:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, November 20, 2010

كرسيّ

"أريد أن ازرع فيك ولو جزءا بسيطا من إيماني الكبير بأننا سننجح في أن نبتكر شيئا يمكن له أن يدوم ويستمرّ".
كتب فان غوخ هذه الكلمات إلى صديقه غوغان قبل ثلاثة أسابيع من انتقال الاثنين للعيش معا في المنزل الأصفر في آرل.
في لوحتَي فان غوخ المشهورتين والتي رسم في كلّ منهما كرسيّا، نرى بوضوح رؤيته عن نفسه وعن صديقه غوغان كما تعكسها قطعة من القماش رسم عليها أثاثا ساكنا.
وقد رسم كرسيّه مواجها اليمين، بينما رسم كرسيّ غوغان مواجها اليسار. وبالتالي، عندما توضع هاتان اللوحتان معا فإنهما تُحدثان تأثيرا متناغما.
وبرؤية كلا الكرسيين معا، نستطيع أن نتبيّن بوضوح ما الذي كان يقصده فان غوخ عندما رسمهما.
صحيح أن الاثنين يُعتبران اليوم رسّامَين مشهورين. إلا أنهما اكتشفا فرقا هائلا في طريقة تعامل كلّ منهما مع الرسم.
النقاشات الساخنة التي كانت تجري بينهما ترسم صورة لشخصين يائسين لم يجدا أبدا أرضية للتفاهم والوئام. وكان ذلك يثير فيهما التعب والإحساس بالمرارة. ومع ذلك كانت خلافاتهما ومشاكلهما الصاخبة تتلاشى أحيانا لتظهر الرابطة الروحية الكامنة بينهما.
وفي احد الأوقات، بدا أن النار التي كانت تشتعل بالقرب منهما أصبحت تنذر بما هو أسوأ. لكن بدلا من أن يوجّه فان غوخ عنفه إلى صديقه، بادر في نوبة غضب محموم إلى بتر حلمة أذنه لينتهي به الأمر في المستشفى.
رسم فان غوخ هاتين اللوحتين في تلك الفترة. وكلّ منهما يصحّ اعتبارها بورتريها لكلّ منهما. ويبدو أن التوتّر الذي شاب علاقتهما وهما يحاولان أن يجدا طريقة للعيش بانسجام معا لم يؤثّر كثيرا على فان غوخ.
اللوحة التي رسمها فان غوخ لكرسّيه الأصفر مليئة بالضوء. وهو يصوّر كرسيّه متّبعا طريقته المعتادة في توظيف النسيج الثقيل والخطوط الواضحة. الكرسيّ الخشبي المرسوم في وسط اللوحة ملتفّ إلى الخارج لإبراز جماله البسيط، وتحته أرضيّة من البلاط الأحمر، وخلفه جدار من الألوان البحرية الخضراء. وعلى سترة الكرسي رسم غليونه وكيسا من التبغ. المعروف أن فان غوخ كان يدخّن الغليون لأن تشارلز ديكنز كان ينصح بتدخينه كعلاج للاكتئاب. وفي الخلفية رسم صندوق بصل وضع عليه توقيعه. وسنرى بعد قليل أن هذه الأشياء البسيطة والتافهة تتناقض تماما مع الأشياء الأنيقة والقيّمة التي اختار أن يمثّل بها صديقه.
كرسيّ فان غوخ بسيط ودافئ، وطفولي إلى حدّ ما. واللون الغالب عليه هو الأصفر الذي كان قد أصبح لونه الخاص.

لكن كيف رسم كرسيّ صديقه؟ كرسيّ غوغان يبدو رسميّا تماما. وهو دون شكّ يعتبر إحدى تحف فان جوخ بالنظر إلى الشعور الثقيل والصارم الذي يستثيره. الكرسيّ الخشبي ذو اللون البنّي يبدو جميلا بهيكله المقوّس وخطوطه الغامقة السوداء. البساط تحته مزخرف بأنماط حمراء وممتدّ على كامل المساحة حتى الجدار الأخضر الصارخ الذي يحتلّ أكثر من ثلث مساحة اللوحة.
كرسيّ غوغان هو أيضا مرسوم وسط اللوحة ويواجه الخارج. وعلى بطانته الخضراء وضع فان غوخ كتابين وشمعة محترقة.
من المستحيل أن ننظر إلى هذه الأشياء المرسومة بطريقة بسيطة دون أن نلاحظ رمزيّتها. المعرفة والإضاءة هما جزء لا يتجزّأ من روح وشخصيّة صديقه.
لكن هناك من فسّر اللوحتين بطريقة مختلفة. بعض النقّاد، مثلا، يقولون إن فان غوخ رسم كرسيّ غوغان كي يعبّر من خلاله عن انتقاده لصديقه ونفوره من أسلوب لوحاته وطريقة فهمه للفنّ. وقد وضع الكتب على الكرسيّ كي يشير ضمنا إلى أن غوغان كان يرسم لوحاته اعتمادا على أفكار غيره. وكان احد مآخذه الأخرى على غوغان هو انه كان يستخدم ضوء الشموع في لوحاته بدلا من الضوء الطبيعي. ولكي يكرّس هذا الانطباع، رسم فان غوخ كرسيّ غوغان بدعّامتين بينما اغفل هذه الجزئية في كرسيّه.
لكن وأيّا ما كان المعنى المقصود، فإن ممّا لا شكّ فيه أن فان غوخ كان يلقّب غوغان بالمعلّم وكان يعتبره فنّانا ومثقّفا كبيرا.
وعلى الرغم من أن العلاقة بينهما أصبحت عاصفة، إلا أن المفارقة تكمن في أن تلك الخلافات كانت حافزا للتغيير في حياة الاثنين المهنية. وفي وقت لاحق سينعكس ما حدث إيجابا على حركة وحيوية الفنّ الغربيّ الحديث.
هذا هو تراث فان غوخ الذي ظلّ باقيا إلى اليوم. كانت غايته منذ البداية أن "يخلق شيئا من شأنه أن يدوم وأن يستمرّ".
وقد تحقّق له ذلك، لكن ليس بالطريقة التي كان يتصوّرها. "مترجم".



2 comments:

saeed said...

مدونتك جدّرائعة لكن اتمنة أن تعطى اهتماما اكبر للفنون العربية التى أنت منتمى لها
ولا يحق لك أن تنسلخ منها هكذا

تقبل تحياتى مرة أخرى
وإلى مزيد من التقدم
إن شاء الله

Prometheus said...

شكرا لك يا أخ سعيد. أعدك بتنفيذ ما طلبت مستقبلا.