:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, August 06, 2009

في البحث عن معنى

ينفرد الإنسان من بين كافة المخلوقات بقدرته على التخيّل. وقد دفعته قوّة مخيّلته إلى الاعتقاد بأنه يستطيع تغيير الواقع وأن يخلق ظروفا غير تلك الظروف التي يعيش ضمنها من اجل الوصول إلى حالة أفضل وأكثر مثالية.
قوّة المخيّلة عند الإنسان هي التي مكّنته من تحقيق الكثير من الابتكارات والانجازات التي غدت الحياة بفضلها أسهل وأكثر راحة واسترخاءً. غير أن التحدّي الأكبر الذي واجهه خيال الإنسان دائما كان توقه لأن يكسر سجنه الأرضي وأن يوسّع نطاق حركته وتأثيره ليشمل الفضاء. والخيال كان القوّة المحرّكة التي ألهمت الإنسان أن يصل إلى الزوايا البعيدة للكون في محاولة لاكتشاف ما تخبّؤه العوالم البعيدة المجهولة من أسرار وغموض.
إن الإنسان عندما يفكّر في هذا الكون الواسع الذي لا تحدّه حدود، وعندما يتأمّل هذا المعمار البديع الذي ينهض عليه الكون بكلّ ما يحتويه من مخلوقات وموجودات لا بدّ وأن يتخيّل أن من صاغه وأحكم صنعه شاعر مبدع يقدّس الجمال ويقدّره حق قدره. وقد يكون في طبيعة هذا الصانع العظيم الذي يخلع على كلّ شيء هويّة ومعنى شيء من صفات الأنوثة والرّقة. شيء ما قريب ممّا يقول به المتصوّفة في وصفهم لذات الله. إنه مختلف كثيرا عن ذلك الإله الغاضب المنتقم الذي يدكّ الجبال ويسيّر الرياح المدمّرة وليس له من همّ إلا إرسال البرق والصواعق ليصبّها على رؤوس المذنبين الخاطئين من عباده الضعفاء قبل أن يحشرهم في حمأة النار التي لا تبقي ولا تذر.
إن من يتأمّل حال الأديان اليوم سرعان ما يدرك حجم التغيير والتحوّل الذي تمرّ به. فقد أصبح الدين الآن اقلّ ركونا إلى ما تقوله المؤسسات الدينية التقليدية. ولم يعد يعتمد كثيرا على الأفكار والمبادئ الدوغماتية بل أصبحت له تمظهرات جديدة تستند إلى التجارب الصوفية والباطنية التي تجد في التأمّل وسيلة مناسبة لفهم طبيعة الوجود والبحث عن معان فلسفية وروحية للأشياء والظواهر بعيدا عن التفسيرات اللاهوتية الحرفية والجامدة.
ذات مرّة أثناء دراستنا في الجامعة سأل طالب أستاذ الفلسفة: أين تقع الجنّة في هذا الكون؟ دلّني على المكان الذي توجد فيه لكي تهدأ نفسي ويتقوّى إيماني. قال الأستاذ: دعني أولا أسألك عن عدد الكواكب في الكون، وكم كوكبا استطاع الإنسان أن يصل إليها ويكتشف ما بداخلها؟ في البداية تفاجأ الطالب بالسؤال واحتار كيف يجيب. لكنه قال بعد أن استجمع بعض معلوماته البسيطة: حسنا، البشر تمكّنوا من الذهاب إلى زحل والقمر والمشتري والمرّيخ لكنهم لم يجدوا هناك لا ماء ولا أكسجين ولا شجر. فقط صخور وأتربة وبراكين وزلازل وغبار وصمت وبرد وسكون قاتل. قال الأستاذ: في مجرّتنا وحدها، التي يسمّيها العلماء درب التّبانة، هناك أكثر من أربعمائة مليون نجم. وفي الكون أكثر من مائة بليون مجرّة. وهذا العدد يمثل فقط تلك المجرّات التي نستطيع رصدها من على الأرض. أمامك إذن عملية رياضية معقّدة لتحسب كم عدد النجوم والكواكب التي يحتويها الكون. ومن المؤكد انك ستحصل على رقم من عدّة تريليونات في النهاية.
ولو افترضنا أن هناك حياة عاقلة في كوكب واحد من كل بليون كوكب فلا بد وأن
هناك احتمالا لوجود حياة ما في أكثر من خمسة أو ستة بلايين كوكب في هذا الكون. أفلا يُحتمل والحالة هذه أن هناك مكانا ما في مجرّة نائية متوارية في إحدى زوايا هذا الكون الفسيح يمكن أن يكون المكان الذي اختاره الله كي يكون الفردوس أو الجنّة التي وعد بها عباده الصالحين؟
والحقيقة أن كلّ ما في هذا الكون ليس أكثر من افتراضات وتكهّنات غيبية وميتافيزيقية مستمدّة ممّا تقوله الأديان وعلم الفلك والفيزياء. وبالتالي فإن فكرتنا عن طبيعة الكون والوجود ليست سوى جزء من تخيّلاتنا وتصوّراتنا الخاصّة.
وما من شك في أن ما يخفّف على الإنسان عبء المشاكل الكثيرة التي تنوء بها الأرض انه يربطها لا إراديا بالقوّة الكونية الغامضة. ومن ثمّ فكلّ شيء يعمل بحساب ووفق قوانين مقرّرة سلفا. وهذا الإحساس يريح الإنسان كثيرا ويزيح عن كاهله ثقل التفكير في ما سيحصل له غدا أو بعد أن يموت.
يقول بعض العلماء أن في "لاوعي" الإنسان حاجة لتصوّر كون منطقي يمكن فهم قوانينه واستيعابها. وهذا التصوّر مردّه أن الكون الحقيقي الذي نعرفه يسمو فوق المنطق وهو أكثر واشدّ تعقيدا من قدرة العقل الإنساني على "مَنْطَقَته" وفهمه.
لنتوقّف عند بعض المعطيات والأرقام التي تصيب الإنسان بالرعشة وتبعث القشعريرة في العظام:
الشمس اكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرّة. وهج الشمس طوله أكثر من مليون كيلومتر. وعمر الشمس أكثر من خمسة آلاف مليون سنة. المسافة بين الأرض والشمس حوالي 150 مليون كيلومتر. الضوء يحتاج إلى ثلاث عشرة ساعة كي يقطع المسافة بيننا وبين أبعد كوكب في المجموعة الشمسية. أقرب النجوم إلينا خارج المنظومة الشمسية، واسمه النجم القطبي، يبعد عن الأرض أربعة آلاف سنة ضوئية. مجرّة درب التبانة التي يقع كوكبنا على تخومها البعيدة هي عبارة عن جزيرة هائلة يحيط بها فراغ لانهائي من السديم والثلج. لو ابتلعت الشمس الأرض، وهذا ما يتنبّأ العلماء بحدوثه بعد بلايين السنين وعلى الأرجح عندما لا يعود هناك بشر على سطح هذا الكوكب، لتبخّر كلّ شيء على وجه الأرض في ظرف ثانية واحدة فقط.
النجوم التي نراها تلمع فوق قبّة السماء ونبالغ في التغزّل بجمالها في قصائدنا وأغانينا اكتشف العلماء أنها أكثر فظاعة من أشرس الوحوش التي يمكن أن نتخيّلها.
كيف؟
درس العلماء طويلا طبيعة النجوم وفضاءاتها الداخلية واكتشفوا أنها عبارة عن مغارات هائلة وحفر عميقة جدّا في السماء يستعصي على العقل تصوّرها. تخيّل انك تمشي في طريق طويل وإلى يمينك ويسارك ثمّة هاوية إثر أخرى ويتعيّن عليك أن تتحاشى الوقوع في أيّ منها وأنت تمرّ في ما بينها.
يقول أحد الشعراء أو لعلّه مفكّر أو عالم روحاني قديم: عندما أموت ستواصل الرياح هبوبها والنجوم التماعها. المكان الذي أشغله على هذه الأرض لن يدوم. لن يدوم أكثر من الماء الذي تمتصّه الرمال وتجفّفه رياح البراري في لمح البصر.
تريليونات النجوم والكواكب. بلايين المجرّات والعوالم الغريبة التي تحتويها السماء البعيدة. وكلّ هذا يُشعِر الإنسان كم هو صغير وضئيل. لكن هذا الشعور قد يكون أيضا مبعث ارتياح للإنسان عندما يتصالح مع حقيقة انه مجرّد قشّة في مهبّ الريح وانه جزء صغير جدّا من الخطّة الكبرى التي وضعها خالق الكون.

مواضيع ذات صلة:
على أجنحة الغيم
تأمّلات وجوديـة

19 comments:

مكتوم said...

كم أستمتع بهذا النوع من التفكير، الذي يشغلني أحياناً قبيل نومي.

إن امتلاك الإنسان على قدرة التخيّل هي واحدة من إعجازات الخالق، هذا الخيال الجامح الذي يتضخم فيحتوي الكون بأسره، يجعل من قول الشافعي "ويحسب أنه جرمٌ صغير، وفيه انطوى العالم الأكبر" يضرب في صميم الحقيقة العجيبة، التي لا تكشف سراً بقدر ما تزيد من هذا الغموض اللذيذ.

ويوازي هذا النوع من التفكر في المجرات الواسعة، التفكر في الجهة المقابلة، بدقائق الكون وجزيئاته الصغيرة، التي تشبه من حيث خصائصها بالكواكب، في غرابتها، والفراغات الشاسعة فيما بينها. فهو أمرٌ معضل يساوي في غرابته أمر المجرات، بل ربما يكون أكثر غموضاً، لحيرة العلماء في تخمين سلوكه وتفسير خصائصه. كما أنه- على العكس- يجعلنا نتصور أنفسنا مخلوقات عظيمة في حجمها مثل مجرات تتحرك بثقل.

وحين نحاول تقدير المسافات الشاسعة، وتصوّر ذلك في أذهاننا، فإننا نستصغر من نحن، وكما قلتَ، فإننا نجد شيئاً من الاطمئنان. ويشبه تخيّل المساحات، تخيّل الزمن. الذي إن نحن تصوّرناه بسرعة تختلف عن تلك التي تدركها عقولنا، لكان عجيباً هو الآخر. فحلّق معي بعيداً عن الأرض، لننظر إلى البشر من زاوية بعيدة، وتخيل معي -إن سمحت- لو أن السنة التي نعرفها تمر بقدر ثانية، هكذا يتحرك الزمان، فأسرع كل شيء، تجد البشر يعيشون ثم يموتون، وحضارات تحيا ثم تموت، في ظرف لحظات، ستقول كم هو غريب هذا الإنسان، الذي يتحرك ويرتعش كالدود ينخر في الأرض كما لو أنها جيفة ميتة.

ربما قرأت يوماً عن ميكانيكا الكم، التي ستدهشك، وتجعلك تكتشف لغزاً غريباً ربما يغير فكرة الكون في نظرك، وكيف أنه ليس سوى قطعة واحدة، يؤثر كل جزء فيها عن الآخر.

عذراً على الإطالة، فهذا موضوعُ محبب، ولابد من أن أستطرد فيه.

ما أجمل أحرفك.

Anonymous said...

موضوع جميل جدا وزاده جمالا هذه التاملات الممتعة والمثيرة للتفكير والنقاش . الكون بغموضه الرهيب حير الفلاسفة والعلماء من قديم الزمان . وقد لاحظت انك نسيت ان تذكر امرا اعتبره اكثر ما يقلق ويرعب الانسان ويقض مضجعه واعني به القصة او السيناريو الذي يسوقه العلماء كاصل لبداية الكون . حيث يذكرون ان بداية نشوء الحياة يعود الى ما قبل خمسة عشر بليون عام عندما انفجرت نواة صغيرة محملة بطاقة هائلة ليبدأ معها تشكل الحياة والكون وكل شيء . واذا صح ذلك السياريو فانه يعني ان الكون كله ولد من رحم الصدفة وحدها وانه ليس أكثر من ماكينة عملاقة تخبط ليل نهار على غير هدى وبلا هدف أو غاية وأنه محكوم بالفناء بنفس الطريقة التي وجد بها . الا يعتبر هذا شيئا مخيفا ومرعبا ؟ عندما يسكن الانسان في بيت جديد فان اكثر ما يهمه هو ان يتعرف على جيرانه الجدد ليشعر ببعض الامان والطمانينة . البشر في كوكبهم الصغير والمنسي ما يزالون بعد ملايين السنين يجهلون أي شيء عن جيرانهم في الكواكب القريبة من كوكبهم التي يقال ان اقربها يبعد عن الارض عدة سنوات ضوئية. اتذكر الكوكب الذي اكتشف منذ سنة والذي قيل انه اقرب كوكب الى الارض وان به ماء واكسجين. وقد صاحب اكتشافه الكثير من النقاشات والجدل. قيل مثلا انه يلزم الانسان على الارض لكي يصل الى ذلك الكوكب ان يقطع مسافة مهولة جدا وان السفر الى هناك يستغرق سبعة وسبعين سنة بنفس قياس زمننا على الارض شرط ان تكون وسيلة السفر مركبة تطير بسرعة الضوء . أي انه اذا سافر شخص عمره اليوم عشر سنوات الى ذلك الكوكب فانه سيصل الى هناك عندما يكون عمره قد تجاوز الثمانين عاما ، هذا اذا وصل حيث يمكن ان يموت قبل ان يبلغ ذلك الكوكب الغريب الذي يقال ان سماؤه ذات لون احمر قاتم لا يسبب سوى الضيق والكابة وان طول اليوم الواحد فيه حوالي ثلاثة عشرة دقيقة فقط .
والذي يحيرني بشكل خاص هو موضوع المخلوقات الغريبة في الفضاء وانا ممن يتمنون ان توجد فعلا كائنات عاقلة ف الكواكب الاخرى حيث ان مجرد افتراض ان الانسان هو اعقل الكائنات هو افتراض مخيف اذ كيف يكون اعقل الكائنات وهو يستطيع انزال كل هذه الشرور بنفسه وبغيره . اني لا اشك لحظة في ان هناك قوة او قوى غامضة هي التي اوجدت هذا الكون لكني اعتقد انها تفتقر الى الاحساس بالعدالة فكوكبنا البائس مملوء بكل مظاهر الظلم والجور والعسف ولم نرى ان الاله يهب لانصاف المظلومين او الانتصار لهم والانتصاف من ظالمينهم وانما ما يحصل هو العكس فالظالمين هم اسياد هذا الكون وهم يزادون جورا وصلفا واستبدادا بينما ضحيااهم يزدادون بؤسا ويداسون مكل يوم بالاقدام دون ان يجدوا معين او مغيث . كنت اريد ان اسمع رايك في قصة رائد الفضاء الذي قيل او زعم انه سمع الاذان في الفضاء وعن سور الصين الذي قرات انه الاثر الطبيعي الوحيد على الارض الذي يمكن رؤيته من الفضاء الخارجي بسبب ضخامته واتساعه .
شكري الجزيل لك ولا تنسى ان تتحفنا بمث هذه المواضيع في المستقبل القريب .

rozi said...

تحياتي
لقد نسيت شي مهم وهو ان فاقدين نعمة البصر منذ الولاده محرومون من نعمة التخيل فالاعمى لايستطيع تخيل شكل الشمس لانه لم يراها ابدا ولن تستطيع وصفه لها قد تسطيع ان تجعله يلمس كره وتقول له الشمس تشبهها وهي ملتهبه طيب ماهو شكل اللهب من الصعب ان تجعله يلمس النار وان شعر بالحراره فلن يعرف ما هو اللون الاصفر ان التخيل نعمه فقط للمبصرين فهو مرتبط بهم

Manal AlNuaimi said...

تثيرني فلسفتك حد الدهشة
وتعجبني نظرتك الامور من حولنا ومواضيعك التي تطرحها
ورايك الخاص بك ..


مدونتك مليئة بالمتعة والفايدة
حقا استمتع عندما امر هنا .. ..

Anonymous said...

صديقي المدون
والله اكتب لك وانا ممتن للحظات الممتعة التي قضيتها في مدونتك وفيما يبدو
انها سوف تطول لساعات او ايام.شكرا للسايبر الذي قرب المسافات بين البشر
وانا اتدحرج في هذا العالم وانظر الي اطلالته المتناوحة يملأني الامل ان فجر
الانسانية صار ممكنا اقرب من اي وقت مضى. فتقبل شكري واتمني لك الصحة
والستر والخل الوفي.
الطيب سعيد - مصمم ورسام
موقعي على الانترنت:
http://www.khtt.net/person/1741/en

Anonymous said...

اشكرك كثيرا على موضوعاتك المتميزة. توقفت عند كلامك عن الدين والتحولات التي طرأت عليه. أنا أوافقك في ما قلته. أصبح الدين اليوم حركات سياسية وثقافية هي التي تتولى إعادة تعريف الدين وصياغته للناس. هل تذكر مصطلح الرحلة الروحية؟ رحلة الإنسان للبحث عن ذاته ومحاولة فهم الكون من خلال التأمل والتفكر. اليوم هناك جماعات كثيرة من البشر تذهب إلى استراليا وجزر المحيط الهاديء وأفريقيا وأجزاء اخرى من العالم لتسكن بجوار الانهار ومنابع المياه او تنام في كنف الأماكن القديمة جدا والغامضة لتستلهم روح المكان ورائحة الغابرين وترى ان ذلك يساعدها في فهم اسرار الكون والوجود. في الواقع الكون لا يكشف عن أسراره بسهولة. اعتقد ان هناك الكثير مما لا يزال يخبئه هذا الكون المذهل والمحير. وستأتي بعدنا اجيال واجيال تكون مهمتها تسليط الضوء على الكثير من الامور التي ما زلنا لا نعرف عنها سوى القليل او اننا لا نعرف عنها شيئا. أتعجب أحيانا من قدرة الخالق واعجازه. تصور كيف انه يأخذ المادة او الطاقة وينفخ فيها روحا وحياة. وكثيرا ما خطرت لي فكرة وهي ان الخالق لا يبدو مهتما كثيرا بالمثل والأخلاقيات التي نعرفها نحن بنو البشر. هذا ردي على الاخ الذي تحدث قبلي عن الخالق ونقص الاحساس بالعدالة. هو اصلا لا يشغل نفسه كثيرا بهذه الامور. وجوده يتجاوزها بل ويخترق كل الاشياء والمعاني والصفات. احيانا لا امنع نفسي من تصور الجبال والبحور والمحيطات وهي تصفق بأيديها إعجابا وجذلا بإبداع الخالق.
ولو ان شخصا اتاني الان وقال انه لا يؤمن بالله لعذرته ولتفهمت موقفه. ولو جادله متشدد ديني وكال له الاتهامات والسباب لكان المتشدد في نظري شخصا احمق وبليد الاحساس لان المسالة اكبر من عقل أي انسان على ان يثبتها او ينفيها. نحن نؤمن بالله لاننا نؤمن بالغيبيات والذين لا يؤمنون به يبحثون عن ادلة عقلية ومحسوسة على وجوده ولا يقتنعون بالغيبيات وحدها.
اذن الاختلاف في مثل هذه الأمور الشائكة أمر طبيعي بل ومتوقع. وعقل الإنسان اضعف واعجز من أن يحيط بهذا الكون المرعب أو أن يعرف شيئا عن ظروف نشأته وكيف وجد.
تشدني فكرة ثنائية الكون وهي فكرة فلسفية قديمة. أفلاطون مثلا كان يعتقد أن هذا الكون الذي نراه ليس سوى ظل لكون آخر أكثر جمالا وتنظيما لكنه يقع خلف عتبات مداركنا وحواسنا القاصرة.
فقط التأمل يمكن أن يكشف الطبيعة الحقيقية لعالم الأشكال الأبدية. التأمل عند أفلاطون هو الفلسفة أي المعرفة والحكمة التي تشبه بئرا عميقا بلا قرار تحتوي على جميع الأسرار المجهولة في هذا العالم. كان أفلاطون يقول إن هناك إلها بهيميا يعمل بموازاة اله الكون الاصلي المنظم والجميل وهو يبني ويهدم ثم لا يلبث ان يبني ثم يهدم بنزق لكي يقيم عالما من بنات أوهامه وظنونه.
أيضا في الزرادشتية يقولون بالثنائية المانوية فهناك اله للشر قاس ومتعطش دائما لسفك الدماء ولا يجيد سوى خلق المعاناة والموت. وهناك اله اخر للخير. اله رحيم مشفق مضيء القسمات هو "اهورا" الطيب.
فكرة المعركة الكونية الازلية بين الخير والشر تشبع بها الخيال الخصب لانسان الشرق الأوسط ومن ثم انتقلت منه عبر منظومة الاديان لتصل إلى آسيا وأفريقيا وامريكا. و للاسف بسبب هذه الثنائية تفجرت العديد من الحروب والماسي التي جرت الوويلات والمعاناة على البشر.
هل تذكر عبارة من لم يكن معنا فهو ضدنا؟
مواضيعك جميلة وتثير التفكير لكنها تطرح تساؤلات اكثر مما تقدم اجابات. وهذا في ظني سبب جاذبيتها.
لك مني اجمل تحية.

Anonymous said...

شكرا لك على ما كتبته. صدقني انني افكر كثيرا في هذه الاسئلة التي طرحتها.
والواقع ان الكون بطبيعته غامض وكلما اراد الانسان ان يفهمه كلما ازداد غموضا.
احد الاشياء التي شغلتني طويلا هو سؤال يتعلق بطبيعة الفضاء الذي فوقنا. وقد كنت مولعا في فترة من الفترات بقراءة روايات الخيال العلمي وكنت اتساءل عن علمية او مصداقية ما نقرؤه فيها من معلومات عن العوالم الاخرى والفضاء الخارجي. بعض هذه الروايات تتحدث عن اشخاص ذهبوا الى الفضاء الخارجي دون حماية كافية. أي دون ان يرتدوا البدلة او الزي الخاص الذي يرتديه عادة رواد الفضاء والطيارون. وحسب تلك الروايات فان أي شخص يذهب الى الفضاء دون حماية كافية سرعان ما يترهل جسمه وينتفخ مثل البالون. وبعد ثوان معدودة تسيح عيناه وتنبجس اوردته الدموية قبل ان ينفجر جسده كله كنافورة من الدماء بسبب غياب الضغط الجوي.
هذا ما ترسخ في الثقافة الشعبية للناس.
لكن العلماء الان يقولون ان الحقيقة مختلفة بعض الشيء. فقد تحدثوا عن تأثير ضغط الهواء والاشعاع والمناخ على الانسان في الفضاء الخارجي. ففي غياب ضغط الهواء فإن السوائل تتبخر تلقائيا فيجف فم الانسان وتغلي عيناه. وبعد لحظات تتبخر مياه الجسد ويتضخم ضعفين او ثلاثة. وهناك خطر اخر يتمثل في الاشعة فوق البنفسجية للشمس والتي تسبب حروقا شديدة للبشرة غير المحمية. ويقول العلماء ايضا ان التجمد ليس خطرا فوريا فوق رغم حقيقة ان المناخ في طبقات الجو العليا متجمد وبارد جدا.
وفي غياب الهواء المضغوط يفقد الإنسان حاسة الابصار وتنعدم قدرته على الحكم على الاشياء في ظرف بضعة ثوان فقط. وبعد ثوان اضافية يصاب بالاغماء ويتحول جلده الى اللون الازرق. الفكرة هنا هي انه رغم مرونة الجسم الانساني وقدرته الكبيرة على التكيف مع مختلف الظروف فانه لا يستطيع ان يتواءم مع البيئة غير المواتية في الفضاء. ولا بد وانكم سمعتم عن رائدي الفضاء الروسيين اللذين وجدا ميتين على مركبتهما بعد تسرب الهواء منها وقد حدث هذا منذ سنوات.
الكون فوقنا عبارة عن متاهة هائلة ومخيفة لا تنسجم مع الهالة الرومانسية التي انطبعت في عقولنا بفعل وهج النجوم وضوء القمر الذي يحول ظلام الارض الى نور يبدد الخوف ويبعد عن الانسان الاحساس بالوحشة. ضوء النجوم التي وصفها رالف ايمرسون مرة بانها "قوافل الجَمال التي تضيء جنبات الكون بابتساماتها التي تذكرنا بالله".
المركبات الفضائية قبل اطلاقها الى الفضاء يحرص العلماء على ان تكون مائلة قليلا لكي تتمكن من الذهاب الى مدارها حول الارض. ولو اطلقت عموديا فإنها يمكن ان تذهب بعيدا وربما لا تعود الى الارض ابدا.
وقد اكتشف العلماء مؤخرا ما اسموه وحوشا كهربائية غريبة تعبر الغلاف الجوي للارض لتكمل الدائرة الكونية على شكل احزمة من البرق المتجهة للاعلى أي بخلاف البرق الذي الفنا رؤيته وهو يتجه الى اسفل أي نحو الارض.
لكن ما المقصود بالفضاء الخارجي؟ يقول العلماء انه يبدأ بعد الابتعاد عن الارض بمسافة 800 كيلومتر.
ولو افترضنا ان انسانا ذهب الى مسافة مائة ميل في الفضاء وبعيدا عن الارض فان المؤكد انه سيكون ما يزال باستطاعته استنشاق اثار عشب الارض على تلك المسافة. وأكفأ الطائرات العسكرية اليوم لا تستطيع ان تبتعد عن الارض اكثر من 19 ميلا فقط. وهناك ما يسميه العلماء "الفضاء العميق" أي ذلك الفراغ الهائل الذي يفصل بين النجوم، ودرجة الحرارة هناك تبلغ ثلاث درجات تحت الصفر وهو لا يحوي هواء وانما جزئيات كهرومغناطيسية.



ذات مرة قرأت ان المكان الذي توضع فيه الاقمار الاصطناعية في الفضاء يعتبر جزءا من الارض وهو ما يسمى بالماجنيتوسفير. وهو مليء بالاشعاعات والايونات والغازات وما يسمى بالغبار الكوني المنبعث من الشمس والمجرة وفيه تحدث تفاعلات نووية يمكن قياسها من الارض بواسطة اجهزة خاصة تتعامل مع حالات الطقس والعواصف والرياح الشمسية.
وختاما، الكون سر الاسرار الذي لا يحيط بعلمه سوى من خلقه وفوق كل ذي علم عليم. وشكرا.

Anonymous said...

الحقيقة انني كلما فكرت في الكون وخلقه تذكرت النرد ولعبة الروليت التي تدور وتدور دون توقف. مع اني معجب بوصف احد المعلقين هنا الذي شبه الكون بانه مثل ماكينة هائلة تضرب على غير هدى ليلا ونهارا.
الحياة في الكواكب البعيدة مخيفة وبالاصح لا توجد حياة بالمعنى الذي نفهمه نحن ساكني الارض. زحل مثلا لا حياة فيه. ان كان فيه شيء جميل فهو فقط تلك الحلقات الملونة التي تزين سطحه وتميزه عن غيره من الكواكب.
ثم عطارد، هذا الكوكب ليس له غلاف جوي واجزاء من سطحه ساخنة جدا بما يكفي لاذابة القصدير، واجزاء اخرى منه باردة جدا لدرجة التجمد الابدي.
والحالة في فينوس اسوأ كثيرا، فكل غلافه الجوي مكون من ثاني اكسيد الكربون وتمتلئ سماؤه بالغيوم الكثيفة المحملة بالاسيد، كما ان ضغط غلافه الجوي اكبر من ذلك الذي للارض بأكثر من تسعين ضعفا. لذلك فان من يذهب الى هناك من البشر مصيره الصهر والاختناق حتى قبل ان يحط بقدميه على ارض الكوكب.
فينوس هو الاخر درجة الحرارة فيه تقارب الخمسمائة درجة مئوية.
والمريخ ايضا عبارة عن كوكب ميت هو الاخر، وليس هناك أي اثر للحياة فيه لا الان ولا في الماضي واكيد ليس في المستقبل، وكل غلافه الجوي مكون من ثاني اكسيد الكربون أي ان درجة الحرارة على سطحه حوالي خمسة وعشرين درجة تحت الصفر في جميع الاوقات.
والكواكب الاخرى البعيدة جدا عن الارض مثل جوبيتر واورانوس ونيبتون مغطاة جميعها بالسوائل والغازات السامة والباردة، لذا تبدو طاردة لاي حياة.
ولاعطاء تصور واضح عن ذلك يكفي الاشارة الى ان القمر الذي يسطع في سماء كوكب ساتورن تبلغ درجة حرارته عند السطح اكثر من 180 درجة مئوية تحت الصفر.
يقول ستيفن هوكنج العالم الفيزيائي البريطاني اننا أي البشر مجرد فصيلة متطورة عن القرود تعيش على كوكب صغير. لكن عندما نتمكن من فهم الكون فان هذا سيميزنا عن غيرنا من المخلوقات. واعتقد ان الجنس البشري لن يكتب له البقاء للالف سنة القادمة ما لم ينشر ويوسع وجوده الى الفضاء. ان هناك حوادث كثيرة يمكن ان تهدد الحياة على كوكب واحد. لكنني متفائل باننا نستطيع الوصول مستقبلا الى النجوم. وكل الادلة تشير الى ان الخالق مقامر ذكي والكون عبارة عن كازينو هائل. ومن واجبنا جميعا فلاسفة وعلماء واشخاصا عاديين ان نكون جزءا من النقاش الذي يتركز حول سبب وجودنا ووجود هذا الكون. واذا وجدنا الاجابة نكون قد حققنا اعظم انتصار للعقل البشري لاننا سنتعرف على عقل الله".
ويقول عالم اخر: ان روح الكون مبدعة ومدمرة في نفس الوقت. انها تخلق ثم تدمر ما خلقت. لذا يظل الكون بالنسبة لنا لغزا. ويجب ان نستسلم لهذه الحقيقة".
شكرا لك على المقال وعذرا على الاطالة فالموضوع جميل والحديث فيه يطول.

Prometheus said...

عزيزي مكتوم:
وأنا استمتعت كثيرا بإضافتك الممتازة.
لفتني خاصّة حديثك عن الإنسان الذي تمثلت فيه هو أيضا معجزة الخلق. وهذا صحيح تماما وأمر يستدعي التفكير بالتأكيد. قرأت اقل القليل عن ميكانيكا الكم وحديثك عنها حرّضني على أن اقرأ أكثر. ممتن لحضورك وتعليقك.
تحياتي ومودّتي لك.

Prometheus said...

Anonymous
شكري الجزيل لك على إضافتك الرائعة وعلى مزجك العلم بالفلسفة والأديان. استفدت كثيرا مما كتبته.
دمت بخير.

Prometheus said...

العزيزة روزي:
شكرا جزيلا لك على ملاحظتك النبيهة. ما كتبته عن علاقة الألوان بالإعاقة شيء لفت انتباهي وجعلني أعيد النظر في بعض تصوّراتي عن الموضوع.
خالص مودّتي لك.

Prometheus said...

العزيزة منال:
ممتنّ لك على كلمات التشجيع والمجاملة.
وأهلا وسهلا بك دائما.

Prometheus said...

عزيزي الطيب سعيد:
أهلا وسهلا بك. شكرا لك على ما كتبته. موقعك هو الآخر فيه إبداع وفائدة. أتمنى لك دوام التوفيق.

Prometheus said...

Anonymous
كنت أتمنى لو وضعت اسمك في تعقيبك. على العموم أشكرك كثيرا على ما كتبته وهو ما اعتبره إضافة ممتازة للموضوع.
تحيّتي ومودتي لك واهلا وسهلا بك دائما.

Prometheus said...

Anonymous
المعلومات التي كتبتها مثيرة ومفيدة في نفس الوقت. لك مني خالص الشكر على إضافتك الممتازة وأهلا ومرحبا بك.

Prometheus said...

Anonymous
خالص شكري على المعلومات الرائعة التي أضفتها للموضوع. قرأت في وقت سابق كتاب هوكنغ "تاريخ موجز للزمن" وهو من الكتب المفيدة جدا ويتضمّن معلومات وآراءً في غاية المتعة والفائدة عن الكون ومفهوم الزمن.
دمت بخير واهلا ومرحبا بك.

Prometheus said...

نسيت أن أعقب على السؤالين اللذين أثارهما احد الأخوة هنا حول سور الصين والأذان. فالمعذرة منه لأنني لم انتبه للسؤالين في حينه.
بالنسبة للسؤال الأول فقد نفى نيل ارمسترونغ القصّة عندما زار مصر في مطلع الثمانينات. أما ما يقال عن إمكانية رؤية سور الصين العظيم من القمر فقد تم دحض هذه النظرية أكثر من مرّة وثبت انه يستحيل رؤية أي صرح على الأرض من تلك المسافة الهائلة. الشيء الوحيد الذي يمكن رؤيته من على سطح القمر حسب ما يقوله العلماء هو مجال جميل يغلب عليه اللون الأبيض مع ظلال زرقاء وصفراء وأحيانا خضراء. لكن من الفضاء الخارجي يمكن رؤية أضواء المدن ليلا والطرقات الواسعة والمطارات والسدود الضخمة.
تحياتي.

Anonymous said...

Your blog‏ is an eye candy, very mind provoking. I hope we meet one day.
Ramadan Kareem.

Yaser Salmeh

Prometheus said...

Thanks so much, Yaser.
It is very kind of you to take the trouble and write those encouraging words.
Thanks again and you are most welcome.