:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, October 31, 2009

جزيرة الموتى

ما الذي يجمع بين فرويد وهتلر ورحمانينوف؟
كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة كانت له اهتمامات مختلفة عن الشخصَين الآخرَين.
ومع ذلك، جمعهم حبّ هذه اللوحة المزعجة.
فرويد قيل انه كان يعلّقها في عيادته في فيينّا.
وهتلر كان يعتبرها أفضل عمل تشكيلي على الإطلاق.
ورحمانينوف استلهمها في تأليف إحدى سيمفونياته المشهورة وأطلق عليها نفس اسم اللوحة.
الموضوع التالي ترجمة معدّلة لمقال يناقش فيه كاتبه خلفيات وظروف رسم "جزيرة الموتى" وأثرها الكبير في الثقافة الحديثة.


رؤيا بوكلين الكلاسيكية والمروّعة عن الموت ما تزال تؤرّق العقل الحديث وتثير الكثير من النقاش والأسئلة.
سيغموند فرويد روى ذات مرّة انه رأى تفاصيل هذه اللوحة في احد مناماته عندما تراءى له منظر لمقبرة بجزيرة تطلّ على بحر اسود. وقد كشف عن ذلك في كتابه "تفسير الأحلام".
هتلر، أيضا، كان معجبا كثيرا بهذه اللوحة.
كما استعارها سلفادور دالي في رسم مناظره ذات الطبيعة الصخرية.
وهناك أيضا فيلم رعب من بطولة بوريس كارلوف اسمه "جزيرة الموتى" تجري أحداثه في ارض تشبه تضاريسها جزيرة بوكلين الكابوسية.
"جزيرة الموتى"، اللوحة، في جميع نسخها الخمس تصوّر جزيرة صخرية مقفرة تحيطها المياه الداكنة من كلّ جانب.
وأمام البوّابة المائية يتحرّك ببطء قارب صغير تقف في مقدّمته امرأة ترتدي الملابس البيضاء بالكامل خلف تابوت زوجها الملفوف بالأردية البيضاء.
الجزيرة الصغيرة تنهض في وسطها مجموعة من أشجار السرو الطويلة، والتي اقترنت منذ القدم بتقاليد الحداد وأجواء المقابر. وما يعزّز الإحساس بالجوّ الجنائزي في اللوحة هو ما يبدو وكأنه بوّابات أو منافذ تخترق واجهة الصخور.
الانطباع العام الذي توصله الصورة هو الخراب واليأس والترقّب المتوتّر.
والواقع أن بوكلين لم يقدّم تفسيرا عن معنى اللوحة، رغم انه وصفها بأنها صورة لحلم وأنها تثير في النفس شعورا بالسكون المرعب الذي يتملّك الإنسان لدى سماعه أصوات طرقات مفاجئة على الباب.
العنوان الذي اُعطي للوحة هو من ابتكار فريتز غورليت في العام 1883، رغم أن بوكلين استخدمه في رسالة كتبها عام 1880 وأرسلها إلى المتعهّد الأصلي الذي كلّفه برسم اللوحة.
بعض النقاد رأوا في ربّان القارب صورة شيرون الذي يأخذ أرواح الخلق إلى العالم السفلي في الأساطير الإغريقية. أما البحر فقد يكون استعارة لنهر ستيكس الأسطوري، فيما قد يكون الرجل المسجّى في الكفن الأبيض روح شخص متوفّى حديثا في رحلة عبوره إلى الدار الآخرة.
"جزيرة الموتى" تذكّر بالمقبرة الانجليزية في فلورنسا بإيطاليا. وهو المكان الذي رُسمت فيه النسخ الثلاث الأولى من اللوحة.
كانت المقبرة قريبة من استديو بوكلين. وفيها تمّ دفن ابنته الرضيعة "ماريا". كان له أربعة عشر طفلا فقدَ ثمانية منهم أثناء حياته.
أما نموذج الجزيرة الصخرية فيُرجّح انه مقتبس عن "بونديكونيسي"، وهي جزيرة صغيرة قرب كورفو باليونان كانت تقوم فيها كنيسة صغيرة محاطة ببستان من أشجار السرو.
في كتابه "تفسير الأحلام"، يروي فرويد تفاصيل عدد من أحلامه التي يمكن القول إنها عبارة عن تهويمات شخص عاشق للفنّ. في احد تلك الأحلام، يرى فرويد رجلا يقف فوق منحدر في وسط البحر، تماما على طريقة بوكلين في اللوحة.
الأمر المثير للاهتمام هو أن المشهد الذي رآه فرويد ثم تأثّر به كان هو نفسه صورة لحلم.
كان الرسّام السويسري ارنولد بوكلين فنانا رمزيا وجزءا من حركة فنية كانت تريد تطويع الفنّ لغرض تصوير حالات الروح الداخلية للإنسان.
وتحفته الفنية "جزيرة الموتى" رسمها في فلورنسا بناءً على طلب امرأة كانت في حالة حداد على زوجها.
إنها صورة رهيبة للموت الذي يأخذ هيئة منوّم مغر. القارب يأخذ الميّت إلى جزيرة هي نفسها مقبرة تقع وسط بحر اسود وتحيطها أشجار سرو سوداء على خلفية من سماء رمادية، بينما تنتصب أبواب القبر المشرعة في قلب الصخر الصامت.
هذه هي اللوحة التي حلم بها فرويد في إحدى الليالي. وقد قال إن الرجل الذي رآه فوق الصخور لا بدّ وأن يكون دريفوس في جزيرة الشيطان. ودريفوس المقصود هو الكابتن الفرنسي الفريد دريفوس الذي صدر بحقّه حكم بالسجن مدى الحياة ثم نُفي إلى جزيرة الشيطان في غويانا الفرنسية بعد إدانته بتهمة التخابر مع الألمان.
وقد تحوّلت تلك القضية إلى فضيحة سياسية كبرى، خاصّة بعد أن كتب الروائي اميل زولا رسالته المشهورة إلى الرئيس الفرنسي بعنوان "إني أتهم".
هذه اللوحة التي قد يراها الكثيرون مثيرة للقشعريرة والخوف، وجد فيها فرويد معنى إنسانيا. والمفارقة هي أنها كانت لوحة هتلر المفضّلة.
لكنّ هناك ما هو أكثر من اهتمامه اللاواعي بـ بوكلين. فاللوحة ليست مجرّد فانتازيا عن الموت، بل رؤية نيوكلاسيكية عنه. والعالم الذي تصوّره هو مقبرة متوسطية رومانية أو إغريقية وليست مقبرة مسيحية. إنها بمعنى ما بوّابة كلاسيكية إلى هيدز إله العوالم السفلية مع قبوره وأشجار سروه.
واللوحة تتناسب مع هَوَس فرويد بعلم الآثار وتوقه الذي لازمه طوال حياته لزيارة أثينا وروما وما اعترف به ذات مرّة عن إدمانه على جمع القطع الأثرية.
وسنجد صدى غير متوقّع لهذه الصورة في مجموعته الفنية الخاصّة. فهي تتضمّن افريزا من الرخام لـ هيكتور بطل الإلياذة وصورة رائعة أخرى للبطل الميّت وهو محمول عاليا فوق أكتاف رفاقه.
وغير بعيد عن هاتين الصورتين، هناك مجموعة القطع الأثرية المصرية التي كانت تُستخدم في دفن الموتى.
كان فرويد في النهاية شخصا قاتما. ومجموعته من الآثار تحتوي على الكثير من الأشياء التي تتناغم بشكل مخيف مع حلمه بجزيرة الموتى أو "المستعمرة العقابية في جزيرة الشيطان" كما رآها.
هل في مسار الارتباطات التي وجدها فرويد في هذه الصورة ما يمكن أن يشكّل عِلما؟ قد يكون في الإجابة عن هذا السؤال ما يشير إلى أن فرويد كان وسيظلّ مفكّرا حداثيا عظيما ومتفرّدا.
ويوما ما قد يفهمه الناس على حقيقته، تماما مثلما حدث لـ ليوناردو، أحد أبطال فرويد والذي وصفه في احد كتبه بأنه كان "لغزا" بالنسبة لمعاصريه.
ليوناردو كان فنانا وعالما، معا. وقد انتقد الناس وقتها بقسوة كتاب فرويد عنه.
لكن ربّما لم ينتبه الكثيرون لأهمّ ما قاله عن الفنان. فقد كان فرويد معجبا بـ ليوناردو، لأنه هو أيضا أراد أن يجمع بين العلم والفنّ.
من الواضح أن الأساس الأكثر شهرة للتحليل النفسي موجود في الدراما الإغريقية. ففي دراسة فرويد، يمكن أن ترى استنساخه للوحة دومينيك انغر اوديب وأبو الهول كتذكير بفكرة عقدة اوديب. في اللوحة يصوّر الرسّام اوديب بعد أن قتل والده عن غير قصد وهو يحاول حلّ لغز أبو الهول.
وقد كان فرويد يقول إن كلّ فضول الإنسان يبدأ مع سؤال: من أين يأتي الأطفال؟
فرويد لم يكن فقط يحبّ الفنّ بل كان يتعشّقه. ومهما اتهم بعدم المصداقية، فإننا سنعود مرّة بعد أخرى إلى كتاباته لأنها تتضمّن اضاءات كثيرة وتستند إلى فهم عميق للعديد من المسائل التي تناولها. وهذا ما يجعل منه عالما مهمّا.

3 comments:

MuSe Sphere said...

لم ارى في الصورة مايخيف, هي حزينة اكثر وحزني ازداد مع التدقيق في صورة المرأة بملابس الحداد. استغرب من الملابس البيضاء للحداد!!ولكن اشعر بنقاء اكثر بها , اكثر من السواد واعتقد انها معبرة عن الحزن اكثر من السوداء ومعبرة عن ذلك الارتياح او المعرفة وليس غموض الموت.
سؤال: هل الموسيقى التى اسمعها الان هي سيمفونية رحمانينوف, التى تحدثت عنها في التدوينه؟

Prometheus said...

أهلا Muse
رأيك معقول وما قلتِهِ أمر محتمل ووارد. لكن تصوير فكرة الموت بحدّ ذاتها ينطوي على خوف وسوداوية. مع انني اتفق معك في جزئية الحزن وقد أعجبتني قراءتك الممتازة لرمزية الملابس البيضاء وتعبيرها عن النقاء. هذه الفكرة أراها جميلة وعميقة المغزى فعلا واشكرك عليها كثيرا.
الموسيقى المرافقة هي لـ هانز زيمر من فيلم هانيبال وكلماتها لـ للشاعر الايطالي دانتي.
تحيّاتي ومودّتي لك.

free-pedia said...

wonderful blog and useful information

free downloads on the internet

www.free-pedia.com