:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, September 15, 2009

خواطر رمضانية


من العبارات المنسوبة للفيلسوف الألماني غوته قوله: يتعيّن على الإنسان أن يصرف فائض وقته في الاستماع إلى أغنية أو موسيقى جميلة أو قراءة قصيدة جيّدة أو الاستمتاع برؤية صورة بديعة، وكلّما كان ممكنا، أن يقول بضع كلمات عاقلة.
والقراءة في رمضان لها متعة خاصّة. ورغم أن الوقت ضيّق فإن الإنسان لا يعدم بعض الدقائق التي يحسن تمضيتها في مطالعة بعض المواضيع الخفيفة والمفيدة.
ومن الأشياء الممتعة التي قرأتها في الأيام الماضية قصيدة بعنوان "ابن ادهم" للشاعر الانجليزي جيمس لي هانت (1784 – 1859). وابن ادهم متصوّف مسلم كان يكنّى بأبي إسحاق. وقد ذكره جلال الدين الرومي في بعض قصائده.
في القصيدة يتحدّث الشاعر عن حلم رآه إبراهيم بن ادهم في إحدى الليالي. رأى، في ما يرى النائم، غرفته وقد غمرها ضوء القمر وأحالها إلى ما يشبه حقلا من السوسن. وبين خيوط النور لمح ملاكا يكتب في كرّاس من ذهب. جوّ الهدوء والسكينة دفع العجوز إلى أن يسأل الملاك: ماذا تكتب؟ رفع الملاك رأسه وقال وعلى وجهه ابتسامة وضيئة: اكتب أسماء أولئك الذين يحبّون الله.
سأل ابن ادهم: وهل إسمي من بينهم؟ ردّ الملاك: لا. قال ابن ادهم بصوت خفيض، لكن ما تزال تعمره الطمأنينة: إذن أتوسّل إليك أن تكتب اسمي من بين من يحبّون إخوانهم من البشر. سجّل الملاك كلامه ثم اختفى. في الليلة التالية أتى الملاك مرّة ثانية وسط هالة من نور. وعرض على العجوز أسماء من منحهم الربّ محبّته ورضاه. كان اسم العجوز أوّل تلك الأسماء.
الدرس الذي تقدّمه هذه القصيدة – القصّة بسيط لكنه عميق المغزى. ويمكن تلخيصه في جملة واحدة: أن الله يحبّ من يحبّ الإنسان ويعطف عليه ويعمل على خدمته، تماما مثلما كان يفعل ذلك المتصوّف الإنسان.
بعض الشعراء والفلاسفة تشعر وأنت تقرأ لهم كم أنهم يتمتّعون بقدر عال من الإنسانية والإحساس بمشاكل ومآسي البشر. ومع ذلك فقد استمتعت بقراءة صفحات من كتاب عنوانه عن الحرب للقائد الألماني كارل فون كلوزيفيتز. هذا الرجل كان جنرالا ومنظّرا عسكريا مرموقا في زمانه. وقد عاش في القرن التاسع عشر وهو معروف جدّا بكتابه المشهور والمذكور آنفا. وبعض عباراته التي ضمّنها ذلك الكتاب أصبحت مأثورة وتتردّد على كثير من الألسن. ومن أشهر ما قاله "الحروب ليس لها نتائج نهائية". وأيضا "الغزاة دائما محبّون للسلام، فهم يفضّلون احتلال بلدان الغير دون مقاومة". و"النظرية يجب أن تكون دراسة وليست عقيدة". وأيضا قوله "من العبث استنباط مبدأ للاعتدال في فلسفة الحرب". و"الحرب ليست أكثر من استمرار للسياسة، لكن بوسائل أخرى". غير أن أشهر عبارة منسوبة لـ فون كلوزيفيتز هي قوله "في السياسة لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون بل مصالح دائمة".
وبالمناسبة، كثيرا ما تُنسب الجملة الأخيرة لـ تشيرشل أو اللورد بالمرستون.
صحيح أن فون كلوزيفيتز كان رجلا عسكريا. لكن من يقرأ آراءه لا يساوره أدنى شكّ في أن هذا الرجل كان بنفس الوقت مفكّرا وفيلسوفا ومنظّرا في علم الاجتماع والأخلاق. وهي صفات يندر أن تجتمع في قائد عسكري.
وعودا على بدء، يحسن التوقف مجدّدا عند بعض الأشعار الصوفية. طبعا معظمنا سمع بـ رابندرانات طاغور، الشاعر الهندي الكبير. لكنّ هناك شاعرا هنديا آخر لا يقلّ شعره عمقا وجمالا مع انه لا يحظى بنفس شهرة طاغور. اسمه أسد الله غالب. ومثل طاغور، يتسم شعر غالب بالنزعة الصوفية والتأمّلية. والكثير من قصائده نجدها مبثوثة في الأفلام والأغاني والأعمال الأدبية والشعرية المكتوبة باللغة الأردية.
ومن بين قصائد أسد الله غالب قرأت له قصيدة جميلة اخترت منها المقاطع التالية: "قد تحتاج الزفرة حياة كاملة كي تؤتي أثرها. من الذي يملك عمرا كافيا ليتطلّع في طيّات شعرك؟ كلّ قطرة ندى تنتظر الموت عند وصول أشعّة الشمس، وأنا أيضا انتظر أن أتحرّر عندما ترمقينني بنظرة. في الحبّ، لا فرق بين الحياة والموت. نحيا على صورة الكافر الذي قد نموت لأجله. بحقّ الله، لا ترفع العباءة التي تغطّي الكعبة، أخشى أن يكون الكافر الذي تحتها معشوقي! شتّان ما بين باب المسجد وباب الحان، ما أعلمه أنني عندما غادرت الحان بالأمس رأيت الفقيه يدخله".

جميلة جدّا هذه القصيدة، وجميلة أكثر الطبقات المتعدّدة من المعاني والدلالات التي ضمّنها إياها الشاعر.
وأذكر ذات مرّة أنني حكيت لصديق هندي كيف أنني لم استمتع كثيرا بقراءة مذكّرات طاغور ولم أجد فيها ما يثير اهتمامي. فقال: السبب بسيط. طاغور كان يكتب باللغة الهندية. وهي لغة تفتقر للشاعرية وللنفَس الفلسفي والتأمّلي. ولهذا السبب، تجد أن كتابات محمّد إقبال، مثلا، أكثر شاعرية وأشدّ قربا من النفس لأنها مكتوبة بالأردية وهي بطبيعتها لغة شعر وعاطفة.
حوارات أسد الله غالب وتأمّلاته الممتعة والتي تحتمل أكثر من معنى قادتني بالصدفة إلى حوار آخر لا ينقصه الفكر ولا التأمّل العميق.
هذا الحوار استوقفني كثيرا. شخصان يتحاوران أمام شجرة وجبل.
يسأل الأوّل صديقه: هل ترى تلك الشجرة التي نمت هناك في قاع الصخرة على طرف الجبل؟
- نعم.
من الواضح انه لا توجد شجرة هناك غيرها.
- صحيح.
ألا تعتقد أن تلك الشجرة وحيدة هناك؟
- لا.
لماذا لا؟ انظر جيّدا. لا توجد حولها أعشاب ولا نباتات من أي نوع. هي وحيدة ومنعزلة في ذلك المكان النائي والموحش.
- لا أظنّ. لو لم تكن الشجرة هناك لكان الجبل نفسه أكثر إحساسا بالوحدة.
النصوص الأدبية المتميّزة كثيرة. منها هذا النصّ للشاعر اليوناني الاسكندري كونستانتين كافافي بعنوان "شموع" والذي يقول فيه: الأيّام الآتية ترتسم أمامنا. مثلما يرتسم صفّ متوهّج من الشموع الصغيرة. الأيّام التي راحت تبقى في الخلف، صفّاً كئيباً من شموع صغيرة مطفأة. ينبعث الدخان، ما يزال، من أقربها. شموع باردة، خامدة ومحنيّة تماما. يشجيني أن أفكّر في بريقها الأوّل. أنظر إلى الشموع الصغيرة التي تضيء أمامي. لا أريد أن التفت إلى الوراء فأكتشف مذعورا السّرعة التي يستطيل بها الصفّ المعتم. السّرعة التي تتراكم بها الشموع المطفأة".
في بداية الأسبوع الحالي، قضيت بعض الوقت متصفّحا مواقع بعض المتاحف الكبيرة لعلّي أجد فيها لوحة تصلح لإدراجها في المدوّنة الأخرى. ووجدت بالفعل لوحات كثيرة ومهمّة. غير أن ما لفت انتباهي في الحقيقة هو انتشار اللوحات الفنية في طول الانترنت وعرضها. هذا ليس اكتشافا جديدا بالتأكيد. لكننا قد لا ننتبه له لأوّل وهلة لكثرة ما ألفناه. هل أقول عشرات الآلاف أم ملايين اللوحات؟! هذه الظاهرة تدفع الإنسان لأن يتخيّل انه سيأتي وقت قريب تنتفي فيه الحاجة إلى وجود غاليريهات أو معارض فنية. شاشة الكمبيوتر أصبحت في الواقع وبفضل الانترنت أقرب ما يكون للغاليري أو صالة العرض. تستطيع من خلال الاستعانة بأيّ محرّك بحث أن تحصل على أيّ لوحة تشكيلية لأيّ رسّام تريد. وتستطيع أيضا بقليل من الحيل الفنية أن تحصل على نسخ مكبّرة وغاية في الوضوح من أيّ لوحة لتزيّن بها حيطان غرفتك أو صالة الجلوس في منزلك. يبدو أن الانترنت لم تجنِ فقط على الصحف وعلى التلفزيون والسينما وعلى شركات توزيع الموسيقى وإنما نجحت أيضا في تقويض أهمية ودور المتاحف ومعارض الفنّ التشكيلي. حتى أصحاب الملايين اليوم يتردّدون في شراء الأعمال التشكيلية الكبيرة والمتميّزة لأن التنافس على اقتنائها وشرائها أصبح نوعا من الثقافة المبتذلة وغير المجدية في ظلّ ما فرضته الانترنت من قيم وسلوكيات جديدة.
وبطبيعة الحال فإن الخاسر الأكبر من تغوّل الانترنت وتخطّيها للكثير من الحدود والحواجز هم الفنانون الذين بات لزاما عليهم إما أن يكفّوا عن الرسم أو أن يكتفوا بالخربشة على الحجارة أو جدران الكهوف.
في الختام، كلّ عام وأنتم بخير وعساكم من عوّاده.

8 comments:

عمر said...

برومو

مواضيع كثيرة وشيقة في موضوع واحد، الأنترنت كما أن له مضار فإن له فوائد للناس. لم تعد هناك ازمة معلومات في وجود الانترنت الأزمه الحاليه هي أزمه المصداقية والحقوق الفكرية.

ختاما اشكرك على تصحيح نبسه العباره الى جون كلوزيفيتز والتي شاعت نسبتها الى تشرتشل

كل عام وانت بخير

Anonymous said...

موضوع خفيف وممتع فعلا.
ارجو ان تاذن لي ببعض الملاحظات:
اولا اعتقد ان الفكر التصوفي ان جاز التعبير يمثل الجانب المشرق من الاسلام مقابل اسلام التطرف والارهاب الذي نشر الرعب في كل مكان في العالم
ومع ذلك ما يزال هناك من يدعم ذلك الفكر المتحجر والمنغلق ويعمل على الترويج له بشتى الوسائل بالرغم مما جلبه من تعاسات ومصائب
الحل للخروج من هذه الاشكالية هو فصل الدين عن السياسة وكف يد الساسة الانتهازيين الذين يستغلون الدين ويسخرونه لاغراضهم السياسية الضيقة والقصيرة النظر
ثانيا لا اعرف عن كلوفيتز الا ما ذكرته لكن يبدو لي انه كان منظرا وفيلسوفا لكني اراهن انه كان رديئا في ميادين الحروب وقد يكون تاريخه العسكري مليئا بالاندحارات والهزائم. يا عزيزي العسكريتاريا والفلسفة نادرا ما يجتمعان والعسكر هم دائما حمير في السياسة والفكر. اذا برز عسكري في الفكر والفلسفة فاعرف تلقائيا انه خائب في الحرب وهو ما يحسب له على أي حال
ثالثا سمعت باسد الله غالب مرتين او ثلاث قبل الان والظاهر من شعره انه كان شخصا متاملا وجزء من اهمية الشعر الصوفي تكمن في انه عابر للثقافة والجغرافيا وحتى في الهند يستشهد الهندوس والبوذا بشعره وحكمه بالرغم من كونه مسلم.. المفارقة لو نظرت في الاشعار الاسلامية هذه الايام فستجد العجب العجاب يقول احدهم سلاحي بيدي وبجعبتي كفني يا الله كم جنى علينا التشدد والجنون الديني ناس لا تفهم الا الذبح والقتل والانتحار والكفن والقبر والموت حسبنا الله عليكم والله يرحمك يا اسد ويجعل قبرك ثلج وبرد الى يوم الدين
ثالثا الشاعر كفافي يسمى احيانا كفافيس وهو يوناني عاش في الاسكندرية والغريب ان المصريين يحتفلون به اكثر من اليونانيين وهو شاعر مبدع وله افكار فلسفية عميقة
رابعا ناتي الى موضوع الصور. هذا الموضوع جال بخيالي صدقني واعتقد ان هذه الفوضى التي جلبتها النت وضربها عرض الحائط بكل ما يمت بالملكية الفكرية بصلة اعتقد انه سيتنهي قريبا .. وسيبادر من يتحكمون في طريق المعلومات العالمي بوضع قيود مشددة حول هذا الموضوع وسياتي وقت تبحث انت وغيرك عن صورة او لوحة لفنان فلا تجدونها وهذا ما اتنبا به سواء طال الوقت ام قصر .. حتى المواقع التي تضع نسخ لوحات مثلك سوف تجبر على ازالتها من مواقعها .. انا لا اتمنى ان يحدث هذا طبعا لكن ما باليد حيلة هو ما سيحدث في النهاية سواء ارادنا ام لم نريد
خامسا اشكرك على الانشودة الرائعة وقد سبقها تلحين الاذان واظن ان مثل هذه الطواهر الموسيقية الرائدة تستحق الاحترام فالقران نفسه مليء بالمقامات الموسيقية وهو يطرب الفؤاد والجوارح دون موسيقى فكيف اذا ادخلت عليه الاركسترالية والبوليفونية ..
اشكرك يا صديقي ولا تتصور كم جلبت لي خواطرك الراحة وهدوء البال فكثر منها ونوع فيها قدر المستطاع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ابو سنان

gardi said...

بروميثيوس،

استمعت للمرفق الصوتي الذي اسميته (خواطر) وأسماه ابو سنان (أنشودة رائعة) وما أحسبه غير كلام الله وآيات كريمات من سورة مريم بصوت عذب ورخيم اختلط مع الأسف بايقاع باهت عابث لم يضف شيئا سوى أنه خلط السماوي المقدس بما هو دونه

ألا ترى أنه من العبثية أن يوضع القرآن الكريم في قالب موسيقي أو ايقاعي كأي قصيدة تغنى ؟

أعني أنني أحب الموسيقى وأطرب لاكثر المقطوعات التي تتحفنا بها في مدونتيك، لكن.. ليست مثل هذه الظواهر (الرائدة) مما يطربني ولا ان يمزج كلام الله بموسيقى لا تستطيع أنت أو غيرك الجزم بأنها مما يرضي الله او مما يقربنا إليه إذا ما تصرفنا فيها تصرفا لا يليق؟


فلنتغنى بما شئنا ولنشرب الموسيقى حتى وليفعل كل منا ماشاء وليقل مايريد، ولكن لنترك كلام الله خارج نطاق عبثنا فذلك أسلم لنا

Anonymous said...

زميلي المدون العزيز
الاخوة الكرام
تحية وسلاما وبعد
اعتب عليك لحذفك الاغنية. لكني اتفهم ما فعلته فمن الصعب ارضاء جميع الافكار والاذواق مع اني لا ارى في الرابط ما يشين لكني احترم قرارك على كل حال. لحسن الحظ كنت قد حفظته قبل ان تحذفه.
شكرا لك على الخواطر وادام الله على الجميع نعمة الصحة والعافية
والسلام عليكم ورحمة الله وكل عام وانتم جميعا بخير

اخوكم وضاح

Prometheus said...

الأعزّاء

عمر

شكرا جزيلا لك على الزيارة وعلى تعليقك المفيد.
كل عام وأنت بخير.

Prometheus said...

أبو سنان

أشكرك على ملاحظاتك الطريفة والمفيدة في نفس الوقت.
رغم أنني لا أتوقّع شيئا مما ذكرته عن موضوع الصور والانترنت.
انترنت من دون لوحات ولا صور شيء بائس ولا يمكنني حتى تخيّله.
أتمنى أن يخيب توقعك وألا يتحقق شيء مما كتبته.
تحيّاتي لك وعيدك مبارك يا عزيزي.

Prometheus said...

Gardi

احترم رأيك كثيرا والموضوع يحتمل أكثر من وجهة نظر.
على كلّ، أهلا وسهلا بك دائما وكلّ عام وأنت بخير.

Prometheus said...

وضّاح

كأنني عرفتك. شكرا لك على تشريفك وتعليقك.
مع خالص تحيّاتي وكل سنة وأنت بخير.