خواطر في الأدب والفن


  • عندما يتقدّم الإنسان في العمر ويحسّ بثقل الشيخوخة ووهن الجسد، يبدأ في تذكّر الماضي والحنين إلى الأيّام الخوالي عندما كان شابّا يافعا تملأ نفسه الآمال والأحلام العريضة.
    والشاعر والفنّان، بما جُبلا عليه من عاطفة جيّاشة ورهافة في الشعور، هما أفضل من يعبّر عن فداحة الإحساس بمرور الزمن وانصرام سنوات العمر.
    على صعيد الرسم، هناك لوحات كثيرة تصوّر مراحل عبور الإنسان من مرحلة إلى أخرى ومن طور إلى طور بطريقة رمزية .ومن أشهر الرسّامين الذين تناولوا هذه الفكرة في أعمالهم كلود مونيه وإدوار مانيه وكاسبار فريدريش ورمبراندت.
    في هذه اللوحة المعبّرة "فوق" بعنوان "أوهام ضائعة"، يرسم الفنّان الفرنسي شارل غلير حلم يقظة راوده وهو جالس ذات مساء على ضفاف النيل خلال جولة قام بها في بعض حواضر الشرق حوالي منتصف القرن التاسع عشر.
    كان غلير وقتها قد جاوز الستّين من عمره. وقد صوّر نفسه في اللوحة على هيئة شاعر عجوز يجلس على ضفّة النهر ويراقب قاربا غامضا يمرّ إلى جواره ويحمل مجموعة من الفتيات وهنّ يغنّينَ ويعزفن على آلاتهنّ الموسيقية.
    الفتيات في اللوحة هنّ رمز لأحلام وأوهام الشباب الذي ولّى وانقضى بلمح البصر. والشاعر ينظر إلى القارب بحزن واضح وقد سقطت آلته الموسيقية على الأرض دون أن يشعر، كما يبدو.
    الغريب أن اللوحة كانت آخر ما رسمه الفنّان. فعندما عاد إلى باريس أغلق محترفه نهائيا مؤثرا حياة الاعتكاف والعزلة.
    لكن على النقيض منه، عاش رسّامون آخرون، مثل تيزيانو وبيكاسو وغويا وجورجيا اوكيف ومونيه، حتى الثمانين وأحيانا التسعين. وكان هؤلاء يرسمون ويبدعون حتى النهاية. بل إن بعضهم أنتجوا أفضل وأشهر أعمالهم في مراحل متأخّرة من حياتهم.
    الشيخوخة ليست دائما مرحلة ضعف وانقطاع عن الحياة وعن العمل، بل يمكن أن تكون مرحلة ولادة جديدة وتجدّد روحي.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • ما هي أكثر المعزوفات الكلاسيكية إثارةً للحزن؟
    عند طرح هذا السؤال، ينصرف الذهن تلقائيا إلى نماذج موسيقية معيّنة بعضها لبيتهوفن وبعضها الآخر لموزارت. ويمكن أيضا تذكُّر موسيقى Rhapsody in Blue "رابسودي إن بلو" للأمريكي جورج غيرشوين.
    وكلّ هذه المعزوفات ممّا يمكن إدراجه في خانة الموسيقى التي تترك في نفس سامعها إحساسا بالحزن، قد يزيد أو ينقص حسب الحالة المزاجية والانفعالية للشخص.
    لكن يبدو أن غالبية الناس يرشّحون موسيقى الأمريكي سامويل باربر بعنوان Adagio for Strings "أو موسيقى بطيئة على الآلات الوترية" باعتبارها المقطوعة الكلاسيكية الأكثر حزنا في العالم.
    وقد اختار مستمعو هيئة الإذاعة البريطانية عام 2004 عن طريق التصويت موسيقى باربر تلك كأكثر المعزوفات حزنا في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. بينما احتلت إحدى مقطوعات الفرنسي هنري بورسيل المركز الثاني، وحلّت السيمفونية الخامسة للموسيقي الألماني غوستاف ماهلر ثالثاً.
    مقطوعة باربر التي عزفتها فيما بعد اوركسترا لندن السيمفوني كانت في احد الأوقات أكثر القطع الموسيقية مبيعا على بعض أشهر مواقع بيع الموسيقى بالانترنت، طبقا لمقال في الويكيبيديا.
    وحسب الموقع نفسه، فإن هذه الموسيقى عُزفت في جنازة فرانكلين روزفلت ووُظّفت في الكثير من الأفلام السينمائية. كما عُزفت في حفل تأبين ضحايا الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة.
    السؤال عن الموسيقى الأكثر حزنا دفعني فيما بعد للبحث عن الموسيقى الكلاسيكية الأكثر إثارة للفرح. واكتشفت أن الكثيرين مجمعون على أن معزوفة بيتهوفن المسمّاة قصيدة للفرح Ode to Joy والمستوحاة من قصيدة للشاعر فريدريش شيللر هي القطعة الأكثر استحقاقا لهذا اللقب.
    لكن هل مقطوعة بيتهوفن مثيرة للفرح فعلا؟ وهل تثير معزوفة باربر الحزن كما قيل؟ أظنّ أنه يغلب على المقطوعة الأولى الطابع الوجداني والتأمّلي مع مسحة خفيفة من الحزن، وعلى الثانية الطابع الاحتفالي والحماسي أكثر من الشعور بالفرح. وطبعا المسألة في النهاية تتعلّق بمزاج المتلقّي وفهمه ونظرته لطبيعة الحزن أو الفرح.
    يمكن سماع معزوفة باربر على هذا الرابط ، ومعزوفة بيتهوفن هنا ..
  • ❉ ❉ ❉

  • تحكي أسطورة قديمة قصّة رمزية معبّرة عن منارة أقيمت على جزيرة ونُصِب فيها ألف جرس. أجراس كبيرة وأخرى صغيرة صاغها أمهر الصنّاع في العالم. وعندما كانت تهبّ ريح أو تثور عاصفة، كانت كلّ الأجراس تجلجل في سيمفونية ينخطف لها قلب المستمع طرباً.
    لكن مع تقادم القرون، ما لبثت الجزيرة أن غرقت في البحر، ومعها المنارة والأجراس. غير أن أسطورة قديمة تروي أن الأجراس ظلّت تجلجل بغير انقطاع بحيث يمكن لكلّ من يودّ الإصغاء أن يسمعها.
    وقد سمع شابّ عن هذه الأسطورة وارتحل آلاف الكيلومترات، عاقداً العزم على سماع هذه الأجراس. وجلس أيّاماً على الشاطئ، مواجهاً الجزيرة المتوارية ومرهفا السمع بكلّ قوّته. لكنّ كلّ ما استطاع سماعه كان صوت البحر. وبذل قصارى جهده كي يتجاهله، إنما بلا جدوى، إذ بدا صوت البحر غامراً العالم.
    وظلّ الشابّ على دأبه أسابيع. وفي كل مرّة يدبّ اليأس في قلبه، كان يصغي لشيوخ القرية وهم يتكلمون بمتعة عن الأسطورة الغامضة. كانت تلك الأحاديث توقد العزيمة في نفسه. لكنه يعود واهن الهمّة من جديد عندما لا تورثه أسابيع من الجهد غير الخيبة.
    وقرّر أخيراً التخلّي عن المحاولة، فلعلّه غير مقدَّر له أن يسمع الأجراس. ولعلّ الأسطورة لم تكن صحيحة. وكان ذلك يومه الأخير. فذهب إلى الشاطئ ليودِّع البحر والسماء والريح وأشجار جوز الهند. واستلقى على الرمل، وللمرة الأولى أصغى إلى صوت البحر.
    وسرعان ما بلغ من الاستغراق في الصوت حدّاً كاد معه يغيب عن نفسه، من فرط عمق الصمت الذي ولّده الصوت. ومن عمق ذلك الصمت، سَمِعَه! رنين جرس ضئيل تبعه آخر، ثم آخر، وآخر..
    وسرعان ما كان كلّ من الأجراس الألف يجلجل بتناغم. وذاب قلبه في غبطة الوَجْد. "هل تتمنّى أن تسمع صوت أجراس المنارة؟ إذن أصغ ِ إلى صوت البحر. أو تتمنّى أن تلمح وجه الله"؟ إذن أمعن النظر في الخليقة!

  • Credits
    suite101.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء