:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, November 06, 2009

طبيعة الأشياء

بعض الصور تخدع أحيانا. وبعضها تفتح أمام المتلقي أبوابا لاحتمالات شتّى.
تنظر إلى لوحة ما فيتشكّل في ذهنك انطباع معيّن. غير انك تكتشف بعد قليل أن المعنى في مكان آخر.
اللوحة فوق اسمها "كيمون و بيرو" للرسّام الفرنسي جان باتيست غروز. وفيها نرى رجلا مسنّا وشبه عار وهو يرضع من ثدي امرأة. المشهد يبدو غريبا وغير مألوف. ولا يمكن فهمه دون قراءة القصّة التي يستند إليها.
في روما القديمة حُكم على رجل عجوز بالسجن بسبب جناية ارتكبها. كان اسمه "كيمون" وكان عليه أن يقضي فترة مفتوحة في سجن انفرادي وأن يُمنع عنه الطعام والشراب إلى أن يموت جوعا.
وكانت للرجل ابنة وحيدة تدعى "بيرو" كانت تزوره سرّا لترضعه من حليب صدرها.
كان السجّانون يراقبون تصرّف المرأة مع أبيها بكثير من التعجّب والدهشة. ولأن هذا المنظر تكرّر أمامهم أكثر من مرّة، فقد تأثروا بما كانوا يرونه. ويقال إنهم في النهاية اخلوا سبيل العجوز بعدما رأوه من برّ ابنته به وإشفاقها عليه.
هذه القصّة ذاعت على نطاق واسع في العصور التالية وجاء ذكرها على ألسنة العديد من الشعراء والمؤرّخين الذين رأوا فيها مثالا عاليا في الإنسانية والنبل.
الذي يتأمّل هذه اللوحة والقصّة التي بُنيت عليها ربّما يظنّ أن الفكرة في حدّ ذاتها هي ضدّ المنطق وأنها تتنافى مع طبيعة الأشياء. غير أن للطبيعة قوانينها ومقتضياتها، وأوّل تلك القوانين، بل وأهمّها، هو حبّ الوالدين.
في ما بعد، تنافس الرسّامون في رسم القصّة كلّ من منظوره الخاص. ومن أشهر من رسموها كلّ من روبنز وفان بابورين وتشارلز ميلين. وهناك لوحة أخرى اسمها كاهن وراهبة لفنّان هولندي اسمه كورنيليس فان هارلم.
في اللوحة نرى كاهنا يتفحّص ثدي راهبة.
المعنى، هنا أيضا، يكمن في مكان آخر ولا علاقة له بالانطباعات الأولية أو التهويمات الفانتازية.
فاللوحة تصوّر قصّة واقعية حدثت في مدينة هارلم الهولندية في نهاية القرن السادس عشر. كانت هذه الراهبة قد اتهمت بأنها وضعت مولودا سرّا. أي أنها قد تكون حملت سفاحا. وكان لا بدّ من إثبات التهمة أو نفيها حفاظا على شرف المرأة وسمعة الكهنوت.
وقد انتدب الكاهن الظاهر في الصورة للقيام بهذه المهمّة. كان بعض الكهنة يجمعون إلى جانب المعرفة الدينية الماما بالمسائل الطبّية وما في حكمها. وقد رأى هذا الكاهن انه إذا كانت المرأة ولدت فعلا فسيفرز ثديها حليبا. وإذا انعدم الحليب من صدرها تكون بريئة من التهمة التي نُسبت إليها.
الكاهن يُرى في الصورة وهو يتفحّص الثدي. هو في الواقع يعصر ثدي المرأة برفق للتأكّد من وجود حليب من عدمه. لكنه ينظر بعيدا حفاظا على حشمة وحياء المرأة.
ومن الواضح أن الصورة تشير إلى خلوّ الثدي من الحليب.
وهناك على المنضدة كأس من النبيذ الذي يرمز إلى دم المسيح ويقترن بالطهر والبراءة.
ولأن خيال بعض الفنانين واسع، فقد رسم بعضهم القصّة الأولى بشكل لا يخلو من بعض التفاصيل الحسّية.
وحيث أن طبيعة الأشياء تفترض الشيء ونقيضه، فقد اعتقد بعض الناس في أزمنة متأخّرة أن اللوحة الثانية يصحّ أن تكون تصويرا كاريكاتيريا ساخرا للكهنة ورجال الدين وما يُشاع عن انهماكهم في المتع الدنيوية والسلوكيات التي تتناقض مع تقواهم ووقارهم الظاهري.
مثل هذه الرموز والصور والاستعارات كانت تُستحضر كثيرا في عصر النهضة الذي اتسم بقدر عال من الحرّية وشاعت فيه التصوّرات التي تقرن الديني بالدنيوي وتوازي ما بين العقل والجسد وتضع الفضول المعرفي في مرتبة تسمو فوق سلطة الخوف.

7 comments:

MuSe Sphere said...

اعرف اهمية حب الوالدين و البر بهم, و اعتقد تماما بان هذه الفتاة قد غرس فيها والدها من الحب والبر مايجعلها تقدم على ارضاعه على غير الفطرة!!
ولكني لم استطع النظر الى اللوحة الى لثواني معدودة, لااعرف ولكن اعتقد ان خلفياتنا تؤثر على نظرتنا للفن بشكل عام واعتقد هذا ماحدث هنا.

farah said...

رغم غرابة القصة وعكسها لمسار الطبيعة إلا أنها جسدت أروع وأنبل مظاهر الإنسانية في منظر يتضاد فيه كل شيء!!

Mist said...

الصورة الأولى وحديثك عن قصتها،ذكرني بقصة متعلقة بذهني منذ أيام حرب البوسنة،عن طفلة وُجدت في الغابة،كانت في الثامنة أو التاسعة من عمرها وفي صدرها لبن وهي ترضع أخيها الصغير الذي اُكتشف أنه كان ميتًا منذ فترة.

أتذكرها لتخيلي لبشاعة ماجرى وأيام وحدتها وخوفها أثناء الهرب واختفاءها .
--
تستدعي قصصًا فظيعة في ذهني،اللوحة الأخرى تتقاطع في المعنى أو بعض تفاصيل اللوحة..
كأن للرحمة طرقها في الظهور مهما كانت الأحداث ساحقة وقاهرة للإنسان.
--
عصر النهضة،أعتقد أنه كان كذلك بالنسبة للعالم الإسلامي..سمة العصر التي أفرزت أشخاصًا عباقرة يجمعون العلم في أكثر من مجال،فكما تنوع اهتمامات دافنشي مثلاً،تجد نفس الكلام ينطبق على الرازي مثلاً..

Prometheus said...

Muse
شكرا جزيلا لك.
أتفهّم واقدّر وجهة نظرك.
تحيّاتي.

Prometheus said...

Farah
اهلا وسهلا بك.
سعدت بحضورك وتعليقك.
تحيّاتي.

Prometheus said...

Mist
شكرا جزيلا لك.
قصّة الفتاة البوسنية مؤثرة ومحزنة فعلا.
كلامك عن الرازي صحيح. كان مفكّرا متحرّرا وليبراليا قبل تبلور الأفكار الليبرالية التي نعرفها اليوم. يمكن أيضا إدراج ابن سينا بنفس التصنيف.
تحيّاتي لك.

t.albarasy said...

ممكن تشرحلي ليه الرجل العجوز عاري..هل يريد الرسام ان يثير رغبات غير مشروعه لدى من يشاهد اللوحة أم ماذا؟؟ و شكرا على المعلومات