:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, June 22, 2011

الذيب سرْحان


في الوجدان الشعبي، كثيرا ما يقترن الذئب بهالة من الرومانسية والغموض. ولا أعرف شعبا يمتلئ تراثه بالإشارات والحِكَم التي تمجّد الذئب وتثني على "مناقبه وسجاياه" مثل العرب. وقد بلغ من إعجابهم بالذئب أنهم كانوا ولا زالوا يسمّون أبناءهم على اسمه، تيمّناً بهذا الحيوان الذي يرمز عندهم للشجاعة والفطنة والذكاء. وربّما لا ينافس العرب في ولعهم بالذئب وتقديرهم له سوى الهنود الحمر الذين ينسبون للذئب قدرات ميتافيزيقية خارقة.
والذي يعرفه عامّة الناس هو أن الذئاب تنحدر من سلالة القطط والكلاب، وأنها - شأنها شأن غيرها من الحيوانات - عنصر مهمّ في دورة الحياة وفي عملية التوازن البيئي. لكن هناك من علماء البيئة من يذهب إلى أكثر من هذا. فهم يقولون مثلا أن الذئاب تسهم في إنقاذ العالم الفطري من آثار التصنيع والمدنية الحديثة، لأنها تحافظ على الغُدران والشلالات والينابيع.
غير أن هذا كلّه لا ينفي حقيقة أن الذئب حيوان قاتل بل وخطير جدّا. وخطره لا يقتصر على الحيوانات الأليفة والمستأنسة، وإنما يشمل الإنسان أيضا. قبل أيّام شاهدت شريط فيديو يُظهِر عملية افتراس ذئب شرس لقطيع كامل من الغنم داخل حظيرة أقامها أصحابها في ارض خلاء. كان المشهد عبارة عن مذبحة حقيقية. بعض الأغنام المسكينة كانت ما تزال تحتضر بينما كانت أحشاؤها تبرز من بطونها. وكان واضحا أن الذئب لم يكن يقتل بدافع الجوع، وإنما رغبة في الفتك والقتل لا غير.
وقبل ذلك، قرأت في بعض الصحف وقائع معركة ضارية بين ذئب وأحد رجال البادية. ولولا أن سارعت زوجة الرجل لإنقاذه في اللحظات الأخيرة، لكان قد ذهب ضحيّة غدر وشراسة الذئب الكاسر.
وعلى النقيض من هذه الطبيعة القاسية والعنيفة للذئب، يمتلئ الموروث الشعبي العربي بحكايات وقصائد لا حصر لها تمتدح الذئب وتخلع عليه كلّ الصفات الطيّبة والحميدة.
ومن القصص المشهورة عن الرفقة النادرة بين الإنسان والذئب قصّة "مْخَاوي الذيب" التي تحكي عن رجل من أعيان العرب كان مسافرا في الصحراء. وفي إحدى الليالي ظهر له ذئب فجأة. حاول الرجل أن يبعده فلم يبتعد. لكن الذئب حرص على أن لا يقترب كثيرا. وبدا للرجل أن الذئب لا ينوي به شرّا. وبعد أن تناول عشاءه، أعطى الذئب ما تبقّى من طعام. وعلى مرّ الليالي التي تلت، كان الذئب يظهر للرجل من مسافة. وظلّ يتابعه طوال رحلته، يظهر في الليل ويختفي في النهار. واستمرّ الرجل يشرك الذئب في عشائه. وعندما وصل إلى وجهته واستقرّ به المقام بين ربعه، قام بذبح ناقته وقرّبها إلى الذئب. ثم قال لأفراد عشيرته: هذا الذئب ضيفي ورفيق سفري وهو "في وجهي". ومن يعتدي عليه كأنّما يعتدي عليّ". فقال له احد أبناء عمومته معاتبا: هذا ذئب، ونحن لا نأمنه على أولادنا وحلالنا. فردّ: لقد سمعتم ما قلت، وأنا اضمن أن لا يصيب أحدا منه مكروه". وعندما انتصف الليل قام ابن عمّه إلى الذئب فقتله. وفي الصباح سأل الرجل جماعته عمّن قتل ضيفه. فأشاروا إلى ابن عمّه. فأطلق عليه النار وقتله.
وهناك أشعار نبطية كثيرة تتغنّى بمناقب الذئب، بل وتحاول أنسَنَته وتجريده من طابع التوحّش والبهيمية. فهذا شاعر يخاطب الذئب واصفا إيّاه بأنه "اخو النشامى" ومفضّلا صحبته على سائر البشر:
شان الخلا يا الذيب ولا ينفعه ليت يا ليتني وايّاك بارضٍ تِماما
حتى نشبّ النار في جانب البيت ونسكب دلالٍ ما يجي له نِداما
في وسط روضٍ بالخلا لا تمشّيت ريح النِفَل فايح وريح الخزاما".
وهذا شاعر آخر لا يجد سوى الذئب يبثّه شكواه من تقلّبات الزمن وضياع المروءة وقلّة الوفاء. ثم يبدي الشاعر أسفه على تلاشي حضور الذئب في حياتنا بسبب انتشار المدنية وزحف مظاهر العمران:
يا ذيب عزّك في زمان السيف من قبل يهوي وقبل زمان العولمة للناس واتيكيتها
يا ذيب واقنب خل صوتك يدوّي العالم دويّ مادام خانتك الظروف الله يخرب بيتها".
وأغرب من هذا وذاك، هذا الشاعر الذي وجد في الذئب صدرا رءوما وقلبا كتوما يستحقّ أن يكاشفه بقصّة حبّه ويشكو له جفاء محبوبه:
ابا اشتكي للذيب مُرّ الزماني وابا أسأله وشلون جوّ الطبيعة
سمعت صوت الذيب يعوي عشاني متسندٍ له فوق تلّةْ رِفيعة
ناديت له يا الذيب خِلّي جِفاني عرّضني دروب الوَعَر والقِطِيعة
ياما بكثر الصدّ عني كواني أسقاني العلقم وانا اطلب ربيعه".
ثم لا يلبث الذئب أن يردّ على معاناة الشاعر. ومن خلال ردّه نكتشف انه خبير بأسرار الحبّ وشئون المحبّين وأنه، هو نفسه، سبق وأن جرّب مرارة الهجر والفراق:
عوى بصوتٍ هزّ كلّ المكاني كنّه يقول اسمع كلامي جِميعه
محبوبك مبدّلك بانسان ثاني ولا تْصَدّق كل عينٍ دميعة
هذا زمن والله ما به أماني به الدروب المسعدة والمريعة
شانك معا وِلفِكْ أبدْ زي شاني ومن باعنا برخيص لازم نبيعه".
غير أن أشهر، وربّما أفضل شعر قيل في الذئب هو قصيدة الشاعر شالح القحطاني التي يقول في مطلعها:
يا ذيب أنا باوْصِيك لا تاكل الذيب كم ليلةٍ عشّاك عُقْب المِجاعة
كم ليلة عشّاك حِرْش العراقيب وكم شيخ قوم كزّته لك ذراعه".
ولهذه القصيدة قصّة تستحقّ أن تُروى. فقد كان لـ شالح ابن يقال له ذيب عُرف بشجاعته وسماحته وكرمه. وتصادف أن قُتل ذيب في إحدى غزوات القبيلة. وقام رفاقه بلفّ جثمانه ثمّ وضعوه داخل احد الكهوف قبل أن يعودوا إلى مضارب قبيلتهم. ولمّا علم والده بخبر مقتله، حزن عليه حزنا شديدا وارتجل قصيدة مؤثّرة منها الأبيات السابقة. وفيها يطلب من الذئب أن لا يفترس رفات ابنه وأن يتذكّر حسن صنيعه معه وإكرامه إيّاه في الأيّام الخوالي.
لكن لماذا الذئب وحده، من بين سائر الحيوانات، يحظى بمثل هذه المنزلة المميّزة والكبيرة؟ وكيف أصبح محلّ إعجاب الناس ومستودع أسرار الشعراء وخيباتهم العاطفية؟
يقول البعض في سياق حديثهم عن مغزى خصوصية الذئب ومكانته في التراث انه، خلافا لغيره من الحيوانات، لا يمكن استئناسه أو ترويضه. كما انه لا يلجأ للغدر بل يأتي عدوّه من أمامه. "أظنّ أنهم لو شاهدوا طريقة فتكه بالأغنام أو قرءوا رواية الرجل الذي هاجمه ذئب لغيّروا رأيهم". وهناك من يقول إن الذئب هو الحيوان الوحيد الذي تخشاه الجنّ. ويزيد آخرون فيقولون إن الذئب يأكل الجنّ. وطبعا هذه مجرّد تخاريف يصعب أن يصدّقها العقل. إذ لا احد بمقدوره أن يقول انه رأى الجان عياناً، فضلا عن التسليم بأن الجان يمكن أن يأكل أو يُؤكل.
أغلب الظنّ أن جانبا من الارتباط الوجداني بين الذئب والإنسان يعود إلى حقيقة أن الذئاب جزء من آثار العالم القديم والمندثر عندما كان الإنسان واقعا بالكامل تحت سطوة الطبيعة وعاجزا عن السيطرة على عناصرها. كما أن الذئاب تقترن بالحياة في الصحارى والجبال التي تذكّر الإنسان بأسلافه الأوّلين وبخلود العالم. لذا فالذئاب، بمعنى ما، ترمز إلى استمرارية الوجود الإنساني وديمومة الحياة على الأرض.
حضور الذئب في الثقافات الإنسانية ليس بالأمر المفاجئ أو الطارئ. بعض الشعوب ترى فيه تجسيدا لكافّة الشرور على الأرض. لكنّه عند شعوب أخرى مخلوق نبيل ويمكن أن نتعلّم منه أشياء كثيرة.
والذئب في الأساس كائن ليلي وله ارتباط بالظلام والقمر. وما زلت أتذكّر بعض الرسومات الجميلة التي يظهر فيها ذئب يعوي وهو يحدّق في ضوء القمر. وربما يكون لهذه الفكرة أصل في بعض الثقافات الشامانية القديمة التي تقول إن الذئب يمكنه أن يتقمّص روح إنسان عندما يصبح القمر بدراً.
الذئب أيضا دخل اللغة من أوسع أبوابها. هناك مثلا واد يقال له وادي السرحان. والسرْحان اسم من أسماء الذئب الشائعة. ويقال إن هذا الوادي اخذ هذه التسمية منذ القدم بسبب كثرة الذئاب فيه. ومعظمنا لا بدّ قرءوا أو سمعوا الحكاية المشهورة التي تتحدّث عن الذئب في ثوب الحمل، للتدليل على أن المظهر قد يخدع أحيانا. وهناك مصطلح "الذئب الوحيد" الذي يشير إلى الإنسان المستقلّ واللامنتمي الذي غالبا ما يُساء فهمه لأنه لا ينتمي إلى تيّار محدّد أو جماعة بعينها.
وفي علم النفس شاع استخدام تعبير "الإنسان الذئب"، كناية عن الشخص الذي يمتلك شعورا دافئا ويهتمّ بمن حوله. وطبعا لا علاقة لهذا المصطلح بالمخلوق الذي تتحدّث عنه أفلام وروايات الرعب.

4 comments:

Anonymous said...

أشكرك على المقال المفيد. لكن، ما مصدر تعبير "الإنسان الذئب" الذي ذكرته في آخر فقرة، هل هي حالة
wolf-man
التي أشرف عليها فرويد؟

Prometheus said...

Anonymous
ربّما. مع أنني لست متأكّدا. وما اعرفه هو أن التعبير الذي ورد في سياق الموضوع له دلالة جيّدة، إذ يقال أحيانا فلان له روح ذئب، أي انه يتمتع بأحاسيس دافئة لأنه يهتم بمن حوله ويؤثرهم على نفسه.
مع خالص تحيّاتي.

محمد السرحاني said...

أما انك تعمدت التزييف بالتاريخ لغرض في نفسك أو أنه جهل منك
وادي السرحان سمي على قبيلة السرحان الطائيه التي حكمته لقرون وهي أقوى عشائر حوران
راجع الكتب قبل الكلام فيما تجهل

Prometheus said...

محمد السرحاني:
شكرا جزيلا لك على التوضيح.
لكني استقيت تلك المعلومة من الشيخ حمد الجاسر.
أرجو أن تتقبّل اعتذاري عن أي خطأ غير مقصود وأؤكّد احترامي لقبيلتكم العريقة واعتزازي بتاريخها.