:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, January 16, 2010

حِوار الثلج والنار

على ضوء شمعة واهنة، كان يجلس طفل صغير يحتضن كوب حليبه الساخن قبل النوم ويحاول في الوقت نفسه اتقاء وهج النار المنبعثة من المدفأة إلى جواره.
كلّ ما كان يسمعه كان عويل رياح الشتاء المتجمّدة وهي تبحث لها عن شقوق لتختبئ فيها.
ومع انه كان يستطيع مشاهدة تساقط حبّات الثلج عبر النافذة، فإن عينيه كانتا تفضّلان متابعة ألسنة اللهب وهي ترتفع إلى فوق لأنها تذكّره بصور وأخيلة من الحكايات التي كانت تقصّها عليه أمّه.
كلّنا نختزن في ذاكرتنا مثل هذه الصور عن ليالي الشتاء. لكنّها أصبحت نادرة هذه الأيام مع وجود التكنولوجيا الحديثة وتطوّر وسائل التدفئة وتوافر الأبواب والشبابيك التي تُغلق بإحكام لتوفّر أجواءً دافئة ومريحة داخل البيوت.
قبل أكثر من مائة عام كانت هذه الصور شائعة جدّا، خاصّة بالنسبة لطفل فنلندي مثل جان سيبيليوس. ومع ذلك فقد وجد فيها فائدة غريبة. الفصول في فنلندا واضحة المعالم جدّا. فالربيع، مثلا، يبدأ فجأة في اللحظة التي تتصدّع فيها الأرض ليسيل الجليد ولتأخذ الأرض بعدها شكلها الأوّل.
مثل هذه الأطوار المتغيّرة التي يمرّ بها الطقس تُعتبر مسألة مألوفة ما لم تمعن النظر جيّدا في التأثير الشعوري العميق للطبيعة. وهو ما كان يفعله سيبيليوس الذي طالما سجّل انطباعاته عن حالات الطبيعة في عدد لا يحصى من الملاحظات.
الطبيعة بالنسبة إليه كانت ترمز إلى تجدّد الحياة التي كان يحبّها والتي ظلّت حاضرة في كلّ نوتة وفي كلّ لحن كان يؤلّفه.

كانت الطبيعة تميّز موسيقى سيبيليوس حتى قبل ظهور موسيقاه الوطنية التي ألّفها كردّ فعل على تهديدات روسيا ضدّ بلده، وهي المقطوعات التي حوّلته في عيون الفنلنديين إلى بطل قومي.
في السنوات العشر الأولى من القرن التاسع عشر اخذ أسلوب سيبيليوس في التبلور، فتراجع تأثير كلّ من تشايكوفيتشايكوفسكي سكي وإدفارد غريغ على موسيقاه وأصبحت صوره الموسيقية انعكاسا لما كان يراه ويلاحظه من مظاهر تنوّع وثراء الطبيعة الفنلندية.
وأنت تسمع موسيقى جان سيبيليوس لا بدّ وأن تستحضر صورا للثلج والنار والضباب والغيم والبحيرات الساكنة في أمسيات اسكندينافيا الملفوفة بالصمت والبرد والظلام.
كونشيرتو الكمان يمكن اعتباره العمل الموسيقي الأشهر الذي كان علامة على نضج سيبيليوس الفنّي والموسيقي وانتقاله من الموسيقى القومية إلى موسيقى الطبيعة.
وقد أهدى الكونشيرتو إلى صديقه عازف الكمان فيلي بيرميستر الذي عزف الكمان المنفرد في أوّل حفل قُدّم فيه الكونشيرتو.
هذا الكونشيرتو هو الوحيد الذي ألفه سيبيليوس. ومع ذلك أصبح واحدا من أشهر الأعمال المؤلفة للكمان في العالم. في هذا العمل براعة وتفرّد وتجديد. ويكفي للتدليل على أهميّته وشهرته انه يتعيّن على كل عازف كمان يريد أن يثبت موهبته أن يتقن عزف هذا الكونشيرتو بما ينطوي عليه من صعوبة وتعقيد.
ويقال أحيانا انه يشبه في قيمته الموسيقية كونشيرتو الكمان لـ تشايكوفسكي.
وقد وُصف بأنه يتضمّن أنغاما عريضة كما يغلب على موسيقاه طابع الحزن والشجن، مع أن فيه أيضا لحظات إشراق وجذل.

3 comments:

Wafa' said...

دائما ماقرأ عن تاثير الطبيعة على الانسان و اتسأل هنا عن تاثير طبيعتنا الصحراوية الجافة علينا؟؟

عين الصقر said...

خامرتني ذات الخاطرة للأخت وفاء في التعليق السابق !
في بلادنا تندر المواهب وتضيق الأمزجة وتتقلص مساحة الإبداع بسبب قسوة المناخ ولا شك . وقد تساهم الظروف المناخية القاسية في غلظة الطباع والجلافة وضيقة الخلق والعصبية أيضاً.
ويبدو أننا فوق ذلك نغار من إبداع من يعيشون في جنات الله في الأرض ، فنطوّع قيمنا الدينية والاجتماعية لتسفيه ذلك الأبداع أو تحريمه سواء كان نحتاً أو موسيقى أو رقصاً!
الله يعيننا على هذا المزاج العكر والطباع الغليظة.
ولعل نوافذك الفسيحة على الموسيقى والفن يا بروميثوس تعوض قسوة المناخ وغلظة الطباع.
ولك خالص تقديري لسباحتك ضد التيار

Prometheus said...

وفاء، وعين الصقر:
اهلا وسهلا بكما.
سؤالكما وجيه وله ما يبرّره. هناك الكثير من علماء الاجتماع ممن تطرّقوا إلى اثر التضاريس والمناخ على عادات الناس وأفكارهم، واقرب مثال إلى الذهن عالم الاجتماع العراقي الدكتور على الوردي.
ويمكن القول باختصار أن التضاريس تؤثر ولا شك على مزاج الإنسان وتسهم في صوغ أفكاره وتصوّراته. سكّان المدن الساحلية مثلا يتميّزون برهافة الشعور والتسامح والانفتاح على الغير بحكم طبيعة البيئة البحرية التي تزدهر فيها التجارة ويختلط الناس مع غيرهم من أصحاب الثقافات الأخرى المختلفة والمغايرة.
سكّان الصحراء البعيدون عن البحر والأطراف لا تتوفّر لهم هذه المزايا لاسباب لا يد لهم فيها، وغالبا ما يكسبهم المناخ الحارّ والتضاريس القاسية حدّة في الطبع وعدم ارتياح في التعامل مع الغرباء وميل إلى الأفكار والقناعات الحدّية والمتطرفة.
والمناطق الصحراوية المغلقة تكون غالبا بيئة خصبة لنمو العادات الاجتماعية الصارمة والأفكار الدينية المتشدّدة. ومع ذلك هناك بيئات صحراوية كثيرة حول العالم تزدهر فيها أشكال متعدّدة من الفنّ والموسيقى بقدر او بآخر. وبرأيي أن الفكر الديني المتعصّب والمنغلق يعدّ العامل الأساسي والمهم في توليد أنماط السلوك والأفكار المعادية للفنون والمدنية وأسباب الحضارة الحديثة. وقد لاحظت أن في الجزائر وليبيا مثلا، وهما بلدان صحراويان بطبيعة تكوينهما، نهضة فنية وأدبية وانفتاحا على منتجات الحضارة، والسبب في ذلك أن الحركات الدينية التي ولدت وترعرت هناك تنتمي إلى الإسلام الصوفي غير السياسي والذي ينحو غالبا باتجاه التأمّل ولا يشغل نفسه كثيرا بأمور الفقه وفتاوى التحريم والوصاية على الناس.
البيئة الصحراوية بجفافها وقسوتها هي عبء كبير في حدّ ذاتها. لكنها تصبح عبئا لا يحتمل إذا مازجها فكر ديني متحجّر ومنغلق يحرّم الحضارة والمدنية ويميل إلى إقصاء الآخر وقمع المخالفين ويتخذ موقفا معاديا من المرأة ومن الفنّ والفكر والموسيقى والشعر والمسرح وغيرها من الأمور التي بدونها لا ينشأ مجتمع إنساني سويّ ومعافى.
تحيّاتي للجميع.