:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, March 02, 2009

نبوءات لاو تسو

إذا أردت أن تعرف شيئا عن الصين وعن الحضارة الصينية فلا بدّ وأن تقرأ كتاب الطاو لـ لاو تسو. فالفلسفة الطاويّة التي وضع لاو تعاليمها قبل أكثر من ألفي عام متغلغلة في كل شيء في تلك البلاد؛ في السياسة كما في الثقافة والتراث والدين والفنّ والأدب والطبّ والأساطير.. إلى آخره.
وكتاب الطاو صغير جدّا في حجمه ويمكن للقارئ المستعجل أن يقرأه في اقلّ من ساعتين. لكنْ بالنسبة للقارئ المتمعّن قد تستغرق قراءته وقتا أطول بكثير. فهو مليء بالإشارات المركّبة والجمل والرموز العميقة في مضمونها ومعناها. ويحسن أن ُيقرأ هذا الكتاب بكثير من التركيز والتامّل.
عاش لاو تسو حوالي العام 2500 قبل الميلاد. ويقال انه عاصر كونفوشيوس، لكن الرجلين لم يكونا على وفاق. كونفوشيوس كان يريد تنظيم الدولة والمجتمع من خلال القوانين. لكن لاو وأتباعه كانوا يرون في العزلة والتامّل في الطبيعة الأسلوب الأمثل لفهم الحياة والناس.
والكونفوشية كفلسفة تهتمّ في الأساس بسلوك الإنسان في حياته اليومية. بينما الطاوية ذات طبيعة فردانية وصوفية. وهي تركّز على الجوانب الروحانية وعلى الطبيعة وأثرها في السلوك البشري.
وقصّة تدوين كتاب الطاو لا تخلو من طرافة. فـ لاو، كما تقول المصادر التاريخية، كان قد يئس من صلاح حال الناس في زمانه. كان عمره آنذاك يربو على الثمانين. وتحت تأثير إحساسه باليأس والمرارة قرّر أن يهجر الحياة كلّها وأن يغادر الصين إلى غير رجعة. وهكذا انطلق ممتطيا حماره باتجاه المناطق الشمالية للصين. غير أن حرّاس الحدود أوقفوه بعد أن عرفوا هويّته. ثم ألزموه بتدوين حِكَمِه وتعاليمه كي تستفيد منها الأجيال القادمة. فكان هذا الكتاب الذي يقال إنه ثاني أكثر الكتب انتشارا في العالم بعد الإنجيل، والذي يضمّ مجموعة التعاليم التي تُعرف باليوم بالطاوية.
بعد مغادرة لاو للصين لم يعد أحد يعرف أو يسمع عنه شيئا. لكنه كان معروفا قبل ذلك بأسفاره الكثيرة. فقد جاب التخوم الغربية للصين وتجوّل في منطقة الهمالايا ووصل في بعض المرّات إلى أرض التاميل.
وبالمناسبة، يصعب على الإنسان أحيانا، حتى لو كان ذا إلمام جيّد بالفلسفات الشرقية القديمة، أن يضع خطوطا فاصلة بين ما تقول به الطاوية والكونفوشية والبوذية والهندوسية. فهناك التقاء وتمازج غريب بين هذه التعاليم إلى الحدّ الذي يصعب معه التمييز في ما بينها. وما يجعل الامر أكثر تعقيدا أن بعضها استنسخ نفسه في أكثر من طبعة. مثال ذلك البوذية التي انقسمت إلى صينية وهندية وتايلندية..إلى آخره. ومن عباءة الطاوية والبوذية خرجت فلسفات وتعاليم أخرى متفرّعة عنهما.
كتاب الطاو ينصبّ موضوعه في الأساس حول نظام الطبيعة وطبيعة الإنسان. أي أنه، بمعنى من المعاني، بحث في معنى الحياة وفنّ العيش وجوهر الحقيقة. والطاو تعني حرفيا الطريق أو الطريقة، ويقابلها في الفلسفة الهندية مفردة "الدارما" التي تحيل إلى المعنى نفسه تقريبا. ويمكن القول إن الطاو هو الكيان أو القوّة التي بنت هذا الكون بكلّ موجوداته. كما أنه مجموعة القوانين والنواميس الطبيعية التي تحكم نموّ وسيرورة الأشياء والظواهر وقدرة هذه الاشياء على إكمال دورتها الطبيعية وفق قوانينها ونظمها الخاصّة.
والكتاب يتضمّن مواضيع وحالات كثيرة ويستخدم أساليب المقارنة والتشبيه والمفارقة في قالب مصاغ بلغة شعرية وموسيقية مكثفة.
يقول لاو: تحت سمائنا هذه يمكننا أن نرى الجمال جمالا لأنّ القبح موجود وأن نرى الخير خيرا لأن الشرّ موجود".
وهذا الكلام يذكّرنا ببيت الشاعر العربي الذي يقول فيه: وبضدّها تتميّز الأشياء.
ويقول في موضع آخر: روح الوديان لا تموت أبدا. إنها المرآة الأولى. رحمها أصل السماء والأرض. مثل غلالة رقيقة هي، لا تكاد تُرى".
ويقول أيضا: الطاو يشقّ طريقه في العالم كما يشقّ نهر طريقه إلى مصبّه في البحر".
وهنا أرجو أن يسمح لي القارئ بإبداء ملاحظة عابرة. فأثناء قراءتي للكتاب، ومع كلّ إشارة إلى الطاو وقوانينه وأفعاله، كان ذهني ينصرف لا إراديا إلى الخالق أي الله. وتذكّرت ألا وجود لإله أو قوة مقدّسة أو عليا في الكونفوشية أو الطاوية. وخُيّل إلي أن الله كما نعرفه ونتصوّره هو الطاو نفسه الذي يتحدّث عنه لاو تسو.
وأحد المبادئ الأساسية في الطاوية هو ثنائية الاشياء. فكلّ شيء في هذا الكون يتحرّك في إطار دائري. وعندما يصل إلى ذروته يبدأ بالانحدار، تماما مثل الليل والنهار.
يقول لاو: الطريق المنير يبدو مظلما. التقدّم يبدو وكأنه تراجُع. الطريق السهل يبدو صعبا. أعلى الفضائل تبدو فارغة. النقاء العظيم يبدو ملطّخا. المربّع الكامل لا زوايا له. الموهبة الكبيرة تبدأ متأخّرة. أعظم الصور بلا شكل. الطاو مختبئ ولا اسم له".
وفي مكان آخر من الكتاب يقول: صفاء السماء يمنع سقوطها. صلابة الأرض تمنعها من التشقّق. وامتلاء الوادي يمنعه من التيبّس والجفاف".
وفي كتاب الطاو آراء جريئة ينتقد فيها لاو تسو الحكّام ويأخذ عليهم أنانيتهم ولامبالاتهم بالرّعيّة. يقول: عندما يكون بلاط الملك غارقا في الفخامة فإن الحقول تمتلئ بالحشائش والأعشاب، وتفرغ مخازن الحبوب. بعض الناس يرتدون ملابس مزركشة ويحملون أسلحة حادّة ويملئون بطونهم بالطعام والشراب وتصبح ممتلكاتهم أكثر مما يستعملون أو يحتاجون. هؤلاء هم السادة اللصوص".
ويقول أيضا: عندما ُتحكم البلاد بيد رقيقة يصبح الناس بسطاء. وعندما تحكم بالقوّة يصبح الناس خبثاء ومحتالين".
كما أن لاو يقف موقفا معاديا للحروب التي لا يجب أن يلجأ إليها القائد الحكيم إلا عندما تكون خيارا وحيدا لا مفرّ منه: الأسلحة آلات الخوف. ليست أدوات الرجل الحكيم. يستعملها فقط عندما لا يبقى أمامه خيار آخر. السلام والهدوء أمان عزيزة على قلبه. والانتصار بالنسبة له ليس مدعاة للفرح. إذا فرحت بالانتصار فهذا يعني أن القتل يسرّك. إذا كان القتل يسرّك فلن تحقق ذاتك".
ويقول: شجيرات الشوك تنبت على الطريق الذي داسته أقدام الجيوش. سنوات عجاف دائما تلي الحروب الكبيرة".
ويقول أيضا: عندما ُتقتل أعداد كبيرة من البشر في المعارك، فإن القلوب يجب أن تمتلئ عليهم حزنا وألما. علينا أن ننظر إلى الانتصار على أنه جنازة!"
ثم يتحدّث عن مواصفات الرجل الحكيم الذي يتعيّن عليه أن يتقبّل الإساءة بصدر رحب وأن يقبل سوء الظنّ على أنه من طبائع الوجود الإنساني. يقول: الرجل الحكيم يجب عليه أن يظلّ هادئا، غير متلهّف على الأشياء. أن تصبح خفيفا يعني أن تفقد الجذور. أن تكون قلقا يعني أن تفقد السيطرة على نفسك. الذي يمشي جيّدا هو الذي لا يخلّف وراءه أثرا. الخطيب الجيّد لا يزلّ لسانه. والباب الجيّد لا يحتاج إلى قفل، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يفتحه".
ومن الأمور التي تؤكّد عليها الطاوية أهميّة التطوّر الطبيعي للإنسان كجزء لا يتجزّأ من المنظومة الكونية الشاملة. وهذا التطوّر له هدف، وهو أن يتحوّل الإنسان في النهاية إلى كائن مثالي.
يقول لاو تسو: شجرة اكبر من امتداد ذراعي رجل تنبثق من نبت صغير. والشرفة ذات الثمانية طوابق تؤسّس على حفنة من تراب. والرحلة التي طولها ألف ميل تبدأ تحت قدميك!".
وهناك إشارات كثيرة في الطاو لما تسميّه الطاوية بالطريق الأوسط الذي يعرّفه لاو بأنه عدم فعل شيء. "إقبل ما هو أمامك، ولا ترغب في حال آخر". وهذه الجملة لا تعني أن يركن الإنسان إلى الكسل واللامبالاة بل أن يسعى لأن يتوافق مع الطبيعة دون أن يحاول التدخّل لتغيير قوانينها ونظمها المستقرّة.
"أدرس قانون الطبيعة، واعمل طبقا له لا ضدّه". "تدرّب على اللافعل. إعمل دون فعل. إبحث عن البساطة في التعقيد. حقّق العظمة من الأشياء الصغيرة".
ومن أجمل المقاطع في الكتاب ذلك الذي يتحدّث فيه لاو عن نظرته للفراغ. وقد ذكّرني حديثه إلى حدّ كبير ببعض لوحات رينيه ماغريت.
يقول: الفراغ هو الذي يجعل الأشياء نافعة. إصنع من الطين إبريقا. الفراغ الذي بداخله هو الذي يجعله صالحا للشرب. في فراغ الأبواب والشبابيك مصدر نفع للغرف. بعض المكاسب تأتي من الوجود. أما النفع الحقيقي فيأتي من العدم. ".
ومن العناصر المهمّة في الطاوية الشكّ الوجودي. وأفضل مثال على ذلك ما يقوله الفيلسوف يانغ تشو أحد أتباع لاو.
يتساءل هذا الفيلسوف: لماذا يعيش الإنسان؟ أيّ متع في هذه الحياة؟ الجمال؟ الثروة؟ الأصوات؟ الألوان؟ يأتي على الناس وقت لا يعود الجمال والثروة قادرين على تلبية احتياجات القلب وتتحوّل الأصوات والألوان إلى نوع من السأم. وقد تعلّم الأقدمون أن الحياة تأتي فجأة وتنتهي فجأة. لذا لم يتنكّروا لأهوائهم ونوازعهم ولم يشغلهم كثيرا هاجس الشهرة أو السمعة بعد الموت. ولهذا السبب كانوا دائما فوق القانون ولم يكونوا معنيّين بثناء الناس أو ذمّهم سواءً قصرت الحياة أو طالت".
يقال أحيانا أن لاو تسو كان أوّل ليبراليّ في التاريخ. فقد اكتشف آدم سميث وسواه ما سبق وأن عرفه لاو قبل أكثر من ألفي عام.
كان لاو متشكّكا كثيرا في سلطة الحكومة وفي أولئك الذين يمارسون السلطة. وكان يقول: كلّما كثرت القوانين والمحظورات ازداد الناس فقرا. وكلما زادت الأسلحة مضاءً كثرت المتاعب في الأرض. وكلما زادت القوانين والتنظيمات، تنامى عدد اللصوص وقطّاع الطرق".
ومن عباراته الأخرى المشهورة: إن السلام، لا السلطة المتغوّلة، هو الذي يحقّق الأمن والاستقرار. ومن الصعب تنظيم الناس بسبب أولئك الذين يتدخّلون من فوق".
وكثيرا ما كان لاو يجاهر بازدرائه للسلطة، فقد قال ذات مرّة: إننّي أحفر البئر بحثا عن الماء وأحرث الأرض لإنبات الغذاء. فما حاجتي لسلطة الإمبراطور؟"
وحدث أن دعاه أحد الأباطرة ليعيّنه وزيرا فرفض وقال: من الصعب أن نتّفق. أنت تعمل بوحي من مصالح أسلافك وأنا أعمل بما يمليه عليّ ضميري".
لاو تسو التاريخيّ كان وما يزال مثار جدل. إذ لا ُيعرف عنه أو عن حياته سوى النزر اليسير. لكن من المعروف انه عمل عدّة سنوات أمينا لمكتبة القصر الامبراطوري أثناء حكم سلالة تشاو. ولأنه لا ُيعرف الكثير عن حياته، فقد راجت عنه الكثير من القصص والأساطير الشاطحة. وإحدى تلك الأساطير تقول إن لاو ولد بشعر أبيض بعد أن مكث في بطن أمّه ثمانية أعوام!
وأخيراً، ُتنسب لـ لاو تسو الكثير من العبارات والأقوال المأثورة. ومن أشهرها "طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة" و "الذين يعرفون لا يتحدّثون، والذين يتحدّثون لا يعرفون"..

4 comments:

مكتوم said...

راقني كثيراً الجزء المتعلق بالفراغ

الفلسفة الشرقية تبدو أكثر روحانية واتصالاً بالطبيعة والذات إذا ما شئنا مقارنتها بالفلسفة الغربية القديمة (اليونانية) التي عنيت بالمنطق والعقل والنظام

راقني كثيراً الجزء المتعلق بمفهوم الفراغ، وهو جزء أساسي في دراستنا للعمارة، فما يصممه المعماري لا يعدو عن كونه إدارة للفراغ

نالت استحساني مقطوعة
Bandari - Visions
كثيــراً

Prometheus said...

أهلا وسهلا بك عزيزي مكتوم.
وجميل ان الكلام عن الفراغ أثار اهتمامك أنت أيضا.
العبارة التي وردت في نهاية كلامك عن علاقة العمارة بالفراغ موحية جدا وأجد أنها تقول أشياء كثيرة.
خالص مودتي لك.

Unknown said...

شكرا جزيلا على هذه الدرر الطيبة جزاك الله كل الخير وذادك علما ونفعا وامن ساحتك .

mohamed skyblue said...

شكرا جزيلا على هذه الدرر الطيبة جزاك الله كل الخير وذادك علما ونفعا وامن ساحتك .