:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, June 15, 2010

رحلة بيلليني إلى الشرق

في منتصف القرن الخامس عشر، استولى السلطان محمّد الثاني على مدينة القسطنطينية، العاصمة الشرقية للإمبراطورية المسيحية، الأمر الذي أثار هلع الكنيسة والعالم المسيحي.
وكان لذلك القرار أثر عميق على فينيسيا بالذات التي كانت تربطها بالقسطنطينية علاقات سياسية وتجارية وثيقة. وكجزء من شروط التسوية بين الجانبين، طلب محمّد الفاتح أن يتمّ إرسال فنّان من فينيسيا إلى بلاطه. ووافقت حكومة فينيسيا على شرطه واختارت أن ترسل له الرسّام المشهور جنتيلي بيلليني. كان الغرض من الزيارة محاولة استعادة العلاقات الطبيعية بين الطرفين ورسم عدد من الأعمال الفنّية التي كان أشهرها البورتريه الذي رسمه بيلليني للسلطان محمّد الثاني.
الروائي التركي اورهان باموك يسجّل في المقال المترجم التالي جانبا من انطباعاته عن رحلة بيلليني المشرقية وعن أهمّية البورتريه الذي رسمه الفنّان الايطالي لمضيفه السلطان العثماني.

عندما استولى محمّد الثاني على القسطنطينية عام 1453 لم يكن عمره يتجاوز الحادية والعشرين. كان هدفه من تلك الخطوة دعم مركزية الدولة العثمانية وتوطيد أركان حكمه. لكنه استمرّ في غزواته في أوربّا مكرّسا نفسه كحاكم قوي ومهاب الجانب. كلّ تلك الحروب والانتصارات ومعاهدات السلام كانت دائما ممّا ينبغي على كلّ طالب تركي في الثانوية أن يحفظه عن ظهر قلب وأن يتلوه بحماسة قومية. وقد أدّت حملات الفاتح في النهاية إلى ضمّ أجزاء كبيرة من البوسنة وألمانيا واليونان إلى الحكم العثماني. واستطاع السلطان أخيرا أن يعقد معاهدة سلام بين العثمانيين وأهالي فينيسيا عام 1479، بعد حوالي عشرين عاما من الحرب والنهب والقرصنة في جزر بحر ايجة وموانئ البحر المتوسط.
وعندما بدأ المبعوثون رحلاتهم بين فينيسيا واسطنبول لتطبيق بنود تلك المعاهدة، عبّر محمّد الفاتح عن رغبته في أن ترسل إليه فينيسيا "رسّاما جيّدا". ورغم أن فينيسيا فقدت أجزاءً كبيرة من أراضيها وحصونها بموجب تلك المعاهدة، إلا أن مجلس الشيوخ الفينيسي كان سعيدا للغاية بمعاهدة السلام وقرّر أن يرسل للسلطان الرسّام جنتيلي بيلليني الذي كان في ذلك الوقت منشغلا بتزيين جدران قصر الدوقية الكبير بلوحاته العملاقة.
قضى بيلليني ثمانية عشر شهرا في اسطنبول كسفير ثقافي ورسم خلال إقامته هناك العديد من اللوحات. غير أن أهمّها وأشهرها هو البورتريه الذي رسمه بالألوان الزيتية للسلطان محمّد الفاتح. وقد استُنسخ هذا البورتريه عديدا من المرّات كما طُبعت منه نسخ معدّلة وذهبت نسخ أخرى لتزيّن الكتب المدرسية وأغلفة الكتب والصحف والملصقات والأوراق النقدية والطوابع، لدرجة انه لم يبقَ تركي لم يرَ البورتريه مئات إن لم يكن آلاف المرّات.
والحقيقة انه لم يكن لسلطان آخر من العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية، بمن فيهم سليمان القانوني نفسه، بورتريه مثل هذا. وقد تميّز البورتريه بواقعيته وتوليفه البسيط وبالقوس المظلل بإتقان، وكلّها عناصر أضفت على الفاتح هالة سلطان منتصر. لم يكن البورتريه مجرّد صورة لمحمّد الثاني، بل كان رمزا لمكانة وهيبة السلطان العثماني، تماما مثلما تحوّل البوستر الشهير لـ شي غيفارا إلى أيقونة ترمز لكلّ رجل ثوري.
التفاصيل الدقيقة في البورتريه، مثل النتوء الملحوظ في الشفة العليا والحواجب الأنثوية، وأهمّ من هذا الأنف "العثمانية" الدقيقة والطويلة، كلّها سمات تعطي انطباعا عن شخص متميّز جدّا، لكنه مع ذلك لا يختلف كثيرا عن الناس الذين تزدحم بهم شوارع اسطنبول كلّ يوم.
في العام 2003 الذي صادف الاحتفال بمرور 550 عاما على الفتح العثماني، بادر احد البنوك التركية الكبرى إلى جلب اللوحة من الناشيونال غاليري بـ لندن حيث تستقرّ منذ سنوات، وأحضرها إلى اسطنبول ثم قام بعرضها في احد المناطق الأكثر ازدحاما في المدنية.
وقد جاء أطفال المدارس في الحافلات، كما اصطفّ مئات الآلاف من الناس كي يحدّقوا في البورتريه بافتتان وانبهار لا يليقان سوى بالشخصيات الأسطورية.

Bellini & Sinan Bey

تحريم الإسلام لرسم الأشخاص كان يعني أن الرسّامين العثمانيين لم يكن باستطاعتهم أن يرسموا بورتريهات واقعية للسلاطين. ولم يكن الحظر مقتصرا على الرسم فحسب. فالمؤرّخون العثمانيون أنفسهم لم يكونوا يجرءون على الكتابة عن الملامح المميّزة للسلاطين ولا عن شخصيّاتهم أو طقوسهم الروحية المعقّدة، رغم عدم وجود نصّ ديني يقول بهذا التحريم.
ويوجد الآن في متحف قصر طوب كابي بورتريه منسوب لرسّام عثماني يُدعي سنان بيه. ومن المؤكّد انه مستوحى من بورتريه بيلليني، ويظهر فيه السلطان محمّد الثاني وهو يشمّ زهرة. هذا البورتريه لا علاقة له بفنّ عصر النهضة في فينيسيا ولا بفنّ المنمنمات الفارسية العثمانية الكلاسيكية. الشيء الوحيد الذي يعوّض عن رداءة تنفيذ البورتريه هو الزهرة التي يشمّها السلطان. وما يجعلنا ندرك وجود هذه الزهرة وحتى رائحتها ليس لونها وإنما الأنف العثماني البارز والمميّز فيها. وعندما نعلم أن سنان بيه الذي رسم اللوحة كان في الحقيقة احد فنّاني الفرنجة الذين عاشوا وسط العثمانيين، وهو على الأرجح كان ايطاليا، فإن هذا يذكّرنا مرّة أخرى بأن التأثيرات الثقافية تعمل في اتجاهين وهي معقّدة إلى حدّ كبير ويستعصي فهمها أو استيعابها في الكثير من الأحيان.
وهناك لوحة أخرى تُعزى لـ بيلليني أثناء إقامته في تركيا، ويظهر فيها رسّام شابّ وهو يجلس أمام صفحة فارغة من كرّاس. ومن خلال تعابير وجه الشابّ ونظراته المستغرقة وشكل شفتيه، يستطيع المرء أن يكتشف مدى تفاني الشابّ وإخلاصه القلبي لعمله. إن تقديري لجمال وجه الشابّ الشاحب وغير الملتحي في الصورة لا يقلّ عن احترامي للعاطفة والحماس اللذين يشعر بهما وهو يرسم اللوحة التي أمامه.
وطبقا لبعض المؤرّخين الغربيين، فإن محمّد الفاتح كان يقدّر كثيرا الشباب ذوي الوجوه الجميلة والملامح الوسيمة. وكان يطلب أن تُرسم لهم بورتريهات متحمّلا في سبيل ذلك بعض المخاطر السياسية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت الملامح الجميلة عنصرا مهمّا في تقاليد القصور العثمانية.
إن جمال الفنان الشابّ والطريقة التي يمنح بها نفسه للوحة التي أمامه وكذلك بساطة الأرضية والجدار الذي خلفه، كلّ ذلك يضفي على اللوحة سمة من الغموض الذي اشعر به في كل مرّة انظر إليها. وإلى ما قبل حوالي مائة عام، كانت هذه اللوحة ما تزال موجودة في اسطنبول، لكنها انتقلت في ما بعد لتصبح ضمن مقتنيات متحف ايزابيلا غاردنر في بوسطن.
ومنذ سنوات، وبينما كنت أتجوّل في قاعات هذا المتحف الضخم مستمتعا بالنظر إلى لوحات سارجنت وتيشيان الكبيرة والفاخرة، رأيت فجأة صورة الرسّام الشابّ. وعندما حدّقت في اللوحة الصغيرة أحسست أن المسافة بيني وبينها هي نفس المسافة التي تفصل ما بين الرسّام وصفحته الفارغة. الرسّام الشاب في لوحة بيلليني الصغيرة معروف جيّدا وإن لم يكن بنفس شهرة بورتريه بيلليني عن محمّد الفاتح. إذ يُعتقد على نطاق واسع أن شخص الرسّام في اللوحة ليس سوى الأمير جِم سلطان الذي عومل بقسوة من قبل شقيقه الأكبر بايزيد الثاني. وقد تحدّثت الكثير من الروايات الميلودرامية عن المصير المشئوم الذي انتهى إليه. كان جِم سلطان الابن الأصغر لمحمّد الفاتح، وكان يُصوّر على انه ذو شخصية منفتحة على الفنون وعلى الثقافة الغربية بشكل عام. كان أميرا يضجّ بالشباب ويتمتّع بالمعرفة وسعة الأفق. بينما كان شقيقه الأكبر بايزيد الثاني، الذي سيدسّ له السمّ في ما بعد، شخصا متعصّبا وكثيرا ما اظهر كراهيته وازدراءه للثقافة الغربية.
بعد عصر النهضة أحسّ الغرب لأوّل مرّة بتفوّقه على الشرق، ليس فقط في ساحات المعارك وإنما أيضا في ميادين الفنّ. وبعد رحلة بيلليني إلى الشرق بمائة عام، وصف جورجيو فاساري كيف أن السلاطين العثمانيين الذين يُلزِمهم دينهم باتخاذ موقف سلبي من الرسم كانوا منبهرين من المهارة التي أظهرها بيلليني في بورتريهاته التركية، كما كانوا يغدقون عليه كلمات المديح والثناء.
وعندما يكتب عن فيليبو ليبي، يروي فاساري كيف أن هذا الرسّام الايطالي وقع ذات مرّة في أسر مجموعة من قراصنة الشرق. وقد حدث أن طلب منه سيّده الجديد أن يرسم له بورتريها. وعندما أتمّ ليبي رسم البورتريه وقدّمه للقرصان، فُتن الأخير كثيرا بموهبة الرسّام وأثنى على واقعيته الشديدة، لدرجة انه أمر في النهاية بإخلاء سبيله.
بعد وفاة محمد الفاتح، خلفه ابنه بايزيد الثاني الذي لم يكن يشارك والده في نظرته للحياة وفي تقديره وحبّه للفنون. وقد قام عند تولّيه الحكم ببيع البورتريه الذي رسمه بيلليني لوالده في المزاد.
بعد تأسيس تركيا الحديثة عام 1923، وكانت حملة التغريب قد بدأت، قال الشاعر القومي يحيى كمال: لو كان عندنا رسم ونثر، ولو أننا ترسّمنا خطى عصر النهضة الأوربية في الفنون والآداب لكنّا أصبحنا اليوم أمّة مختلفة ولكان حالنا أفضل بكثير ممّا نحن عليه الآن".
وعندما وقف الشاعر نفسه أمام بورتريه السلطان محمّد الفاتح، كان أكثر ما أزعجه هو أن اليد التي رسمت اللوحة كان ينقصها الدافع الوطني.
وبوسع المرء أن يشعر بالاستياء العميق الذي يطبع كلمات الشاعر تجاه أوجه القصور التي تعتري ثقافته. لكن من الواضح انه كان يؤمن بالفكرة الخيالية التي تقول انه بالإمكان تبنّي منتجات ثقافة أخرى مختلفة كلّيا عن ثقافتنا من غير أن يضطرّ الإنسان إلى تغيير روحه.

2 comments:

Ahmed said...

امتعنتني كلماتك المقال
و معلوماته

Prometheus said...

Ahmed
شكرا جزيلا لك ومرحبا بك دائما.
تحياتي.