:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, July 16, 2009

أعمى يقود عُمياناً

يمكن اعتبار هذه اللوحة نموذجا للفنّ الذي يخاطب العقل ويطرح الأسئلة.
والحقيقة أن معظم لوحات بيتر بريغل هي من هذا النوع الذي يثير الفكر ويبعث على التأمّل. عنوان اللوحة "أعمى يقود عُميانا". وموضوعها مستمدّ من عبارة وردت في الإنجيل تقول: إذا كان من يقود الأعمى أعمى مثله، فسيقعان كلاهما في الحفرة".
في اللوحة يرسم بريغل ستّة رجال عُميان وهم يشقّون طريقا متعرّجا عبر طبيعة ذابلة تقع على أطرافها كنيسة ريفية ويجري وسطها نهر صغير. الدليل الأعمى يسقط في الحفرة مع أشيائه. بينما يتعثّر به الأعمى الثاني. ويبدو الثالث على وشك اللحاق برفيقيه. أما الرجال الرابع والخامس والسادس فلا يعرفون بعد ما الذي يحدث. غير أن سقوطهم في الحفرة، هم أيضا، يبدو أمرا محتّما في النهاية.
من الأسئلة التي تطرحها اللوحة: هل العمى هنا حقيقي أم مجازي؟ ولماذا اختار بريغل أن يضمّن اللوحة منظرا لكنيسة بالذات وليس أيّ بناء آخر؟ هل كان يقصد أن الإيمان الأعمى دون تثبّت أو اقتناع يفضي بالإنسان إلى الضياع والتيه؟ وهل ينطوي الأمر على موقف ما من الدين بشكل عام؟
الطبيعة المراوغة لهذه اللوحة، والمتمثّلة في تعدّد دلالاتها المتناقضة واحتمال فهمها على أكثر من وجه، أدّى إلى ازدياد شعبيّتها وجاذبيّتها، خاصّة لدى الشعراء والروائيين.
الشاعر كارلوس وليامز الفائز بجائزة البوليتزر لعام 1962 عن ديوانه "صُوَر من بريغل وقصائد أخرى" وصف اللوحة بأنها "مروّعة، ولكنْ رائعة".
ومؤخّرا اصدر مؤلّف روايات الخيال العلمي الألماني "غيرت هوفمان" رواية استلهم أحداثها من لوحة بريغل كما اقتبس اسم اللوحة ليضعه عنوانا لروايته.
الموضوع التالي عبارة عن ترجمة موجزة لمقال نشر منذ أيّام في النيويورك تايمز يلقي فيه كاتبه بعض الضوء على الرواية ويتناول مغزى اختيار المؤلف للوحة كي يبني عليها أحداث روايته.


"غيرت هوفمان" أديب ألماني متخصّص في كتابة روايات الخيال العلمي. من أشهر رواياته "مشهد في البرج" و"الانتصار". وهما دراستان طويلتان تتحدّثان عن بشاعة وهمجيّة الإنسان تجاه أخيه الإنسان. وتجري أحداث الرواية الأولى في منطقة صحراوية في صقلية، بينما تجري أحداث الثانية في عام 1945 وبالتحديد في يوم الربيع الذي شهد نهاية الرايخ الألماني.
وفي هاتين الروايتين، كما في أعماله الأخرى، تبدو شخصيّات هوفمان، خاصّة رواته، مستعدّة للغرق تحت وطأة المعلومات الشنيعة، والغامضة غالبا، التي يُطلب منهم إيصالها.
التصرّفات توحي بالجنون، حتى عندما يكون الدافع في بعض الحالات غير واضح. والحوارات عبارة عن كتل من الجمل المكسورة التي تتمدّد وتتّسع بفعل صخب البيئة، على نحو يذكّر بموسيقى بعض أفلام روبرت التمان.
ويصبح سرد هوفمان شرحا لما لا يقال عندما يلجأ إلى ملء الثغرات التي تتركها بعض محاولاته القاصرة عن توصيل الأفكار التي يريدها.
آخر روايات هوفمان اختار لها عنوان "أمثولة العميان" وهي رواية ليست قصيرة فحسب وإنما تعمّد أن يكتبها بجمل مختزلة، لكنها مكتملة المعنى وجديرة بثقة القارئ.
وموضوع الرواية يتمحور حول لوحة الرسّام الهولندي بيتر بريغل الأكبر بنفس الاسم.
في الرواية، يعطي هوفمان الرجال الستّة أسماء. "ريبولوس" القائد الذي يرى فقط ما يكفي لان يميّز ما بين النور والظلمة. وهناك "الرجل المشقوق" الذي لحق به العمى لارتكابه السرقة. ثم "بيليجامب" الذي كان ذات يوم جنديا. و"مالنتي" الذي يختار تلك اللحظات الغريبة كي يبدأ في الإنشاد ثناءً لله الذي سمح له بأن يصاب بالعمى.
لكن المؤلف ترك الرجلين في الوسط بلا اسم. راوي القصّة الذي يحكيها بصيغة الجمع "نحن" يشير إلى الرجال الستّة مجتمعين، وكأنه يحاول تعميم الأمثولة لتشمل البشر كلّهم.
وإذا كان رجال بريغل العُميان يسيرون وحدهم في الطبيعة، فإن "لوحة" غيرت هوفمان الروائية مزدحمة بالناس. وأشخاصه الستّة ليسوا في رحلة تجريدية، فقد صحوا من النوم في اليوم الذي قرّر فيه الفنان رسمهم. وهو يريد - كما يشير إلى ذلك في نهاية الكتاب - أن يبذل محاولة أخيرة كي يضع كلّ ما أراد أن يقوله عن العالم في صورة واحدة.
الرجال الستّة جلبهم من الحظيرة، حيث كانوا يحلمون، رجل يقال له الطارق. فيما قادهم إلى الإفطار شخص آخر وراقبهم طوال اليوم مجموعة أخرى، بعضهم بأسماء والبعض الآخر بلا أسماء. والعميان لا يستطيعون رؤيتهم، لكنهم على علم دائم بهم كما أنهم لا يشعرون نحوهم بالارتياح.
والمجتمع الإنساني بالنسبة إلى الرجال الستة واقع متلاشٍ. انه عالم يطلب منهم أكثر ممّا يستطيعون القيام به وهم على تلك الحالة من الإعاقة. في احد مقاطع الرواية، يتوقف الراوي للحديث عن مهارات ريبولوس القيادية فيقول: الكثير من الكلمات التي كان يعرفها نسيها تماما، على الأقل نصفها. ولا عجب إذن أن عباراته تصبح اقصر فأقصر. لكن لا شيء من هذا يزعجه، لأنه يعتقد بأنه عندما تكون جميع الكلمات قد نُسيت، فلن يعود هناك شيء فوقنا أو تحتنا أو أمامنا أو في دواخلنا".
وفي أثناء ذلك، يقوم بريغل برسم الرجال الستة. وقد قرّر أن يرسمهم واقعيا، وأن يجعلهم يمشون باتجاه النهر المتعرّج المارّ قرب بيته. وعندما يبدءون في عبور الجسر يجعلهم يقعون ويصرخون لحظة سقوطهم في الماء المتجمّد للنهر من أثر الشتاء. ولأنه حريص على الإمساك بالخراب الذي يرى انه متأصّل في الحالة الإنسانية، فإنه يجتهد في رسم انفعالاتهم وحركاتهم التي يختصرها منظر أفواههم المفتوحة وعيونهم الفارغة والمشدوهة.
والمفارقة واضحة، وهي ما حاول هوفمان قوله في روايته.
لقد اختار أن يتحدّث في الرواية عن فشل الإدراك واضمحلال اللغة. وقد فعل ذلك ببراعة تقترب من براعة الرسّام. وهناك فورية الانطباع الاستشعاري الذي يعزّزه التأمّل العقلي المستمرّ في تناقضات الفنّ الذي يأتي من خلال اصغر التفاصيل: أنين خنزير عالق، الملح الصخري المتصبّب من جدران منزل بريغل أثناء فيضان الربيع. وكلّ ذلك في قالب مبهر وممتع.
إن هوفمان يتعامل مع اللغة في الرواية مثلما يفعل شاعر، ويكتب بتوتّر درامي تفتقر إليه رواياته الأخرى.
وهو في هذه الرواية يتناول البشاعة عندما تتحوّل إلى قيمة روحية تكشف عن الدلالات المتناقضة التي توحي بها عبارة "الإيمان الأعمى".

10 comments:

الوجوه الساكنة said...

وعندنا نقول عميا تمشط مجنونة
فتخيل حال الاثنتين
:)

لاادري لم اراني هنا دائما،،طفلة مشدوهة..ملبكة بالموسيقى و بالألوان والحكايات الغريبة


اتمنى قراءة ذلك الكتاب

ان اعرف كيف هو مذاق الجمل ((المكسورة التي تتمدد وتتسع بفعل صخب البيئة،،على نحو يذكر بموسيقى افلام روبرت التمان))
!
..
شكرا لك

Prometheus
و
لقلبك السلام

Αρετή Κυρηνεία said...

اجدت هذه المرة حكايتك عن اللوحة فدفعتنى للتفكير ..ربما هو مايحصل فى العالم والحياة اليومية فى عالمنا ..كثيرا من البشر يقودون اعداد اكبر من الست وهم عميان البصيرة، وربما تنطبق هذه اللوحة على رجال السياسة كثيرا...امتعتنى كالعادة يابرومثيوس ..يومك طيب

Prometheus said...

أهلا بك يا عزيزتي. وشكرا لك على التعليق الطريف. طبعا اعرف ذلك المثل جيّدا وأظنّ انه لا يبتعد كثيرا عن قصّة العميان التي أجدها بليغة وموحية. أتصوّر أن في واقعنا من القصص والأحداث ما يثبتها ويؤكّدها.
حتى أنا أريد تذوّق ذلك النوع من الجُمل. لكن أرجو أن لا تشغلي بالك كثيرا بالأمر، فالنقاد أحيانا يبالغون ويثقلون على أنفسهم في محاولة اختيار كل ما هو غريب وغير مألوف من التعبيرات والأوصاف.
سعدت كثيرا بحضورك الجميل.
مع خالص شكري ومودّتي.

Prometheus said...

Αρετή Κυρηνεία عزيزتي

أهلا وسهلا بك. قد يكون كلامك صحيحا. لكن لا تنسي رجال الدين في علاقتهم مع العوامّ. لا أتصوّر ان دورهم مختلف كثيرا.
خالص تقديري ومودّتي لك.

عمر said...

المميز بروميثيوس

في تلك اللوحه يبدو جليا أن العميان كلهم رجال متوسطي العمر (كما يبدو لي) وكلهم يسقطون في الحفره <<< يرمز الى شيء ما طبعا

في إعتقادي أن آخر أربع لن يسقطوا لأنهم ليسوا طرشا ايضا، سوف يسمعون دوي وقوع أول اثنين.

أتمنى بعد ما حصل في العراق و أفغانستان أن نكون سمعنا دوي وقوع أول اثنين.

تحياتي لك

Αρετή Κυρηνεία said...

نعم اتفق معاك فى هذه النقطة بالذات ، فبالامكان نلاحظ تأثير بعضهم السىء على ما وصلنا إليه ..على العموم هى مشكلة انسانية ازلية فى كل زمن ومكان تتكرر...بالمناسبة اصبحت احب المرور على المدونتين لمشاهدة التغيرات فى اللوحات الفنية ، والله اختياراتك فى غالبيتها تسحرنى...لم اعد اقرا لك تدوينات عن الموسيقى ..هل توقفت على السماع؟ ...مودتى لك ايها المميز

Prometheus said...

عزيزي عمر:
ربّما كان معك حقّ في ما قلته.
من يدري؟!
وأثني على إشارتك الذكية في ما يخص العراق وأفغانستان.
أتمنى ذلك أيضا.
خالص تحيّاتي ومودّتي.

Prometheus said...

Αρετή Κυρηνεία عزيزتي
شكرا لك على كلمات المجاملة. طبعا مرورك يسعدني ويسرّني كثيرا. أما بالنسبة للموسيقى فالحق على الوقت كما تعلمين. لكن أتمنى أن أتمكّن قريبا من كتابة المزيد من الموضوعات الموسيقية.
تحياتي ومودّتي لك واهلا وسهلا بك دائما.

yasser esmail said...

مدونه جامده جدا جدا
والى الامام دائما
وارجو منك زيارة مدونتى وابداء رايك بها
http://www.farafero82.blogspot.com

ولو تحب نعمل تبادل روابط اوك

شكرا

Prometheus said...

شكرا جزيلا لك عزيزي ياسر واهلا وسهلا بك دائما.