:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الجمعة، يناير 03، 2014

أغرب كتاب في العالم

في إحدى قصص الأديب الأرجنتيني الكبير جورجي لويس بورخيس، تكتشف إحدى الشخصيات الرئيسية مخطوطة تتضمّن تفاصيل كثيرة عن تاريخ منطقة تُدعى اوكبار، وهي مكان متخيّل يُعتقد انه يقع على الحدود بين العراق وآسيا الصغرى. ويستفيض الراوي في شرح معمار ذلك المكان وأساطيره المفزعة ولغاته وملوكه وبحاره ومعادنه وحيواناته وأديانه.
وصْف الراوي في قصّة بورخيس يمكن أن ينطبق تماما على كتاب كوديكس سيرافينيانوس أو مخطوطة سيرافيني وعلى تفاصيل عوالمه الخيالية.
هذا الكتاب يعتبره الكثيرون اغرب كتاب في العالم، بل ولا يشبه أيّ كتاب غريب آخر ممّا سجّله التاريخ، بما في ذلك مخطوطة فوينيتش المشهورة. فهو الأغلى حتى الآن، إذ يبلغ سعر النسخة الورقية الواحدة حوالي ألفي دولار أمريكي. ومع ذلك فنسخته الالكترونية متاحة على الانترنت بالمجّان. ورغم أن عنوان الكتاب يوحي بقِدَمه، إلا انه مكتوب منذ ثلاثين عاما فقط ومؤلّفه ما يزال حيّا يُرزق.
وقد استقطب الكتاب عددا كبيرا من التكهّنات حول معناه وأصوله الأعمق. مؤلّفه لويجي سيرافيني، وهو رسّام ومهندس معماري ايطاليّ، لم يقل سوى القليل جدّا عن مضمون كتابه، بل ونفى في العديد من المناسبات أن يكون للكتاب أيّ معنى. لكن هناك من لا يثق في كلامه.
وقد كَتب الكتاب بلغة مشفّرة وضمّنه رسومات تذكّرنا بالنصوص الطبّية التي تعود للعصور الوسطى. وعندما تتصفّح الكتاب سيخامرك إحساس بأنه كُتب قبل قرون أو أن كاتبا من القرن الرابع عشر كان يعيش حلما شفّافا عمّا سيكون عليه حال العالم بعد ألفي عام من الآن.
الفنّانون درسوا الرسوم التوضيحية للكتاب، والفلاسفة فكّروا في معناه طويلا، وخبراء فكّ الشفرة حاولوا حلّ طلاسمه. ولكن دون جدوى.
والحقيقة أن من الصعب جدّا وصف كتاب مخطوطة سيرافيني . الغلاف لوحده يستحقّ الدراسة. غلاف طبعة عام 1991 يحمل صورة تبعث على الانزعاج والقلق: زوجان يمارسان الجنس ثمّ يتحوّلان إلى تمساحين. وغلاف طبعة عام 1993 يُظهر صورة مختلفة على الغلاف: رجل بغطاء رأس يمتطي ظهر حيوان غريب الشكل له قرون. وكلاهما، أي الرجل والحيوان، يحدّقان في مرآة خارج مبنى حجريّ يبدو أنه يقدّم نوعا من المواد الغذائية الزاهية الألوان.
سيرافيني لم يكتب كتابه بالايطالية ولا بالانجليزية التي يجيدها ولا بأيّة لغة معروفة أخرى. ولكنه كتبه بلغة خاصّة ابتكرها بنفسه لهذا الغرض. وقد صرّح مرّة بأنه اخترع هذه الأبجدية بنفسه "لإعطاء القارئ إحساسا بأنه طفل يقرأ شيئا لا يفهمه تماما". ومن المسلّم به أن اللغة المستخدمة في الكتاب لا معنى لها، لكن حقيقة أنه يبدو مكتوبا بلغة جديدة تضفي عليه طابعا من الغموض والإثارة.
ينقسم الكتاب إلى أحد عشر فصلا. وكلّ فصل يصوّر جانبا مختلفا من عالم لويجي سيرافيني الخياليّ. الفصل الأوّل مخصّص للنباتات، والثاني للحيوانات، والثالث للحديث عن المخلوقات الغريبة من ذوات القدمين، والرابع عن الفيزياء، والخامس عن الكيمياء، والسادس عن علم الأحياء، والسابع عن التاريخ، والثامن عن الكتابة، والتاسع عن الطعام والملابس، والعاشر عن الألعاب، والفصل الحادي عشر عن الهندسة المعمارية.
"مخطوطة سيرافيني" فُتن بها الكثيرون منذ نشرها لأوّل مرّة في بداية ثمانينات القرن الماضي. وهي تشتمل على صور ورسومات غريبة وأحيانا تستعصي على الفهم، بل إن مرأى بعضها سيُشعرك ولا شك بشيء من الرهبة: مركبات لها رؤوس بشرية، وسمكة تموّه نفسها في هيئة غواصة، وهياكل عظمية تتأهّب لترتدي أجسادا جديدة، وحيوانات غريبة كأنها آتية من كوكب آخر وفواكه وخضار غريبة الأشكال والألوان. وهناك رسم تخطيطي لما يبدو وكأنه تشريح لمصابيح الشوارع والضوء المنبعث منها.
وكلّ الرسوم التوضيحية في الكتاب منفّذة بقلم رصاص ملوّن ومصحوبة بتعليقات لا يمكن فكّها هي الأخرى أو فهمها. لكن يبدو أن الرسومات محاكاة ساخرة من الأشياء الموجودة في الحياة الواقعية. ومع ذلك، فإن عبقرية سيرافيني تكمن في انه يجمع بين أشياء لا رابط بينها وبطريقة مثيرة للاهتمام من الناحية الجمالية، إلى الحدّ الذي يدفع بالإنسان إلى افتراض أن لعالمه الخيالي معنى.
وقد راجت نظريات وآراء عديدة عن الكتاب. ترى هل هو كتاب عن المعرفة؟ هل يصحّ تصنيفه على انه من الكتب المفقودة؟ هل الكتاب موسوعة عن عالم غريب يعكس عالمنا ويعرض جوانب من ذلك المكان السوريالي، بنباتاته وحيواناته وعلومه وآلاته؟
وبعد كلّ هذه السنوات التي مضت على صدوره، ما يزال الكتاب محتفظا بنفس شهرته ومكانته الأولى. والبعض يذهب إلى أن سرّ نجاح سيرافيني كفنّان يتمثّل في أنه وضع كتابا لا يجيب على أيّة أسئلة. ومع ذلك لم يفقد الكثيرون اهتمامهم بالكتاب.
وعلى مدى سنوات، تشكّلت على الانترنت طائفة كاملة من الأشخاص الذين كرّسوا أنفسهم لهذا الكتاب. وقد اكتشف هؤلاء بعض القواعد النحوية التي تحكم النصّ. كما وجدوا أن ترقيم الصفحات في الكتاب يتّبع نظام رياضيات يعتمد على الرقم 21، ما أثار بعض التكهّنات في حينه. غير أن سيرافيني، الذي نادرا ما يظهر على الملأ أو يتكلّم، سرعان ما نفى وجود أيّة دلالات رياضية أو تنجيمية لهذا النظام.
الجدير بالذكر أن أقرب الكتب شبها بمخطوطة سيرافيني هو مخطوطة فوينيتش التي اكتشفها جامع كتب نادرة بولنديّ يُدعى ويلفريد فوينيتش عام 1912. وحتى هذه المخطوطة الأخيرة أيضا لم يستطع احد حلّ شفرتها.
وكان فوينيتش قد ابتاع المخطوطة من كاهن يسوعيّ في ايطاليا. وقيل إن مؤلّفها راهب فرانسيسكاني من القرن الخامس عشر يُدعى روجر بيكون. لكن اللغة الغريبة التي كُتبت بها ما تزال تحيّر العلماء وتتحدّى جميع محاولات ترجمتها إلى أيّ من اللغات المعروفة. وبعض الخبراء يقولون إن مخطوطة فوينيتش قد لا تكون أكثر من حيلة بارعة، بينما يؤكّد آخرون أنهم وجدوا فيها بنية لغوية تشي بأن النصّ الذي كُتبت به قد لا يكون مجرّد ألغاز أو طلاسم.

الاثنين، ديسمبر 30، 2013

علاقة الأشكال الفنّية بالحواسّ

منذ القدم، كان يُنظر إلى حاسّة البصر على أنها النموذج في اكتساب المعرفة ومن ثمّ استيعابها من قبل العقل. أرسطو ركّز على هذا وقارن عملية التذكّر بالنظر إلى لوحة مرارا. وسان اوغستين قال إنه لا غنى عن البصر في التأمّل الروحي والفكري.
ومع ذلك فالأساطير القديمة حافلة بأمثلة وصور عن القلق المتولّد من حاسّة البصر، مثل قصص نرسيس وميدوسا وأورفيوس. وفي أساطير أخرى، ترتبط حاسّة اللمس غالبا بالقوى الايجابية والواهبة للحياة، كما في أسطورة بيغماليون وبروميثيوس.
أما أرسطو فقد حذّر من القوى الخطيرة المرتبطة بالوهم عند استخدام البصر. بينما أثنى، هو وتوما الاكويني، كثيرا على اللمس وقالا إن هذه الحاسّة هي أساس المعرفة التي يحصل عليها الإنسان من جميع الحواسّ.
وهناك اليوم دراسات عديدة عن دور ووظيفة اللمس في أعمال فنّانين مثل سيزان وكاندنسكي والسورياليين.
علماء الانثروبولوجيا وعلم النفس السلوكي والبيولوجيا بدءوا في تثمين حواسّ غير البصر في دراساتهم وتجاربهم. وبعض هؤلاء اقترحوا حاسّة الشمّ كبديل ممكن لما يرون انه مضامين أبوية لظاهرة التركيز على البصر في الثقافة المعاصرة.
فولتير وديدرو ولوك قالوا إن اللمس حاسّة أساسية في اكتساب المعرفة التجريبية عن العالم وأن البصر ما هو إلا وسيلة ثانوية في تأكيد تلك المعرفة.
في القرنين السادس عشر والسابع عشر ظهرت لوحات تصوّر انهماك أشخاص في لمس منحوتات، كما في لوحة الرسّام الاسباني جوسيبي دي ريبيرا (1591-1652) بعنوان "حاسّة اللمس" التي تصوّر رجلا أعمى يتفحّص بيديه تمثالا نصفيا بينما تستقرّ لوحة زيتية صغيرة بإهمال على طاولة بجانبه.
وهناك لوحة أخرى لنفس هذا الرسّام بعنوان "النحّات الأعمى" تحمل نفس الفكرة، ويظهر فيها رجل أعمى وهو يتحسّس بيديه تمثالا نصفيّا.
فكرة اللقاء بين رجل أعمى وعمل نحتي ظهرت أيضا في بعض الكتابات. في بداية القرن السابع عشر، مثلا، زعم كاتب ايطاليّ أن ميكيل انجيلو بعد أن تقدّمت به السنّ وضعف بصره كان يعتمد على اللمس وحده في الحكم على مزايا الأعمال النحتية القديمة أو المعاصرة. كما يقال أن الرسّام الفرنسي إدغار ديغا لجأ إلى النمذجة النحتية وأصبح يهتمّ بها أكثر من الرسم عندما بدأ بصره يضعف.
لوحتا دي ريبيرا المشار إليهما آنفا كانتا ضمن سلسلة من اللوحات المشهورة التي خصّصها الفنّان لتناول الحواسّ الخمس. السلسلة تدفع المتلقّي للتفكير في دور الحواسّ وتأثيرها على الأفراد. وقد رسم اللوحات عندما كان يعيش في روما في وقت ما من القرن السابع عشر.
في لوحة "حاسّة اللمس"، استدعى الرسّام مقارنة بين الصفات الوصفية واللمسية للرسم والنحت، أي بين الفرشاة والإزميل. وهو يبرهن على أنه من خلال حاسّة اللمس يمكن للرجل الأعمى أن يتعرّف على الأعمال النحتية.
هذه اللوحة، من بين جميع لوحات السلسلة، مشهورة بشكل خاص بسبب سخريتها المزعجة. فالرجل الكفيف يقف وجها لوجه مع تمثال نصفي. وهو يريد أن يحسّ بالتمثال الرخامي ذي الأبعاد الثلاثة على الرغم من قربه منه، في حين أن اللوحة ذات السطح المستوي والموضوعة خلفه على الطاولة تذكّر الناظر أن هناك بعض المعلومات التي لا يمكن إيصالها حتى عن طريق اللمس.
تذكّرنا هذه اللوحة مرّة أخرى بمحدودية الاتصال البشري وبالفجوة بين العالم الحقيقي وعالم الصور. الرأس المنحوتة قد تكون رأس ابوللو. أما الشخص الذي يتفحّصها فربّما يكون النحّات الايطالي الأعمى جيوفاني غونيللي، وقد يكون الفيلسوف الإغريقي كارنيديس الذي قيل انه كان يتعرّف على التماثيل النصفية من خلال تحسّسها ولمسها بيده وذلك بعد أن فقد حاسّة البصر. وقد كان من عادة الفنّانين آنذاك أن يربطوا صور الفلاسفة القدماء باستعارات عن الحوّاس.
ترى هل أراد الرسّام أن يقول إن الإنسان الكفيف يمكن أن يتعرّف على النحت، بينما لا يمكن أن يتعرّف على الرسم سوى الإنسان المبصر؟ في ذلك الوقت كان يثور نقاش حول المنافسة بين الأشكال الفنّية من معمار ورسم ونحت وأدب وموسيقى. وبالتالي يبدو أن دي ريبيرا أراد من خلال اللوحة التأكيد على تفوّق الرسم على النحت.
كان هذا الفنّان يرفض الرمز والاستعارة في أعماله ويتعامل مع ما يراه ويلمسه بنفسه. ويبدو أنه لم يخترع من مخيّلته أشخاصا يمثّلون كلّ حاسّة، بل فضّل أن يختارهم من الشارع ورسمهم من واقع الحياة.

الفيلسوف الألماني يوهان هيردر (1744-1803) تحدّث مرّة عن فضائل النحت وخلع عليه هالة من الرومانسية عندما ميّز ما بين الرؤية واللمس. وقد روى هيردر عدّة قصص عن أشخاص مكفوفين ليبرهن على أننا نرى العمل النحتيّ كسطح ثلاثيّ الأبعاد لأننا كبرنا ونحن نستخدم حاسّتي اللمس والبصر في وقت واحد ومتزامن. ويضيف انه لولا حاسّة اللمس لكانت حاسّة البصر مجرّد حقل من الألوان والأشكال.
وهو يرى بأن جوهر النحت شكل جميل ووجود فعليّ وحقيقة ملموسة. وعندما نفهم النحت على انه رؤية فقط، فإن هذا يُُعدّ تدنيسا للنحت واستهانة خطيرة بإمكانياته.
وعلاوة على ذلك، دعا هيردر إلى الفصل ما بين الرسم والموسيقى، في ما بدا وكأنه اعتراض على أعمال فنّانين مثل كاندينسكي وموندريان اللذين قدّما لوحات "موسيقية"، وعلى أعمال بعض الملحّنين الرومانسيين الذين سعوا لرسم صور من خلال موسيقاهم.
وهيردر يميّز ما بين الرسم والنحت. انه يربط الرسم بالرؤية وبعالم الأحلام، بينما يدّعي أن النحت هو مصدر الحقيقة. طبعا هو يقصد النحت الكلاسيكي الذي كان يعرفه في عصره. وبالتالي قد يتساءل المرء عمّا يمكن أن يقوله هيردر لو انه عاش إلى اليوم ورأى النحت التكعيبي الذي ابتعد كثيرا عن التمثيل الدقيق للأشكال في لحظة واحدة وأصبح ينظر إلى الأشياء ذات الحقائق المتعدّدة والمتحرّكة عبر الزمن، وكيف سيتعامل مع التقليلية مثلا ومع غيرها من الظواهر التي تؤكّد استحالة التنبّؤ باتجاهات ونزعات الفنّ.
المعروف أن الرسّام جوسيبي دي ريبيرا كان تلميذا وتابعا لكارافاجيو. وقد قضى معظم حياته في روما وفي نابولي التي كانت في ذلك الوقت أعظم مدن ايطاليا ومركزا مهمّا للفنّ. وكان زملاؤه من الرسّامين الايطاليين يلقّبونه بالاسبانيّ الصغير.
كانت مملكة نابولي وقتها جزءا من الإمبراطورية الإسبانية. وكانت تُحكم من قبل سلسلة من نوّاب الملك الإسباني. أصول دي ريبيرا الاسبانية أعطته الحقّ بأن يصبح مرتبطا بالطبقة الاسبانية الحاكمة في المدينة وبمجتمع التجّار الهولنديين فيها.
كان الفنّان يرسم مثل معاصره وأستاذه كارافاجيو، وتحوّل بعيدا عن التقاليد والنماذج العتيقة والموضوعات المستوحاة من المثل الكلاسيكية العليا. ورسم بدلا من ذلك الحياة البشرية كما تبدو فعلا. وهي في كثير من الأحيان قبيحة وبشعة. وقد صوّر الفنّان كلّ هذا بواقعية كانت تصدم الجمهور وتروق له في الوقت نفسه.
صور دي ريبيرا المروّعة عن التعذيب والمعاناة التي كانت تمارَس في زمانه كانت تحيّر الجمهور والنقّاد معا. وهو كان موهوبا في إظهار الرؤوس والوجوه والأيدي بطريقة اللمس. بنية الجلد والعظام في رسوماته واقعية بحيث أن العديد من مشاهده يمكن أن تؤذي مشاعر الأفراد ذوي الحساسية الشديدة.
ومن الواضح أن دي ريبيرا لم يكن يقصد الإساءة لأحد. ولكن الوحشية لم تكن تصدّه عن تصوير مظاهرها وهو دائما ما كان يتبع مصادر إلهامه. وكان الجمهور قد أصبح معتادا على تصوير حزن الإنسان وبؤسه بتلك الطريقة.
ولـ دي ريبيرا صورة أخرى مشهورة اسمها الشحّاذ العجوز الأعمى يظهر فيها رجل أعمى مسنّ مع مرشده الشابّ. وهذه اللوحة لها علاقة بفكرة التشرّد التي كانت رائجة في الأدب الإسباني آنذاك. لكن الرسّام أراد منها أساسا أن تكون موعظة عن الخيرية المسيحية.
وقد استلهم موضوع اللوحة من رواية بعنوان حياة لازاريللو دي تورميس نُشرت لأوّل مرّة عام 1554 من قبل كاتب مجهول. بطلا الرواية هما رجل أعمى متسوّل وقاسي الطبع وصبيّ مراوغ يضطرّ باستمرار لأن يخدع سيّده كي يحصل على حصّة أكبر من الطعام والصدقات.
وعلى الرغم من أن دي ريبيرا لم يعد أبدا إلى إسبانيا، إلا أن العديد من لوحاته أعيدت إلى هناك من قبل أعضاء الطبقة الحاكمة الإسبانية وعن طريق بعض التجّار. ويمكن رؤية تأثيره في فيلاسكيز وموريللو، بل وفي معظم الرسّامين الإسبان الآخرين من تلك الفترة.
بعد وفاته، دخلت أعمال دي ريبيرا حيّز التجاهل والنسيان، ربّما بسبب سمعته التي كان يخالطها عنف وقسوة. فقد رسم أهوال الواقع ومظاهر توحّش البشر وأظهر انه يقدّر الحقيقة أكثر من المثالية.
لكن بدأت إعادة تأهيل اسمه وفنّه من خلال معرضين أقيما لأعماله في لندن عام 1982 وفي نيويورك عام 1992. ومنذ ذلك الحين اكتسبت لوحاته المزيد من اهتمام النقّاد والدارسين.

Credits
archive.org
artble.com

الخميس، ديسمبر 26، 2013

أغنية البلبل

أنطوني دي ميللو كاهن هنديّ ولد في بومباي عام 1931 وتوفّي في نيويورك عام 1987. درس دي ميللو الفلسفة وعلم النفس واللاهوت. وضمّن أفكاره وتجاربه في العديد من الكتب التي تُرجمت إلى لغات كثيرة.
من أشهر هذه الكتب كتابه "أغنية البلبل" الذي يحتوي على مجموعة من الحكم البليغة والقصص الموحية جمعها من ثقافات متعدّدة ومختلفة. وهو يترك لكلّ قصّة الفرصة لكي تكشف عن عمقها ومعناها الداخلي الذي يذهب بالقارئ إلى ما هو أبعد وأكبر من الكلمات.
في بداية الكتاب، يحدّد المؤلّف الجمهور الذي يستهدفه بالكتاب فيقول: كتبت هذا الكتاب للناس من شتّى الأديان والمذاهب. ومع ذلك لا أستطيع إخفاء الحقيقة عن قرّائي وهي أنني كاهن كاثوليكي. وقد تجوّلت بحرّية في التقاليد الصوفية غير المسيحية وحتى تلك التي لا علاقة لها بالأديان وتأثّرت بها بعمق".
ومن خلال كتاباته، يصحّ اعتبار دي ميللو مزيجا من المعلّم الروحاني وعالم النفس، كما أن في شخصيّته شيئا من الفيلسوف الذي يتمتّع ببصيرة نافذة تتأمّل سلوكيات البشر ودوافعهم.
السطور التالية عبارة عن فقرات مختارة من الكتاب.

  • قال المعلّم لأحد أتباعه: أنت تلميذ، فقط لأن عينيك مغمضتان. وفي اليوم الذي تفتحهما سترى أن لا شيء يمكنك تعلّمه منّي أو من أيّ شخص آخر. وظيفة المعلّم هي أن يجعلك ترى أن وجود معلّم غير مجدي".

  • قال قائد قوّات الاحتلال لعمدة القرية الجبلية: نحن نعرف أنكم تخبّئون خائنا. وما لم تسلّموه لنا فإننا سننتقم من أهل قريتك بكلّ وسيلة".
    كانت القرية بالفعل تخفي رجلا كان في واقع الحال شخصا بريئا. ولكن ماذا بوسع العمدة أن يفعل غير أن يضمن سلامة القرية التي هي الآن في خطر؟
    ودارت مناقشات في مجلس القرية استمرّت أيّاما لكنها لم تؤدّ إلى أيّة نتيجة. لذا اخذ العمدة المسألة إلى كاهن القرية. قضى الاثنان، الكاهن والعمدة، ليلة كاملة للبحث في الكتاب المقدّس عن حلّ للمسألة. وأخيرا وجدا نصّا يقول: من الأفضل أن يموت إنسان واحد كي تُنقذ الأمة".
    وبناءً عليه سلّم العمدة الرجل الهارب إلى جنود الاحتلال. وبعد ليلتين سُمع صدى صرخاته يتردّد في طرقات القرية بينما كان يتعرّض للتعذيب إلى أن مات.
    بعد ذلك بعشرين عاما، جاء نبيّ إلى تلك القرية، وذهب مباشرة إلى العمدة وقال له: كيف يمكن أن تكون قد فعلت هذا؟ ذلك الرجل أرسله الله لكي يكون مخلّصا لهذا البلد وقد سلّمته وعرّضته للتعذيب والقتل".
    فردّ العمدة: ولكن أين اخطأت؟ لقد نظرت أنا والكاهن إلى الكتاب المقدّس وفعلت ما أمر به. قال النبيّ: وهذا هو الخطأ الذي ارتكبتماه. لقد نظرتما في الكتاب وكان ينبغي أن تنظرا في عيني الرجل.

  • الألم ليس بالشيء الايجابي ولا السلبي. انه جزء من الحياة. والحياة عبارة عن نموّ. وأيّ نموّ لا بدّ وأن يكون الألم جزءا من مكوّناته.

  • عثر رجل على بيضة نسر ووضعها في عشّ الدجاج الملحق بفناء بيته. وبعد أيّام فقست البيضة وخرج منها نسر صغير عاش وترعرع مع الكتاكيت.
    وطوال حياته، كان النسر يفعل ما تفعله الكتاكيت ظنّا منه انه دجاجة. كان مثلا يحفر الأرض بحثا عن الديدان والحشرات ويزقزق كالدجاج ويفرد جناحيه ويطير بضعة أقدام في الهواء.
    ومرّت السنوات وكبر النسر في السنّ. وذات يوم رأى طائرا رائعا فوقه في السماء الصافية. كان الطائر يتأرجح في جلال ورشاقة بين تيّارات الرياح القويّة بجناحيه الذهبيين القويين.
    نظر النسر العجوز إلى فوق في رهبة وقال: من ذلك الطائر الذي يحلّق في السماء؟ فردّ جاره الديك: هذا هو النسر ملك الطيور.
    فقال النسر: ذاك مكانه السماء ونحن مكاننا الأرض. إننا دجاج.
    لذا عاش النسر ومات وهو دجاجة لأن ذلك هو ما كان يعتقده طوال حياته.

  • بعد أن عاد الراهب من الصحراء سأله الناس: أخبرنا ماذا يشبه الله"؟
    ولكن كيف يمكن أن يقول لهم ما أدركه بقلبه؟ هل يمكن وصف الله في كلمات؟!
    وأخيرا أعطاهم وصفة غير دقيقة وغير كافية على أمل أن تغري البعض منهم بأن يجرّبوا بأنفسهم. أمسَكوا الوصفة وجعلوا منها نصّا مقدّسا. ثم فرضوها على الآخرين كعقيدة مقدّسة. وذهبوا بعيدا لنشرها في أقاصي الأرض. بل إن بعضهم ضحّى من اجلها بحياته.
    شعر الناسك بالحزن. فكّر انه ربّما كان من الأفضل لو أنه لم يقل لهم شيئا.

  • جاء الناسك لتحويل سكّان المدينة وهدايتهم للإيمان. في البداية كان الناس يستمعون إلى خُطبه باهتمام. ولكن شيئا فشيئا اخذ الملل يتسرّب إلى نفوسهم حتى لم يعد احد منهم يأتي للاستماع إلى كلامه. ومع ذلك استمرّ الرجل يلقي مواعظه بلا جمهور.
    وذات يوم جاء إليه احد الأشخاص وسأله: لماذا تستمرّ في الوعظ مع أن أحدا لا يستمع إلى كلامك؟ فقال الناسك: في البداية كنت آمل أن أغيّر هؤلاء الناس. وإذا كنت ما أزال مستمرّا في الصراخ إلى اليوم فلكي أمنعهم من تغييري".

  • قال متصوّف عربي: إن فعل الإثم ليس بمثل ضرر الرغبة والتفكير في فعله. وهناك فرق بين أن ينغمس الجسد في متعة للحظة، وبين أن يلوكها ويمضغها العقل والقلب إلى ما لا نهاية.

  • لسنوات كنت إنسانا عصبيّا وقلقا ومكتئبا وأنانيّا. وكان الجميع يحثّونني على أن أتغيّر. كنت مستاءً منهم ومتّفقا معهم بنفس الوقت. كنت أريد أن أتغيّر. ولكنّني لم استطع بالرغم من محاولاتي الكثيرة.
    وما آلمني أكثر هو أن اقرب صديق لي كان أيضا مثل الآخرين يحثّني على أن أتغيّر. لذا شعرت بالعجز وبأنّني محاصَر.
    وفي احد الأيّام قال لي ذلك الصديق: لا تتغيّر. أنا أحبّك كما أنت".
    كانت تلك الكلمات كالموسيقى لأذني. "لا تتغيّر. أنا أحبّك كما أنت".
    أحسست بالارتياح، وبأنني ما زلت على قيد الحياة.
    و فجأة، تغيّرت!
    الآن اعرف أنه ما كان يمكنني أن أتغيّر حقّا لولا أنني وجدت شخصا يحبّني كما أنا، سواءً تغيّرت أم لا.
    هل هكذا تحبّني يا الله؟!

  • كان كاهن القرية يتعرّض لإزعاج الأطفال وهو في صلاته. ولكي يتخلّص منهم ويصرفهم بعيدا قال لهم: أسرعوا بالذهاب إلى النهر، وسترون هناك وحشا ينفث النار من فمه.
    لم يمض طويل وقت حتى كانت القرية بأكملها قد سمعت عن ظهور الوحش وأسرعت إلى النهر لمعاينته.
    ثم لم يلبث الكاهن نفسه أن انضمّ إلى الحشد. وبينما كان يلهث وهو في طريقه إلى النهر قال لنفسه: صحيح أنني اخترعت القصّة. ولكن ما يدريني أنها غير صحيحة؟!
    "أفضل طريقة للإيمان بآلهة خلقناها هي أن نقنع الآخرين بوجودها".

  • الدعاء يمكن أن يكون خطرا في بعض الأحيان. يروي سعدي الشيرازي هذه القصّة المعبّرة. يقول: كان لي صديق، وكان سعيدا بأن زوجته أصبحت حاملا. كان يتوق لأن يولد له طفل ذكر. وقد اخذ على نفسه وعدا بأن ينذر لله نذرا إن هو استجاب لدعائه ورزقه بصبيّ ذكر.
    وقد أنجبت زوجته صبيّا. وفرح صديقي وأقام في منزله حفلا دعا إليه جميع أهالي القرية.
    بعد سنوات عديدة، وفي طريق عودتي من مكّة، مررت بقرية صديقي وقيل لي انه في السجن. سألت: لماذا، ما الذي حدث له؟ فقالوا: لقد قُبض على ابنه وهو في حالة سكر، وقد قتل رجلا ثم هرب. لذلك قُبض على أبيه وأودع السجن.
    "أن نواظب على طلب أن يستجيب الله لما نريد شيء جدير بالثناء. ولكنه أيضا أمر محفوف بالمخاطر أحيانا".

  • حذّر الله قوما من زلزال يبتلع مياه الأرض. وأبلغهم بأن المياه الجديدة التي ستأتي عقب الزلزال ستصيب كلّ من يشرب منها بالجنون.
    وكان هناك نبيّ هو فقط من اخذ تحذير الرب على محمل الجدّ. وقد ادّخر النبيّ بعض الماء في كهفه الجبليّ بما يكفيه حتى موته.
    وكان لا بدّ أن يأتي الزلزال، فاختفت المياه وجرت في الينابيع والبحيرات والأنهار مياه جديدة. وبعد بضعة أشهر نزل النبيّ من الجبل قاصدا السهول. كان كلّ شخص في القرية قد أصبح مجنونا. وقاموا بالهجوم عليه لأنهم اعتقدوا انه مجنون.
    لذا عاد النبيّ إلى كهفه الجبليّ وكان سعيدا بالماء الذي سبق وأن ادّخره. لكنه لم يستطع تحمّل الشعور بالوحدة، لذا نزل إلى السهول مرّة أخرى. غير انه ووجه بالرفض ثانية من الناس لأنه لم يكن يشبههم.
    ثم استسلم النبيّ في النهاية، وألقى بالماء الذي كان قد احتفظ به بعيدا وشرب الماء الجديد مع الناس وأصبح مثلهم مجنونا.
    "الطريق إلى الحقيقة ضيّق. وأنت تمشي فيه لوحدك".

  • كان واعظ القرية مشغولا في منزل أحد الأهالي يجيب على أسئلة الجدّة على فنجان من القهوة.
    سألت السيّدة العجوز الواعظ: لماذا يرسل لنا الربّ الأوبئة بين الحين والآخر؟
    قال الواعظ: حسنا، أحيانا يصبح الناس أشرارا جدّا، ما يحتّم إزالتهم. ولهذا يسمح الرب الطيّب بأن تأتي الأوبئة.
    وهنا تعترض الجدّة على كلامه قائلة: ولكن لماذا يجب أن يموت أناس طيّبون كثيرون مع الأشرار؟
    فيردّ الواعظ: الطيّبون يُستدعَون كشهود. والربّ يريد أن يمنح كلّ إنسان محاكمة عادلة.
    "لا يوجد سؤال لا يمكن للمؤمن المتحمّس أن يجد له جوابا".

  • كان التلاميذ مثقلين بالكثير من الأسئلة عن الله. قال المعلّم: الله غير معروف، مجهول. وكلّ تصريح عنه، وكلّ إجابة على سؤال من أسئلتكم هي تشويه للحقيقة.
    واحتار التلاميذ من كلام المعلّم وقالوا: إذن لماذا تتحدّث عنه دائما؟
    ردّ المعلم: ولماذا يغنّي الطائر؟ انه يغنّي، لا لكي يقول كلاما، وإنما لأن عنده أغنية. كلمات المعلّم يجب أن تُسمع كما يستمع المرء إلى الرياح في الأشجار وإلى صوت النهر وإلى أغنية البلبل.