:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, April 26, 2012

خطوط وألوان

رافائيل، حلم الفارس، 1504

يُعتبر رافائيل احد أعظم الرسّامين الذين أنجبهم عصر النهضة الايطالي. وقد ولد في أوربينو عام 1483 وتلقّى تعليما مبكّرا في الرسم على يد والده، الذي كان رسّاما هو الآخر.
في عام 1504 انتقل رافائيل إلى فلورنسا، حيث درس أعمال كبار الرسّامين آنذاك مثل ليوناردو دافنشي ومايكل أنجيلو، وتعلّم أساليبهما في التعامل مع الضوء والظلّ وعلم التشريح والعمل الدرامي والحركة.
من أشهر أعمال رافائيل لوحته الرمزية بعنوان "حلم الفارس". وهي تصوّر فارسا من العصور الوسطى وهو نائم بينما تقف عن يساره ويمينه امرأتان.
المرأة إلى اليسار ترمز إلى الفضيلة. وهي ترتدي ثياب أثينا إلهة العدالة اليونانية وتمسك بإحدى يديها كتابا وبالأخرى سيفا، بينما تقف بموازاة طريق يقود إلى جبل صخري يظهر في نهايته منحدر بُنيت على أطرافه قلعة عالية. المعنى الذي قصده رافائيل هو أن الطريق الذي يؤدّي إلى الفضيلة من الصعب سلوكه لأنه شاقّ ووعر.
المرأة إلى اليمين ترتدي ثوبا ملوّنا وعقدا من اللؤلؤ. وهي لا تقدّم للفارس سوى زهرة صغيرة. والطريق الذي تقف بمحاذاته يمرّ عبر تلال ومروج وينتهي بمنزل فاره يقع على شاطئ البحر. والمعنى الكامن هنا هو أن الطريق إلى الحبّ أسهل بكثير من الطريق المؤدّي إلى الفضيلة.
رافائيل استخدم في اللوحة وسيلة جديدة وغير عاديّة وهي انه رسم الجبال في الخلفية بنفس لون السماء كي يعطي وهما بالمسافة البعيدة والأفق النائي.
هناك نظريات متعدّدة حول ما ترمز إليه اللوحة. بعض المؤرّخين يعتقدون أن الفارس النائم يمثل الجنرال الروماني سيبيو افريكانوس الذي رأى في الحلم انه مضطرّ للاختيار بين الفضيلة وبين متعة الحبّ.
غير أن المرأتين في اللوحة لا تظهران كمتنافستين بالضرورة. فالكتاب والسيف والزهرة، مجتمعةً، كثيرا ما ترمز إلى الصفات المثالية التي ينبغي أن يحوزها الفارس. فهو مقاتل في الأساس. لكنه بنفس الوقت عالم وعاشق.
المعروف أن رافاييل توفّي في روما في يوم عيد ميلاده السابع والثلاثين، أي في ابريل من عام 1520م.

كيس فان دونغن، بذور الخشخاش، 1919

في أواخر عشرينات القرن الماضي، بدأت النساء في أنحاء متفرّقة من أوربّا يتمتّعن بحرّية واستقلالية اكبر، خاصّة في أمور اللباس والمظهر.
وهذه اللوحة تُظهر التغيير الذي طرأ على أوضاع المرأة في تلك الفترة. والمرأة فيها هي نموذج ورمز للمرأة الجديدة التي أصبحت ترتدي التنانير القصيرة والألوان الزاهية. الموديل هنا ترتدي فستانا رماديا فاتح اللون وقبّعة عصرية وذات ألوان حمراء مع مكياج سميك للعين. العينان لوزيتان وواسعتان والنظرات مواربة والعنق طويل والشفتان صغيرتان حمراوان. وهناك احتمال بأن المرأة كانت واحدة من مجموعة من النساء الباريسيات اللاتي كنّ يعشن حياة منفلتة في فترة ما بين الحربين العالميتين.
من أهم ما يجذب الانتباه في اللوحة الألوان التي تكاد تتقافز منها معطية المرأة تأثيرا ثلاثي الأبعاد.
ولد كيس فان دونغن في إحدى ضواحي روتردام بـ هولندا عام 1877م. وفي سنّ السادسة عشرة درس في أكاديمية الفنون بـ روتردام ثم انتقل إلى باريس التي قرّر أن يقيم فيها بشكل دائم. ولم يلبث أن أصبح جزءا من المشهد الفنّي في مونمارتر.
في بداياته، كان الرسّام متأثّرا بأعمال هنري ماتيس ورموز المدرسة الوحشية في الرسم. كان أتباع الوحشية يستخدمون الألوان الزاهية بطريقة تجمع ما بين الانطباعية والنُقطية. وأصبح هذا النمط الجديد يحظى بشعبية كبيرة في أوساط النخبة الذين بدءوا يستعينون بالفنّانين الوحشيين لرسم بورتريهات لهم. ومن بين هؤلاء ملك بلجيكا ليوبولد الثاني والاغا خان والممثّل موريس شوفالييه والممثّلة بريجيت باردو وغيرهم.
كان فان دونغن رسّاما غزير الإنتاج. كان يعتقد أن الرسم يطفئ رغبة دنيوية عند الإنسان. وفي ما بعد، ربطته صداقة وثيقة مع بيكاسو. وبعد الحرب العالمية الأولى اكتسب شعبية إضافية. وقد عُرف عنه كثرة أسفاره. ودفعته الرغبة في اكتشاف الشرق للذهاب إلى مصر والمغرب. ورسم من وحي رحلته تلك بورتريهات فاتنة لنساء مع ملابسهنّ ذات الزخارف الشرقية.
كان فان دونغن إنسانا ساحرا مع إحساس بالمرح وحبّ الدعابة. وقد اشتهر بلحيته الحمراء وبملابسه التي تشبه ملابس الصيّادين. ومن ناحية أخرى، كان نموذجا للفنّان البوهيمي وكان أسلوب حياته مثارا للجدل. الحفلات الباذخة التي كان يقيمها في محترفه ليلا كان يحضرها المشاهير من نجوم السينما والسياسة والأدب والفنّ.
واليوم تباع لوحاته بأرقام قياسية كما أن اسمه متداول كثيرا على الانترنت. وتوجد بعض أعماله في مجموعات فنّية خاصّة في نيويورك وجنيف وموسكو، بل وحتى في إيران وروسيا.
عاش كيس فان دونغن حياة طويلة ومثمرة. وتوفّي في مونت كارلو عام 1968 عن واحد وتسعين عاما.

جان بيرو، في المقهى، 1892

ابتداءً من نهايات القرن التاسع عشر، أصبحت المقاهي ملتقى يجمع أصنافا مختلفة من الناس، وخاصّة الأدباء والشعراء والرسّامين. كان هؤلاء يتردّدون على المقاهي لتمضية بعض الوقت في الحديث مع زملائهم أو لتناول الشراب، وأحيانا للبحث عن مواقف وقصص إنسانية أو اجتماعية تصلح للرسم أو الكتابة.
الرسّام الفرنسي جان بيرو اشتهر بلوحاته التي تصوّر مظاهر من الحياة اليومية في باريس مثل أجواء المقاهي ومناظر الشوارع المزدحمة والحفلات الموسيقية التي تقام في الهواء الطلق.
في هذه اللوحة يرسم بيرو رجلا وامرأة يجلسان في مقهى وهما منشغلان بالنظر إلى شيء أو شخص ما يقع خارج نطاق الصورة. الكرسيّ المائل قليلا أمام الطاولة يوحي بأن الرجل انتقل من ذلك المكان كي يصبح أكثر قربا من المرأة، أو أن شخصا ثالثا كان يجلس هناك ثم ترك مكانه لبعض الوقت، ما قد يفسّر تحوّل انتباه الرجل والمرأة.
مهارة الرسّام تبدو واضحة في رسم تفاصيل الطاولة الرخامية والكأسين نصف المملوئين والدخان المتصاعد من سيجارة الرجل. ومن الملاحظ أن بيرو تعمّد أن لا يرسم الرجل والمرأة متواجهين كما جرت العادة في مثل هذه المناظر، للإيحاء بإمكانية وجود حالات ومواقف أكثر إثارة للاهتمام من مجرّد تبادل الحديث بين شخصين.
ولد جان بيرو في روسيا وهاجر مع عائلته إلى فرنسا عندما كان ما يزال طفلا. وفي بدايات حياته درس القانون بناءً على رغبة والده الذي كان يعمل نحّاتا. لكنه في ما بعد فضّل أن يتخّصص في الرسم، فدرس على يد ليون بونا وتأثّر بأسلوب الانطباعيين. وفي مرحلة تالية تبنّى أسلوبا وسيطا بين الفنّ الأكاديمي للصالون وفنّ الانطباعيين.
كان جان بيرو بارعا بشكل خاصّ في رصد وتسجيل التفاصيل. وقد تعزّزت مهارته تلك مع ظهور التصوير الفوتوغرافي، الذي وظّفه كي يضفي على مناظره عن الحياة اليومية الباريسية مزيدا من الحيوية والأناقة.
في وقت لاحق، رسم بيرو مواضيع دينية حديثة. لكن أعماله الأكثر شهرة هي تلك التي رسمها لباريس في أيّام مجدها.

بيير بوفي دو شافان، الحلم، 1883

الإشارات إلى الأحلام قديمة قدَم الأدب نفسه. ملحمتا غلغامش والإلياذة، على سبيل المثال، تصفان أحلام الشخصيات الرئيسية فيهما ومعاني تلك الأحلام.
غير أن الأحلام كموضوع في الرسم لم تظهر سوى في وقت لاحق، وبالتحديد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين عندما أدخلت كلّ من الرمزية والتعبيرية صور الأحلام إلى الفنون البصرية.
في هذه اللوحة، يرسم بيير دو شافان رجلا نائما بجوار شجرة في طبيعة مثالية ذات ليلة مقمرة وصافية، بينما تطير فوقه ثلاث نساء. الأولى تحمل الورود في يديها، في إشارة إلى الحبّ. والثانية تلوّح بإكليل الغار الذي يرمز للمجد. بينما تنثر الثالثة حوله القطع النقدية التي ترمز إلى الغنى والثروة.
من الواضح أن الرجل يحلم بالحبّ والثروة والمجد. لكن هل يتحقّق حلمه؟
المنظر الطبيعي في اللوحة مرسوم باقتصاد واضح. الأشكال مبسّطة للغاية ومرسومة في مناطق واسعة من الألوان الصلبة. وقد استخدم الرسّام مجموعة محدودة من الألوان الهادئة والساطعة بتأثير ضوء القمر.
الحركة الرومانسية كانت تؤكّد على قيمة العاطفة والإلهام. والرؤى، سواءً كانت أحلاما طبيعية أو نتيجة تعاطي المواد المُسْكرة، كانت تُستخدم كوسيلة لإظهار قدرات الفنّان الإبداعية.
غير أن الأحلام بلغت مستوى جديدا من الوعي في العالم الغربي بسبب نظريات سيغموند فرويد، الذي عرض لمفهوم العقل الباطن كحقل للبحث العلمي. وكان لـ فرويد أثر كبير على سورياليي القرن العشرين الذين ركّزوا في أعمالهم على اللاوعي بوصفه أداة للإبداع.

2 comments:

ماري القصيفي said...

مدوّنة غنيّة تلوّن حياتنا الثقافيّة القاحلة وتغنيها

Prometheus said...

شكرا جزيلا لك يا عزيزتي. مرورك الجميل وكلماتك المشجّعة يعنيان لي الكثير.
شكرا مرّة أخرى لذوقك ورقيّك.