة وصحّية. وقد أخذ معه إلى هناك مجموعة من الكتب لكبار الفلاسفة مثل أفلاطون ونيتشه وسارتر وكانت وراسل وإريكسون. كما اصطحب معه كتبا أخرى مثل كتاب الفيلسوف وليام جيمس عن التجربة الدينية، ومقدّمة مارتن هايديغر عن الميتافيزيقيا، وكتاب عالم الانثروبولوجيا إرنست بيكر بعنوان إنكار الموت.
غير أن كلاين اخذ معه أيضا كتاب فنّ السعادة لكاتبه المفضّل فيلسوف القرن الثالث قبل الميلاد ابيكوروس "أو أبيقور كما يُسمّى بالعربية" الذي يحكي فيه عن فضائل الشيخوخة ويحثّ أولئك الذين تجاوزا مرحلة الشباب بأن يسترخوا ويبطئوا سيرهم ويتأمّلوا ويستسلموا للإيقاعات الطبيعية للشيخوخة.
وجزء كبير من كتاب كلاين، المليء بالحكمة وروح الدعابة، هو عبارة عن انعكاس لما تعلّمه من حكيمه اليونانيّ عن ضرورة الإقبال على المتع البسيطة التي تتاح للإنسان في المرحلة المتأخّرة من حياته. كما ينقل في الكتاب جانبا مما تعلّمه من جيرانه اليونانيين المسنّين الذين كان يُمضي معهم الوقت في الدردشة في الحانات والحدائق والذين تعلّموا كيف يستمتعون بحياة بسيطة وذات وتيرة متمهّلة.
يفتتح المؤلّف كتابه باقتباس من ابيكوروس يقول فيه: ليس الشابّ هو المحظوظ، وإنّما العجوز الذي عاش حياته بشكل جيّد، ذلك أن الشابّ في بدايات عمره تقوده الصدفة وحدها وهو متذبذب في معتقداته، في حين أن سفينة العجوز تكون قد رست في الميناء بعد أن ضمن سعادته الحقيقية".
كان كلاين يتأمّل الحياة اليومية في اليونان ومعتقدات فلاسفة الإغريق الكلاسيكيين. وكان يداوم على المشي يوميّا في طرقات الجزيرة المحاطة بالطبيعة الصخرية وضوء الشمس حيث لا سيّارات ولا مركبات، متحدّثا إلى البحّارة والقضاة المتقاعدين الذين كانوا يَبدون راضين وقانعين بحياتهم.
ولساعات طويلة، كان يجلس على شرفة منزله في الريف اليونانيّ يتجاذب أطراف الحديث مع من يجدهم هناك من نظرائه السبعينيّين والثمانيّين الذين تعلّم منهم أن الشيخوخة هي شيء يمكن تقديره وليس ازدراؤه أو إنكاره.
وعلى الرغم من أن كلاين لا دينيّ وممّن لا يؤمنون بآلهة جبل الأوليمب ولا بأيّ آلهة أخرى، إلا انه يتحدّث في هذا الكتاب مرارا عمّا يسمّيه "قداسة الأشياء المألوفة" كالعادات والاحتفالات الشعبيّة لعيد الفصح الأرثوذكسي اليونانيّ، زاعما أن كلّ هذه العادات الوثنيّة هي أكثر ديمومة وأصالة من الطقوس الفعليّة للأديان.
يتحدّث المؤلّف في بعض أجزاء الكتاب عن فكرة ابيكوروس القائلة بأن الملذّات العقلية متفوّقة على المتع الجسدية، وعن نظرته، أي ابيكوروس، إلى الشيخوخة باعتبارها ذروة الحياة لأن الإنسان يصبح فيها متحرّرا من الأنشطة والمسئوليات بحيث يستمتع بملذّات الرفقة الحقيقية. ويرى كلاين أن ابيكوروس سبق الوجوديّين مثل سارتر وهايديغر عندما فضّل سعادة الفرد على المواطَنة المسئولة، الأمر الذي جلب له مشاكل مع معاصريه.
ويلاحظ كلاين كيف أن الناس الذين دخلوا مرحلة الشيخوخة يركضون في كلّ اتجاه محاولين أن يروا اكبر عدد من الأماكن والوجهات قبل أن يموتوا. وهؤلاء، حسب رأيه، ينكرون حقيقة واقعة تزحف بالقرب منهم، ولهذا السبب لا يعيشون حياة حقيقية. إنهم، كما يقول، يشبهون ساكني كهف أفلاطون الذين يخلطون بين الظلال على جدران الكهف وبين الواقع، في حين أن حقائق الحياة، على الرغم من صعوبة استيعاب بعضها، مضيئة وواضحة بشكل جليّ خارج جدران الكهف.
ويضيف متسائلا: ترى ماذا نكسب عندما ننكر أننا أصبحنا متقدّمين في العمر، ونختار بدلا من ذلك زراعة تراكيب الأسنان وتعاطي الفياغرا ومحاولة الحصول على وظيفة ثانية؟ ويقتبس من ابيكوروس نصيحته بأن أفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان في حياته المتأخّرة هو أن يعيش حياة مكرّسة للمتع البسيطة والدائمة والخالية من الألم، بدلا من اللهاث وراء الملذّات التي تثقل كاهل المرء وتحمّله فوق ما لا يطيق.
ويتناول المؤلّف الطرق التي يمكن للإنسان من خلالها أن يعيش مرحلة شيخوخة مثمرة ومفيدة. ويقتبس عن أفلاطون قوله في كتاب القوانين أن الإنسان هو ألعوبة الله. لذا يتعيّن على كلّ رجل وامرأة أن يعيش حياته وفقا لذلك، أي أن يتعامل مع الحياة باعتبارها لعبة". ويعلّق على ذلك بقوله: ثمّة معنى عميق في الفكرة القائلة بأن الحياة لعبة. يجب عليك أن تقدّس الحياة، وفي نفس الوقت ألا تأخذ شيئا فيها على محمل الجدّ".
ويتذكّر كلاين توقّفه في جزيرة كورفو مع زوجته، التي اقترحت عليه زيارة قبر شخصيّة مشهورة حكمت آسيا الصغرى لسنوات. "أخذنا الحافلة وكان علينا المشي لنصل إلى كومة من الصخور. ثمّ رأينا علامة باليونانية مكتوبا عليها: هنا يرقد القائد فلان". وقلت: لقد ترك علامته". لكنّي أعتقد أن من الخطأ أن نفكّر في ذلك. وأنا ممّن يعتقدون أن الإنسان لا يجب أن يترك وراءه الكثير من العلامات".
وفي مكان آخر من الكتاب يقول: يتعيّن على الإنسان أن يستمتع بأحبّائه دون أن يكون لذلك دوافع خفيّة. وينقل عن ايمانويل كانت جانبا من موعظته التي يقول فيها: عامِل الناس كغاية في حدّ ذاتها، وليس كوسيلة لتحقيق غاية. ويعلّق على ذلك قائلا: إن إحدى متع الحياة الكبيرة في نهايات العمر هي أن لا تحتاج لشيء من أصدقائك".
كلاين كان بحاجة إلى التشجيع من أصدقائه اليونانيّين. وقد رأى بعضا منهم وهم يشيخون، وهم يفعلون ذلك بطريقة جيّدة، حتّى في خضمّ الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد.
وينقل عن أولئك الأصدقاء شعورهم بالأسف من رغبة الغربيّين المعاصرين في توسيع الحياة خارج مسارها في مراحل العمر المتقدّمة. ويلاحظ أن أصدقاءه في الجزيرة كثيرا ما يطيلون الجلوس مع المعارف والأصدقاء في صمت. ويقول معلّقا: أعتقد أنني رومانسيّ. ومع ذلك اعتبر أن جلوس الإنسان مع آخرين والتواصل معهم دون حاجة إلى كلام هو من الأشياء الجميلة والمثيرة للفضول".
كتاب دانيال كلاين عبارة عن تأمّل بارع في معنى الحياة ودليل متفائل للعيش بشكل جيّد. كما انه يتضمّن رؤية مختلفة عن الشيخوخة باعتبارها مرحلة متميّزة وقيّمة من مراحل الحياة.

موضوع ذو صلة: سيمفونية الحياة

3 comments:

Arpy Asmar said...

كل ما كتب صحيح، وانا موافق عليه. وخاصة هذه المقولة الجميلة: "عامِل الناس كغاية في حدّ ذاتها، وليس كوسيلة لتحقيق غاية."

ولكن هل يمكن تطبيق ما كتب حقا على حياتنا في الدول الشرقية؟؟؟!!!
فلأب والام اي الأهل يظلان يحملان هم أولادهم حتى الممات. لهذا لا يفكرون كثيرا في مظهرهم الخارجي، ولكنهم مثقلون بهمومو شبابهم.

شكرا لك
أربي اسمر

Arpy Asmar said...

كل ما كتب صحيح، وانا موافق عليه. وخاصة هذه المقولة الجميلة: "عامِل الناس كغاية في حدّ ذاتها، وليس كوسيلة لتحقيق غاية."

ولكن هل يمكن تطبيق ما كتب حقا على حياتنا في الدول الشرقية؟؟؟!!!
فلأب والام اي الأهل يظلان يحملان هم أولادهم حتى الممات. لهذا لا يفكرون كثيرا في مظهرهم الخارجي، ولكنهم مثقلون بهمومو شبابهم.

شكرا لك
أربي اسمر

Prometheus said...

أربي اسمر
حتى في الغرب في هذه الظروف التي يشيع فيها مبدأ المصلحة والمنفعة لا أظن أن الكثيرين يؤمنون بهذا القول المثالي أو يأخذونه على محمل الجد. لكن هذا لا يعني أنه خطأ من الناحية الإنسانية أو الأخلاقية. تحياتي لك.