:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, June 03, 2012

يوسوبوف: انقراض سُلالة

التاريخ مليء بالصُدف الغريبة والقصص الغامضة. ومن أغرب تلك القصص قصّة الأميرة زينيدا يوسوبوف، آخر أفراد سلالة يوسوبوف التي لعبت دورا مهمّا وحاسما في تاريخ روسيا.
جدّ زينيدا الأكبر، أي مؤسّس عائلة يوسوبوف، هو الخان يوسف الذي كان حاكما لإحدى مناطق القوقاز في القرن السادس عشر. ويقال إن الخان نفسه ينحدر من أسرة هاجر كبيرها من الجزيرة العربية في مطلع القرن الرابع عشر وأسّس له إمارة في المنطقة الواقعة بين نهر الدون وجبال الأورال. كما يقال أن الأسرة تعود في نسبها إلى الإمام عليّ بن أبي طالب.
كان الخان يوسف صديقا للقيصر ايفان الرهيب الذي كان يدعوه بـ "صديقي وأخي". وفي ما بعد، تحوّل الخان إلى الأرثوذكسية واتخذ لنفسه اسم ديمتري. وكان ليوسف ابنان، هما عبدالله وميرزا، اللذان أصبحا بعد تحوّّلهما إلى المسيحية يتسمّيان بـ نيكولاي وفيودور.
وفي ما بعد خلع القيصر فيودور الأوّل على العائلة اسم يوسوبوف ومنح كلا منهم لقب أمير. وعندما تولّت كاثرينا العظيمة حكم روسيا أصبح نيكولاي يوسوبوف شخصا مشهورا وغنيّا. والكثير من أبناء هذه الأسرة لعبوا أدوارا مهمّة في التاريخ الروسي وكانوا منافسين أقوياء لأسرة رومانوف.
زينيدا يوسوبوف اشتهرت بثقافتها وذكائها وبجمالها وسحرها الذي لا يقاوم. لكن أكثر ما كان يميّزها هو بساطتها وتواضعها. كانت صديقة للمثقّفين وضليعة في أمور الأدب والفلسفة. ولم يكن بمقدور احد إلا أن يلاحظها ويُعجب بمناقبها وخصالها الفريدة. وقد طلب يدها للزواج عدد من أبناء الأسر الملكية الأوربّية. لكنها فضّلت أن تختار زوجا يناسب ذوقها وطباعها. ووجدته في شخص الكونت فيليكس سوماروكوف الذي تبوّأ في ما بعد منصب حاكم موسكو.
ولو قدّر لك أن تزور بعض قصور سانت بطرسبيرغ القديمة فستسمع الكثير من الحكايات والقصص الغامضة عن هذه المرأة وعن عائلتها. التحوّل إلى الأرثوذكسية بالنسبة لعائلة مسلمة ومتنفّذة ما كان له أن يتمّ دون دفع ثمن ما. وهنا تبدأ الأسطورة التي تناقلها الناس جيلا بعد جيل والتي تفسّر سبب انقراض هذه العائلة واختفائها نهائيا من تاريخ روسيا الحديث.
فقد ساد اعتقاد قديم بأن امرأة دعت على الخان يوسف وعلى ذرّيّته لأنه بدّل دينه. وتحوّلت هذه الأسطورة، لكثرة ما راجت وانتشرت، إلى ما يشبه الحقيقة.

وما حدث بعد ذلك هو أن وريثا ذكرا واحدا في كلّ جيل من هذه العائلة كان يعيش لأكثر من ستّة وعشرين عاما. بعض أبناء العائلة لم يكونوا يخلّفون سوى الإناث. والذكور يموتون غالبا في سنّ صغيرة. وفي كلّ جيل كان هناك ابن واحد فقط يكمل السلالة. واستمرّ هذا حتى القرن التاسع عشر عندما فعلت "اللعنة" فعلها مرّة أخرى مع زينيدا يوسوبوف التي كانت آخر أفراد هذه العائلة. فقد قُتل ابنها الأكبر وهو في الخامسة العشرين أثناء مبارزة، بينما قُبض على ابنها الآخر فيليكس في مؤامرة قتل الكاهن غريغوري راسبوتين وحُكم عليه بالنفي إلى سيبيريا.
عندما تزوّجت زينيدا من الكونت سوماروكوف عام 1882، كان الخطّ الذكوري للخان يوسوبوف قد انقطع. في ذلك الوقت، كانت زينيدا يوسوبوف هي المرأة الأكثر غنى في أوربّا كلّها. كانت أكثر ثراءً حتّى من القيصر نفسه. ويقال أنها كانت تستخدم قطارا خاصّا لزيارة وتفقّد الأراضي الشاسعة التي ورثتها عن أسلافها في مناطق القرم وسيبيريا. كانت تملك أكثر من خمسمائة ألف كيلو متر مربّع من الأراضي، أي أكثر من مساحة فرنسا اليوم.
كانت زينيدا يوسوبوف امرأة عاقلة وبعيدة النظر. ولعبت دورا رائدا في مجتمع روسيا ما قبل الثورة. وقد عاصرت فترة ازدهار الأدب والفنّ الكلاسيكي الروسي. كما عُرفت بانتقاداتها الجريئة لسلوك بعض أعضاء أسرة القيصر. ويقول بعض المؤرّخين أنهم لو استمعوا إلى نصائحها لأمكن تجنّب الكثير من المشاكل التي دفعت الناس إلى الثورة على النظام القيصري.
كانت شخصية زينيدا المتواضعة والهادئة ملهمة للكثير من الأدباء والرسّامين. وقد رسمها العديد من الفنّانين مثل فرانسوا فليمنغ وكونستانتين ماكوفسكي وكريستينا روبيرتسون. كما قضى معها الفنّان فالانتين سيروف تسع جلسات ليرسمها في قصرها في سانت بطرسبيرغ عام 1902. وقد وصفها آنذاك بقوله: زينيدا أميرة رائعة. وعندما أراها أتذكّر كلّ شيء جميل وخيّر في هذه الحياة. ولو كان كلّ الأغنياء مثلها لانتفى الظلم من الأرض".
بعد اندلاع ثورة عام 1917، تمّ تأميم جميع أراضي وممتلكات عائلة يوسوبوف. ثمّ هاجرت زينيدا وزوجها ليعيشا في روما. وهناك، كرّست كلّ وقتها لخدمة مواطنيها في الخارج الذين وجدوا أنفسهم دون عمل أو مصدر للرزق. وبعد موت زوجها، انتقلت لتعيش في باريس إلى أن توفّيت فيها عام 1939م.
وفي المقبرة الروسية المشهورة في باريس، توجد أربعة قبور متواضعة يجاور كلّ منها الآخر وتؤوي رفات آخر رموز المجد الغابر لسلالة يوسوبوف: الأميرة زينيدا وابنها الأمير فيليكس وزوجته ايرينا وابنتهما.

3 comments:

Mist said...

أحببت الحكاية جدًا.
وما يأتينا منك إلا كل جميل :)

كن بخير،،

Prometheus said...

شكرا جزيلا Mist
لك على كلمات التشجيع. مع خالص تحياتي لك.

Turki Al Hajeri said...

لهم الدنيا و خسروا الآخرة.. فلا حول و لا قوة إلا بالله..
أعجبني نقلك كثيراً !
تحياتي للجميع .