:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, January 25, 2010

نساء خطِرات


في الكتب الدينية القديمة، يرد ذكر امرأتين هما جوديث وسالومي كانتا موضوعين مهمّين في لوحات رسّامي القرنين السادس عشر والسابع عشر.
اقتران سيرة حياة هاتين المرأتين بالقصص المخيفة عن قطع رؤوس رجال أقوياء جعل منهما ما يشبه الأسطورة التي فتنت أجيالا متعدّدة من الأدباء والفنّانين.
وعندما يفكّر المرء في النساء الخطيرات يتذكّر سوزانا وحتى مريم المجدلية وزوجة الفرعون. والقائمة يمكن أن تطول أكثر من ذلك. وما يثير الانتباه بشكل خاصّ هو وجود أوجه شبه مهمّة بين شخصيّتي سالومي وجوديث.
جوديث، مثلا، هي بطلة من العهد القديم قامت بإغراء هولوفيرنس الذي كان جنرالا عُرف باضطهاده لليهود. وتذكر القصّة أن المرأة تسلّلت إلى معسكر الجنرال واستطاعت أن تسيطر على مشاعره وتأسر قلبه. وفي إحدى الليالي أكثرت له الشراب إلى أن فقد وعيه، ثم قامت بقطع رأسه ولفّته في قطعة قماش وحملته بصحبة خادمتها إلى قومها.
من جهة أخرى، سالومي هي شخصيّة من العهد الجديد، وقد رقصت لزوج أمّها الملك الآشوري هيرود الذي وقع تحت تأثير جمالها. وتحت إلحاح أمّها طالبت برأس يوحنا المعمدان كمكافأة.
وفي تفاصيل هذه القصّة أن هيرود كان قد قام بسجن يوحنّا المعمدان لانتقاده إيّاه على زواجه من هيروديا زوجة شقيقه المتوفّى.
هيروديا اعتبرت تصرّف الكاهن إهانة بحقّها وظلّت تنتظر الفرصة المواتية للانتقام منه. وفي إحدى الليالي، انخرط هيرود في حلقة رقص ماجنة مع سالومي ابنة زوجته. وبعد أن أدارت الشهوة رأسه، اسرّ إلى سالومي انه عازم على تحقيق أيّ رغبة تتمنّاها جزاءً لها على إدخالها السرور إلى قلبه. وذهبت سالومي إلى أمّها تستشيرها في عرض الملك، فأشارت عليها أن تطلب من هيرود رأس يوحنّا المعمدان.
المعمدان هو أشهر شخصيّة في المسيحية بعد المسيح نفسه. ويقال انه كان ذا حضور قويّ وشخصية آسرة. وأشيع في بعض الأوقات أن هيرود قتله لمنع انتفاضة ضدّه كانت على وشك أن تقع.
وقد بشّر بمجيء المسيح ثم قام بتعميده في ما بعد، ومن هنا لقّب بالمعمدان. وكان أيضا يسمّى بالرجل الصارخ في البرّية بسبب انقطاعه في الصحراء للعبادة والتأمّل وإلقاء المواعظ التي تبشّر بمقدم النبيّ الجديد. كان يرتدي في الصحراء ملابس مصنوعة من وبر الجمل ويربط على وسطه حزاما من الجلد. وكان لا يأكل سوى الجراد والعسل البرّي. وقد راجت في ما بعد أسطورة تقول إن صدى صرخاته في البرّية كان يُسمع لسنوات طوال بعد مقتله. وقد تأثّر بشخصيّته البهائيون الذين كانوا ينزلونه مكانة قريبة من منزلة الأنبياء.
والواقع انه من السهل أن تخلط بين هاتين المرأتين، أي جوديث وسالومي، في فنّ القرنين السادس عشر والسابع عشر، ما لم تعرف قصّة كلّ منهما والرمزية التي تنطوي عليها القصّة.



جوديث كانت موضوعا حظي بشهرة واسعة في فنّ القرن السابع عشر على وجه الخصوص. وربّما باستثناء العذراء، لم يكن هناك امرأة أخرى أشهر منها من حيث عدّد المرّات التي رُسمت فيها. فقد كان ينظر إليها كرمز للإخلاص والعدالة والطهر والشجاعة.
وقد كان كلّ من الكاثوليك والبروتستانت يزعمون أحقيّتهم في نسبة المرأة إليهم. البروتستانت كانوا يعتبرونها رمزا للثورة ضدّ السلطة، وهو أمر كانوا يريدون رؤيته يحدث لمضطهديهم الكاثوليك. والكاثوليك من جهتهم كانوا يعتبرونها مدافعة عن الكاثوليكية لأنها كانت مبشّرة بالعذراء. كانت جوديث رمزا مرنا ومطواعا بحيث يحقّق لكلّ طرف ما يريده.
وفي بعض تلك اللوحات الرهيبة التي تصوّرها، تظهر هذه المرأة وهي تمسك في يدها برأس مقطوع. وفي أخرى يظهر الدم وهو يتطاير مغطيا كلّ شيء. تتأمّل تلك اللوحات وأنت تفكّر في حقيقة هذه المرأة الرهيبة والفظّة والعنيفة. والحقيقة أنها يمكن أن تمثّل هذه الصفات. لكن، بنفس الوقت، يمكن أن ترمز عند آخرين إلى أشياء معيّنة كالعفّة والثبات والجسارة.
في إحدى اللوحات، تبدو جوديث وهي تمسك بالرأس المقطوع ذي الوجه الشاحب بينما تقف خادمتها خلفها مهيّئة لها الكيس كي تضعه فيه.
الآن خُذ كلّ هذه الصور وضعها في غرفة واحدة، ثم ضع معها لوحة تصوّر سالومي. ستجد أن سالومي تتميّز عليها برمزية رأس المعمدان الذي يقدّم على طبق. كما يمكن أن تلمح في إحدى صورها ظلا لجلاد في الخلفية، وأحيانا حضور أمّها نفسها.
طبقا للكتب الدينية، كانت سالومي فتاة صغيرة عندما وقعت تلك الحادثة. وهذا هو السبب في أنها تظهر في بعض الصور كطفلة في العاشرة. وهناك صور أخرى تظهرها في هيئة امرأة مغرية لزوج أمّها وقاتلة للكاهن لتصبح رمزا للمرأة الشهوانية والخطرة.
وهناك من رسمها وهي تشهد فعل الذبح بينما ترتسم على وجهها تعابير حالمة ورقيقة. "مترجم بتصرّف"

2 comments:

H. M. H. said...

عزيزي بروميثيوس..
سلِمْتَ على هذا المقال الجميل الذي يعود بنا إلى أفق جوديث الذي تحدثت عنه من قبل، هذه المرة في حالة توازٍ مع سالومي.
على ما يظهر بين المرأتين من تشابه، إلا أن جوديث - من وجهة نظر شعبها - بطلة، والدفاع عن هولوفرنس غير ممكنٍ - نظرياً - لأنه غازٍ جاء بجحفله ليسلب الأرض ويقتل الرجال ويُيتِم الأطفال ويسبي النساء. بينما سالومي خاطئة شريرة، لأنها تسببت في مقتلٍ رجل طاهر هو يوحنا المعمدان أو النبي يحيى عليه السلام. إضافة إلى ذلك، فإن جوديث أرملة، بينما سالومي لا تزال عذراء يشتهيها الملك هيرود - وهناك رواية تقول إنها ابنة أخيه، وإن سر ذبح المعمدان يكمن في تجريمه للزواج بينهما، لأن سالومي لا تحل له.
حكاية سالومي تظل مرادفاً للسلطة والغواية واستحلال الحرمات، بينما حكاية جوديث مرادفٌ لدهاء النساء وقدرتهن على التصرف في الأوقات الصعبة، وغباء القادة الذين يسهل إغراؤهم بالثمالة فذبحهم.
وبوصفهما موضوعاً للرسم، فإن هناك شيئاً فاتناً يتعلق برسم النساء مع الرؤوس المقطوعة، شيء من التضاد بين رقة المرأة، وهول الرجل الذبيح والرأس المقطوعة. وشكلٌ مرعبٌ من أشكال الرومانسية يوحي برقةٍ مخيفة في الأنامل التي تداعب الرؤوس المقطوعة، أو في النظرات الحالمة إليها كأنها نظراتٌ إلى حبيب.
رأس يوحنا المعمدان على طبقٍ يُداعب أوتار الرغبات الخفية في أغوار الإنسان، ويوحي بميول نحو أكل لحوم البشر - الأمر الذي عبر عنه غويا بوضوحٍ وبلا أدنى مواربة. إن هناك شيئاً خفياً يفتن الرسام في منظر رأسٍ على طبقٍ يُقدم إلى شابة جميلة، فتنة مخيفة بحق.
حديث الرؤوس المقطوعة الشنيع يُذكرني بالرؤوس المقطوعة في حضارتنا العربية، فأذكر - مثلاً - أن مسلسلاً سورياً قد عُرض منذ سنوات باسم [الحجاج]، أخرجه محمد عزيزيه، ومثل فيه عابد فهد. حفل هذا المسلسل بالرؤوس المقطوعة من بدايته إلى نهايته، حتى كاد يُخيل لي أن تاريخنا ليس عبارةً إلا عن رؤوس مقطوعة تُرسل إلى الخلفاء في صناديق، وعلى أطباق، ويتلذذ الحكام بالحديث إليها.
وهُنا تحضرني الحكاية المحزنة التي يتداولها البعض عن السيدة زينب بنت الحسين، إذ يُقال أن أهل الحسين بن علي رضي الله عنه أُدخلوا على يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين، وكان رأس الحسين على طاولة أمامه. فألقاه في حضن واحدة من بناته، هي السيدة زينب التي ماتت من فورها ورأس أبيها في حضنها.
لا أعرف مدى صحة هذه الحكاية التي سمعتها في السيدة زينب، لكنها حكاية مؤلمة جداً. وتضيف بعداً جديداً إلى علاقة المرأة بالرأس المقطوع، علاقة الطفلة برأس أبيها.
وطد معظم الملوك في التاريخ سيطرتهم على ممالكهم بقطع رؤوس أعدائهم وتعليقها في أماكن عامة، حتى الملكات مثل السيدة أروى عندنا وإليزابث الأولى في بريطانيا، وغيرهن. فللرأس المقطوع دلالة خاصة تزيد دلالتها عن دلالة البدن المعلق أو الجمجمة وحدها. هناك شيء حزينٌ وشاعري - إذا جاز القول - في الرأس الوحيد المجرد من الجسد.
مع ذلك، يظل الموضوع شنيعاً ويبث الرُعب في الأوصال. فالقتل عملٌ بشع، والقتل الذي يتضمن تدنيس الجسد بفصل أجزاءه عملٌ أشد شناعة وحرمة. ولئن كانت الرؤوس المقطوعة تشيع في بعض الثقافات - ومنها ثقافتنا - فإن ثقافاتٍ أخرى - مثل تلك التي توجد عن بعض الطوائف الإفريقية وفي جامايكا وهاييتي - تحرم تمزيق الجسد، أو دفن الميت بجزء منفصل من جسده. هنا، أحسب أن شخصاً من هذه الثقافات سيصعب عليه التواصل مع لوحاتٍ حول رؤوس مقطوعة كالتي تحدثت عنها هنا. وأحسب كذلك، أن وجود الأسطورة والقصص الديني شكل مبرراً للفنانين لرسم مثل هذه اللوحات الشنيعة، من دون أن يخشوا كثيراً اتهامهم بالجنون والسادية.

أبقى الله رؤوسنا ورؤوسكم سالمة في أماكنها، وحفظ لنا ولكم سلامة أبداننا وأبدانكم من العبث والتدنيس. وجزيل شكري لك على هذا الموضوع الشيق والباعث على التفكير، كما هي عادتك.

تحياتي القلبية..

Prometheus said...

أهلا وسهلا بك يا صديقي العزيز.
والشكر الجزيل لك على هذه الإضاءة المفيدة والطريفة.
بالتأكيد اتفق معك في أن بين قصّتي المرأتين، من حيث الدوافع والغايات، فرقا واضحا لا يغيب عن فهم اللبيب مثلك. وما ذكرته عن الرواية الأخرى التي تفسّر سرّ ذبح يوحنا المعمدان صحيح. بل لعلّ الرواية التي أوردتها هي الأكثر ترجيحا. منظر المرأة التي تحمل بيدها رأسا مقطوعا يحيّرني مثلك. هذه القسوة والفظاعة لا تتناسب مع ما جبلت عليه المرأة من عاطفة ورقّة في الطباع. لكن يبدو أن النساء في العصور القديمة كنّ اشد مراسا وأقسى قلوبا بحكم نوعية الحياة الخشنة والصعبة في ذلك الوقت. كلامك عن الرأس المقطوع المقدّم على طبق واقتران ذلك بميول أكل لحوم البشر قد يكون احتمالا واردا. في أعماق الإنسان رغبات خفية ومظلمة حقّا، وهذا كان وما يزال موضوعا مطروحا للنقاش. الكابيناليزم منتشرة كثيرا في الأدب والفن والسينما كما تعرف. وقبل أيام كنت بالصدفة انظر إلى لوحة للرسّام الفرنسي بوغورو بعنوان دانتي وفرجيل في الجحيم يصوّر فيها رجلين مشتبكين في صراع دام وعنيف. الواقع أن ما تصوّره اللوحة ليس مجرّد عراك بل هو مقدّمة لشيء ما اقرب ما يكون إلى طقوس أكل اللحم البشري. المنظر بحدّ ذاته لم يفاجئني. ما فاجأني في الواقع هو حقيقة أن بوغورو بالذات هو من رسمه. بالنسبة لكثرة حوادث قطع الرؤوس في تاريخنا، أظن أن هذه حقيقة. مع انه يجري الحديث عنها أحيانا بمبالغة واضحة. قصّة السيّدة زينب ورأس الحسين لم اسمع عنها من قبل وإن كنت لا استبعد وقوعها ولا استغربها من طاغية مستبد مثل يزيد بن معاوية. وأنا معك في أنها قصّة مؤلمة ورهيبة مع أن أمثالها في تاريخنا كثير. لكن لسنا وحدنا في هذا الميدان. الأوربيون يتفوّقون علينا كثيرا من هذه الناحية. وقد قرأت كثيرا عن الثورة الفرنسية وهالني كمّية القسوة والفظاعة بل والهمجية التي كان يساق بها آلاف الرجال والنساء إلى حيث حتفهم تحت المقصلة الرهيبة. لا شكّ أن منظر الرأس المقطوع يثير الرعب والهلع. وقطع رأس إنسان عمل متوحّش وسادي وابعد ما يكون عن الإنسانية لان فيه تدنيسا للجسد الإنساني لا يجوز تحت أي مبرّر.
وأشاطرك الدعاء بأن يحفظ الله رؤوسنا وأن يحمي الجميع من كلّ مكروه.
مع خالص تحيّاتي وموّدتي لك.