:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, April 22, 2013

أسطورة الملك التائه

ضوء النجوم المنعكسة على الكثبان، والنظرات الساهرة للجان، والوهج المشعّ لشمس الجزيرة العربية، تلك هي بعض الأجواء التي تجري فيها وقائع هذه الحكاية العجيبة عن الوليد بن حِجْر ورحلاته المثيرة، كما ترويها الكاتبة الاسبانية لورا غاييغو غارسيا في روايتها "أسطورة الملك التائه".
تدور أحداث الرواية في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام، وبالتحديد في القرن السادس الميلادي. وتستند إلى قصّة حياة الشاعر الجاهلي إمريء القيس بن حجر الملقّب بالملك الضلّيل والذي كان ملكا على مجموعة من القبائل العربية المعروفة باسم كِنْدة.
الرواية تتضمّن أصداءً من ألف ليلة وليلة ومن رواية الخيميائي لـ باولو كويلو. وقد قامت المؤلّفة بتحوير بعض عناصر القصّة التاريخيّة، فامرؤ القيس يتحوّل اسمه إلى "وليد"، وهو يقوم برحلات متعدّدة في الصحراء، لا سعيا للانتقام من قتلة والده كما تقول القصّة الأصلية، وإنّما من اجل دافع آخر أكثر قتامة.
في شبابه، كان وليد يحلم بأن يصبح حاكما وشاعرا عظيما يحبّه الناس ويحترمونه ويقدّرون خصاله ومواهبه. ولأنه ولِد أميرا بحكم كونه ابنا للملك حجر زعيم القبيلة، فقد كان وليد يعتقد أن أحلامه ستتحقّق بسهولة، سيّما وأن الكثيرين كانوا يعتقدون أن شيطانا من الجنّ زاره عندما ولِد ولقنّه الشعر.
غير أن الأمير يفشل في معرفة ما كان يخبّئه له القدر. وعندما يخسر ثلاث مسابقات شعرية متتالية في سوق عكاظ أمام منافسه المسمّى حمّاد بن الحدّاد، وهو حائك وفلاح بسيط، يلجأ الأمير الذي كان في ما مضى متّصفا بالشهامة والسماحة لاستخدام مكانته الملكية الخاصّة ليكلّف حمّاد بمهمّة تبدو مستحيلة: أن يحيك له سجّادة تصوّر جميع أحداث التاريخ.
كان الإحساس بالمرارة والغيرة قد تملّك قلب وليد وأعمى بصيرته، فقرّر أن يجعل النسّاج المسكين يدفع ثمنا باهظا لتفوّقه عليه وذلك بتكليفه بتلك المهمّة الصعبة، وبالتالي حرمانه من زوجته وبيته وأبنائه الثلاثة . لكن، وبما أننا إزاء رواية خيالية، فإن حمّاد ينجح في الرهان وتصبح السجّادة أقوى كائن سحريّ في العالم.
قضى حمّاد عدّة سنوات وهو يحيك السجّادة. ثم لم يلبث أن أصيب بالعمى نتيجة الإجهاد والتعب. وعندما توفّي، كان قد أتمّ عمله على أفضل وجه واستطاع أن يخلق تحفة فنّية من الألوان المبهرة تتضمّن تاريخ ومستقبل الجنس البشريّ كلّه.
كان كلّ من يأتي ليحدّق في السجّادة يرى في أنماطها ورسوماتها ماضيه وحاضره ومستقبله. وعلى الرغم من أن نظرة خاطفة عليها قد تدفع بالإنسان إلى الجنون، إلا أن الكثيرين خاطروا بحياتهم كي يتأمّلوا تفاصيلها ويكتشفوا فيها أقدارهم ومصائرهم.
عندما مات حمّاد، أحسّ وليد بالخزي والخوف والندم من عواقب ما قد تجلبه عليه معاملته السيّئة له. لذا اخذ السجّادة ووضعها في غرفة سرّية بالقصر وأقفل عليها هناك. لكنّ حياته وقدره كانا قد تغيّرا إلى الأبد. فمملكته بدأت في التفكّك، وجنوده وخدمه لم يعودوا يثقون به وبدا أن تخلّيهم عنه أصبح مسألة حتمية.
وفي منتصف إحدى الليالي، يتسلّل احد أصدقائه القدامى إلى القصر بصحبة شريكين. كان هدفهم سرقة كنوز الملك. وبدلا من أن يعثروا على جِرار الفضّة أو الذهب، وجدوا السجّادة. لكنّ وليد، الذي كان قد أصبح ملكا بعد وفاة والده الضرير، يستيقظ فجأة من كابوس له علاقة بالسجّادة. ولأنه أصبح في قبضة الهواجس والشكوك، يقرّر أن يتأكّد من أن السجّادة ما تزال في مكانها.
لكنّه يكتشف أن حلمه كان حقيقيّا وأن السجّادة قد سُرقت. فيسارع إلى الإسطبل باحثا عن حصان، ثم يندفع إلى داخل الصحراء بطريقة متهوّرة متعقبّا اللصوص، فيعلق في الرمال ويوقن أن موته أصبح وشيكا. غير انه يُنقذ من الموت على يد شخص غريب وخارج عن القانون.
أثناء تعقّبه سارقي السجّادة عبر الصحراء وفي مدن وأراض غريبة، يتعلّم وليد أشياء عن الإنسانية والرحمة والتعاطف. وبفضل دعم قبيلة من قطّاع الطرق وتاجر شهم وحبّه لامرأة بدويّة، يبدأ وليد في رؤية العالم بطريقة مختلفة ويتعلّم أن يستمع إلى قلبه قبل كبريائه. كما يدرك أن وظيفة الإنسان أو منصبه وجاهه في الحياة لا تعني شيئا إذا لم يكن له قلب يراعي مشاعر الآخرين ويتحسّس همومهم. لذا يبادر إلى احتضان أبناء حمّاد وزوجته ويقوم على رعايتهم في محاولة للتكفير عن الذنب الذي ارتكبه بحقّ أبيهم.
وفي نهاية الرواية، ينجح البطل في استعادة السجّادة، فيقوم بتقطيعها إلى أربعة أجزاء يوزّعها على أربعة من اقرب خلصائه لمنع وقوعها في الأيدي الخطأ.
"أسطورة الملك التائه" تتحدّث عن الكبرياء والمصير وعن القرارات التي نأخذها وتحدّد لنا الوجهة التي نسلكها في الحياة، ومدى قدرة الإنسان على تغيير تلك القرارات من خلال صنع خيارات بديلة. أيضا تؤكّد الرواية على أن الإنسان مسئول عن عواقب أفعاله وأن الحياة تعيد لنا ما نعطيه سواءً كان خيرا أو شرّا وأن مقابل كلّ شرّ نفعله يجب أن ندفع ثمنا. ومن الدروس الأخرى التي تقدّمها هذه الرواية أن الوقت لا يفوت أبدا لكي يغيّر الإنسان من نفسه ويصلح أخطاءه ويستعيد خلاصه.
الكاتبة لورا غاييغو غارسيا سبق وأن فازت بجائزة إل باركو الأدبية وهي في سنّ الحادية والعشرين عن روايتها "نهاية العالم". ثم فازت بالجائزة نفسها مرّة أخرى بعد ثلاث سنوات عن رواية "أسطورة الملك التائه".

5 comments:

نهى جمال said...

21 سنة !!

وكتبت رواية .. يا قلبها !! :))

أعتقد الواحد مش محتاج يقرأ الكتب يجي هنا ويقرأ تحليلك :))

Prometheus said...

نهى:
شكرا جزيلا لك. أنا أيضا لاحظت ذلك. يبدو أن للأمر علاقة بالقراءة منذ الصغر. القراءة في سنّ مبكّرة توسّع مدارك الإنسان وتعرّفه على آداب وثقافات العالم ومن ثم تحرّضه على الكتابة والتأليف. شكرا لك مرّة أخرى.

abdallah said...

ما احنا بنكتب بيكرهونا في الكتابة ويتريقوا :(

Arpy Asmar said...

الحياة تعيد لنا ما نعطيه سواءً كان خيرا أو شرّا وأن مقابل كلّ شرّ نفعله يجب أن ندفع ثمنا.

لست من مؤيدي هذه الفكرة

شكرا لك
أربي أسمر

Prometheus said...

أربي
شكرا جزيلا. اختلافك وارد بل ومرحّب به. تحيّاتي لك.