:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الخميس، يناير 30، 2014

محطّات

من مفكّرة ديلاكروا

في عام 1832، سافر الرسّام الفرنسيّ اوجين ديلاكروا إلى المغرب واسبانيا في بعثة دبلوماسية بعد وقت قصير من احتلال فرنسا للجزائر. وكان ذهابه إلى هناك، ليس لدراسة الفنّ، وإنما كي يهرب من حضارة باريس وعلى أمل أن يرى ثقافة أكثر بدائية.
ديلاكروا سجّل في مفكّرته بعض مشاهداته في تلك الرحلة التي حدثت قبل اختراع السيّارة، أي عندما كان الناس يسافرون على ظهور الخيل والجمال والبغال. هنا مقتطفات ممّا كتبه..
  • بعد مسيرة ساعتين، لاح لنا البحر. وفي القرب رأينا مجموعة من أشجار الصبّار والخيزران، ولمحنا بقعا من العشب البنّي على الرمال. عند عودتي، تذكّرت التباين المدهش بين أشجار الخيزران الصفراء والجافّة وبين بقيّة الأشجار الخضراء. في هذه الناحية، تميل ألوان الجبال إلى البنّي المشوب بخضرة، مع خطوط من الشجيرات الداكنة والضئيلة.
  • رأينا في الطريق مشهدا مثيرا لحصانين، رماديّ وأسود، وهما يتعاركان مع بعضهما البعض. منذ البداية، كانا يتوقّفان قليلا ثم لا يلبثان أن يواصلا قتالهما بضراوة، ما جعلني ارتجف. غير أن ما رأيته كان يستحقّ الرسم. وأنا على يقين من أنني رأيت أكثر الحركات روعة ورشاقة، بما لا يمكن أن يتخيّله حتى روبنز . الحصان الرماديّ لفّ عنقه حول الحصان الآخر لفترة بدا أن لا نهاية لها. كان من المستحيل أن يطلقه. لكن مورني تمكّن أخيرا من الفصل بينهما. وبينما كان ممسكا باللجام، تراجع الحصان الأسود بشراسة، بينما ظلّ الحصان الآخر يعضّه في الخلف بعنف.
    سمحنا بعد ذلك للحصانين بأن يمضيا. لكنّهما استمرّا يتقاتلان فيما هما متّجهان إلى النهر. ثم سقط الاثنان في الماء بينما واصلا عراكهما. وفي نفس الوقت كانا يحاولان الخروج من الماء، وكانت أقدامهما تنزلق في الوحل.
  • في طريق عودتنا، لاحت لنا طبيعة رائعة إلى اليمين: جبال إسبانيا وهي تكتسي بأجمل ألوانها، ثم البحر الذي بدا أزرق تشوبه خضرة داكنة.
  • في يوم الثلاثاء ذهبنا لحضور حفل زفاف يهودي. كان هناك عرب ويهود يقفون عند المدخل. وكان هناك أيضا موسيقيّان، احدهما عازف كمان. وإلى جواره جلست امرأة يهودية جميلة بسترة من القطيفة وأكمام مذهّبة. كان ظلّ المرأة يلوح في منتصف الطريق إلى الباب. وبالقرب منها جلست امرأة أخرى اكبر منها سنّا بملابس بيضاء بالكامل وتغطّيها تماما.
  • صحونا حوالي الثامنة صباحا. تسلّقنا تلّة، والشمس إلى يسارنا. الجبال واضحة المعالم جدّا، واحد وراء الأخر، وفوقها سماء صافية. وقد وجدنا في طريقنا قبائل مختلفة. الرجال يطلقون البنادق وهم يتقافزون في الهواء. وصعدت جبلا في لاكلاو. كان المنظر خلابا للغاية. وتوقّفت للحظات. المنظر رائع من أعلى قمّة الجبل. مشينا نصف ساعة إلى أن بلغنا المخيّم.
  • الجلابية هي زيّ عامّة الناس ولباس التجّار والأطفال. أتذكّر أنّني سبق وأن رأيت جلابية على شخص صغير في اللوفر. أطفال المدارس في هذه الناحية يكتبون دروسهم على ألواح. وفي لحظات الراحة، يذهبون في مجموعات حاملين معهم هذه الألواح على رؤوسهم.
  • في الحيّ اليهودي، رأيت بعض التصميمات الداخلية الرائعة أثناء مروري من هناك. وكانت امرأة يهودية تقف مرتدية قلنسوة حمراء وثيابا بيضاء وسوداء.
  • هذا هو اليوم الأوّل من رمضان. في اللحظة التي ظهر فيها الهلال، وكنّا ما نزال في وضح النهار، أطلقت المدافع نيرانها احتفاءً بالمناسبة. وفي هذه الليلة، كانت هناك ضوضاء رهيبة مع قرع طبول ونفخ أبواق مصنوعة من قرون الخراف. وبرز من بين الحشود رجل أخذ يطلق النار باتجاهنا من مسافة قريبة. لكن تمّ إلقاء القبض عليه فورا. كان غاضبا. ثمّ سُحب من عمامته وطُرح أرضا.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

    طبيعة من عالم آخر
    التلوّث الضوئي في المدن الكبيرة يُفقد الإنسان الإحساس بالدهشة وبجمال السماء الليلية. ولهذا السبب، لن تعدم أحيانا من ينصحك، ومعه حقّ، بأن تغادر المدينة باتجاه مناطق الأطراف يوما أو يومين في الشهر حيث الأفق المفتوح والأجواء الصافية، كي تنعم برؤية السماء وتستمتع بأنوار القمر والنجوم.
    وهناك اعتقاد بأن أجمل سماء ليلية في العالم هي تلك التي تعلو صحراء أتاكاما في شيلي. ففيها يمكن أن ترى ثلاثة آلاف نجم بوضوح، كما أنها تخلو من التلوّث الضوئي وتغيب عنها الغيوم طوال معظم السنة.
    في هذا الفيديو "فوق"، سترى طبيعة من عالم آخر وسماء ليلية صافية فوق أتاكاما، أي نفس المكان الذي اختاره المرصد الأوربّي الجنوبي ليبني عليه تلسكوباته المصفوفة الهائلة التي تسمح للفلكيين بالحصول على أفضل مناظر للكون من على الأرض.
    هذا المكان يُعتبر مثاليّا لمراقبة السماء والنجوم والظواهر الفلكية. طبيعة الليل ووتيرة حركة الأشياء مختلفة فيه عن أيّ مكان آخر من العالم. كما أن مناخه متطرّف للغاية، فهو حارّ جدّا نهارا وبارد جدّا ليلا.
    الفيديو قام بتنفيذه بطريقة الفاصل الزمني مصوّر يُدعى نيكولاس بور. وهو محصّلة لمجموعة من الصور التي التقطها على مدى 12 يوما وليلة. بور يصف هذا المكان المرتفع والمدهش بقوله إن أتاكاما صحراء معروفة جيّدا بأن سماءها هي الأكثر صفاءً والأشدّ ظلاما وحلكة على الأرض.
    الهواء الجافّ وصفاء الأفق والارتفاع، كلّها عوامل تتيح سماءً ليلية لا تشبهها سماء أخرى. وقد زارها المصوّر عندما كان كوكب الزهرة قريبا جدّا من مركز مجرّة درب التبّانة، وهو حدث فلكيّ لا يقع إلا مرّة كلّ 8 سنوات أو نحو ذلك.
    كما تزامنت زيارته لهذا المكان مع الاعتدال الخريفيّ الذي يُعتبر وقتا مناسبا لرؤية ظاهرة الضوء البروجي أو "الفجر الكاذب كما يُسمّى بالعربية"، وهو عبارة عن ضوء ينتشر في السماء في المناطق المظلمة وقبل شروق الشمس نتيجة تناثر الغبار الكوني المتناهي الصغر بين الكواكب في الفضاء بتأثير أشعّة الشمس.
    يمكن مشاهدة نسخة فائقة الوضوح من فيلم نيكولاس بور في موقع فيميو على هذا الرابط .

    ❉ ❉ ❉

    راسكن: الفنّان والمعلّم

    إن كنت تبحث عن معلومة أو فكرة يمكن أن تضيف شيئا إلى معرفتك عن لوحة أو رسّام معيّن من القرن التاسع عشر خاصّة، فسيصادفك اسم جون راسكن كثيرا. وهذا حدث معي أكثر من مرّة. لكن مع مرور الوقت اكتشفت أن راسكن لم يكن ناقدا فنّيا فحسب، بل كان أيضا رسّاما وشاعرا ومفكّرا اجتماعيا بارزا وراعيا للفنون وشخصا مُحسنا.
    صحيح أن اهتمامه كان مركّزا، خاصّة، على أمور الفنّ والأدب، لكنّ اهتماماته امتدّت لتشمل مواضيع وفروعا معرفية أخرى كالجيولوجيا والأساطير وعلم الطيور والمعمار وعلم النبات والاقتصاد السياسي والتعليم. باختصار، كان راسكن يتمتّع بثقافة موسوعية.
    وقد توقّفت لبعض الوقت عند آرائه عن التعليم والتي تستحقّ التأمّل. فهو يرى مثلا أن وظيفة التعليم الحقيقية ليست فقط جعل الناس يتعلّمون ويفعلون الأشياء الصحيحة، وإنما أيضا أن يحبّب إليهم المعرفة ويزرع في نفوسهم تعطّشا دائما للحبّ والعدل والحرّية.
    كان راسكن ينظر إلى التعليم باعتباره جزءا لا يتجزّأ من الحياة والسياسة والأخلاق. وكان يَعتبر أن تعليم الأطفال الصدق والنزاهة هو بداية أيّ تعليم، وأننا إذا أصلحنا المدارس فلن نجد سوى القليل مما يتعيّن إصلاحه في السجون.
    ولد جون راسكن وعاش في انجلترا الفيكتورية في القرن التاسع عشر. وقد عمل طوال حياته على تعميق تقدير الناس للفنون والآداب، وهذا بدوره قرّبه من هموم وشجون التعليم. كان يحبّ الرسم كثيرا، ولطالما حرص على تزيين صفحات رسائله وكتبه برسومات توضيحية من عمله هو. كما رسم اسكتشات ولوحات مفصّلة عن الصخور والنباتات والطيور والمناظر الطبيعية والهياكل المعمارية. وكان يشدّد دائما على الربط ما بين الطبيعة والفنّ والمجتمع.
    كتابه بعنوان "الرسّامون المعاصرون" قالت عنه الأديبة المعروفة تشارلوت برونتي انه أزاح عصابة كانت على وجهها ومنحها عينين جديدتين، وهذا أعظم ما يمكن أن يفعله إنسان في هذا العالم.
    وأخيرا تُنسب إلى جون راسكن عبارات مأثورة كثيرة تتناول آراءه في الحياة والناس مثل قوله: من الأفضل أن تخسر كبرياءك من اجل شخص تحبّه على أن تفقد ذلك الشخص بسبب كبريائك العديمة الفائدة".
    وقوله: إن شروق الشمس جميل، والمطر منعش، والرياح تجعلنا متأهّبين، والثلج يبهجنا. ليس هناك شيء اسمه "أحوال جوّية سيّئة". هناك فقط أنواع مختلفة من الطقس الجيّد".
    وقوله: تذكّر أن أجمل الأشياء في هذه الحياة هي تلك التي يعتبرها الناس، عادة، عديمة المنفعة؛ الطاووس والزنبق مثلا".

    ❉ ❉ ❉

    إيقاعات موسيقية

  • من القصائد الكلاسيكية المغنّاة التي تغريك بسماعها مرّة بعد أخرى هذه الأغنية للمطرب الكبير الراحل عوض الدوخي. ورغم أنها ليست بمستوى شهرة بعض أغاني الدوخي الأخرى مثل صوت السهارى ويا ساهر الليل ويا من هواه وصبا نجد، إلا أنها تتميّز، هي أيضا، بجمال كلماتها وأصالة لحنها الذي يذكّرك بموسيقى الملحّنين الكلاسيكيين العرب الكبار.
    عوض الدوخي بالمناسبة أدّى كافّة أشكال الغناء. كما تغنّى ببعض ألحانه كبار المطربين العرب مثل فايزة احمد التي غنّت له صوت السهارى والمطربة العراقية مائدة نزهت التي غنّت له لا باس يا ترف الحشا وصبا نجد. صوت الدوخي فيه شجن وتوق وحزن شفيف، يذكّرك برائحة البحر ومناظر المراكب والغوص وبالأيّام الخوالي.
    وإذا أعجبتك "طال الصدود" فقد تجد في هذه الأغنية أيضا ما يطربك أو يثير بعض اهتمامك بإيقاعها المرح وموسيقاها البديعة. لاحظ أيضا التداخلات والحركات الرائعة لآلة الأكورديون فيها..
  • أحيانا تستمع إلى بداية أغنية ما فتُعجَب بالموسيقى ويشدّك أداء المطرب. لكن بعد قليل، سرعان ما تلاحظ أن اللحن لا ينمو بشكل طبيعي ولا يتناغم بالضرورة مع الكلمات.
    هذه الأغنية للفنّان الكبير أبو بكر سالم هي مثال على الأغاني التي تبدأ بداية قويّة وواعدة ولكنها لا تلبث أن تأخذ مسارا آخر مختلفا بعد المقطع الأوّل. الأغنية، أيّة أغنية، عادة ما يتعثّر لحنها ويتوه عندما يحاول المغنّي مجاملة الشاعر وإرضاءه بتلحين كلّ ما يكتبه من كلام حتى لو كان بعضه مجرّد حشو لا معنى له.
    "لا تنادي" أغنية جميلة، لكن جمالها لا يتجاوز المقطع الأوّل. وكان بالإمكان اختصارها لأربع دقائق بدلا من هذا التطويل المملّ والعكّ الشعريّ والموسيقيّ غير اللازم.
    ومع ذلك يظلّ أبو بكر سالم واحدا من الأسماء اللامعة في سماء الأغنية الخليجية والجزيرية. وأتذكّر الكثير من جمله اللحنية الرائعة التي لا يمكن أن يتوصّل إليها سوى فنّان على قدر عال من الإبداع والحساسية. استمع إلى هذه الأغنية كمثال.
  • لطالما اكتشفت أننا، أبناء هذا الجيل، منقطعون إلى حدّ كبير عن تراثنا الموسيقيّ والغنائي في منطقة الخليج والجزيرة العربية، في حين أن هذا التراث يحوي ثروة هائلة من الموسيقى والمقامات وأشكال الغناء المختلفة والمتعدّدة.
    المشكلة أننا أحيانا لا نتذكّر مطربي الماضي إلا على سبيل تذكّر زمن أبائنا ومقارنته بزمننا، وليس من باب محاولة تذوّق أعمالهم ونقدها وكيف تبدو في سياق زمني مختلف.
    الرعيل الأول من مغنّيي الخليج والجزيرة معظمهم كانوا مناضلين بامتياز، خصوصا النساء، لأنهم أصرّوا على الاشتغال بالفنّ والموسيقى فنشروا الجمال وارتقوا بمشاعر الناس وحاولوا ترويض العنف الكامن في النفوس، متحدّين أفكار التطرّف الديني والأعراف الاجتماعية البالية، ولقوا في سبيل ذلك صنوف العنت والمشقّة.
    من هؤلاء المطربان الراحلان عبدالله فضالة وحمد الطيّار. اسمع الأوّل وهو يؤدّي هذه القصيدة الجميلة من شعر الياس فرحات. واستمع إلى الثاني في هذه الأغنية التي تُعتبر أشهر أعماله.
    على فكرة، عبدالله فضالة ينتمي لعائلة كويتية متديّنة. وكان أبوه يريده أن يصبح رجل دين، لكنه فضّل دراسة الموسيقى. وقد قرأت منذ أيّام مقابلة صحفية قديمة أجريت معه عام 1967، أي نفس العام الذي توفّي فيه. ولفتني قوله: كنت اذهب إلى حفلات السمر وأغنّي فيها. تلك الأيّام أحسن من أيّامكم هذه. كلّ شي عندكم الآن ما يجوز وحرام"!
    هذا الكلام قاله الفنّان قبل أكثر من أربعين عاما. ترى ما الذي يمكن أن يقوله لو بُعث إلى الحياة من جديد ورأى كيف أصبحنا اليوم بفضل أفكار المتشدّدين الظلاميين الذين يعادون كلّ قيمة جميلة وراقية في الحياة؟!
    تأمّل آخر صورة في الرابط الأخير واشكر الله على نعمة العقل!
  • الأربعاء، يناير 22، 2014

    فرانز ليست: العبقريّ الجميل

    جزء من جمال هذا العالم المجنون هو انه يحتوي من القصص والحكايا على كلّ ما هو طريف واستثنائي وغريب. وإذا اخترنا أن نتذكّر "فرانز ليست" كمثال، فلأنه كان شخصيّة أسطورية وكاريزماتية ومعقّدة جدّا، بدءا من حبّه العجيب للحياة، ومرورا بقصّة تزويجه ابنته لزميله الموسيقيّ ريتشارد فاغنر، وانتهاءً بلجوئه إلى الدين.
    في هذه اللوحة التي تعود إلى العام 1840، يرسم جوزيف دانهاوزر فرانز ليست وهو منهمك في العزف على بيانو كبير في صالون باريسي. وفوق البيانو يظهر تمثال نصفيّ لبيتهوفن. وفي الصورة أيضا حشد متخيّل من كبار شخصيّات ذلك الزمن مثل الكسندر دوما وجورج صاند وماري داغو وفيكتور هوغو ونيكولو باغانيني وجياكومو روسيني، بالإضافة إلى بورتريه للورد بايرون.
    كان "ليست" النجم الأكثر نجاحا والأطول عمرا في كلّ تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. وقد اكتسب جمهورا وأتباعا بأكثر ممّا استطاع أن يفعله أيّ موسيقيّ جاء قبله أو بعده. كما كان، ولا شكّ، أعظم عازف بيانو في جميع العصور.
    إقرأ ما كتبه هاينريش هايني واصفا سلوك الجمهور في إحدى حفلات "ليست" التي أقامها في ايطاليا وأكّدت ما كان له من تأثير كبير على معظم أوروبّا خلال سنوات منتصف القرن التاسع عشر. يقول: كان ظهوره في أيّ مكان كفيلا بإثارة جنون النساء. التصفيق الذي يقابَل به كان دائما عاصفا وهستيريّا. كان نوعا نادرا من الجنون؛ الجنون الذي لم يسمع بمثله احد في تاريخ الضجيج".
    كان "ليست" نجم الجماهير الأشهر بأوصاف عصرنا الحاضر. النساء والرجال كانوا يتجاوبون بطريقة هستيرية مع حفلاته. كان عزفه يرفع مزاج الجمهور إلى ما يشبه النشوة الصوفية. وكان الجميع يتكالبون عليه ويتقاتلون للحصول على مقتنياته الشخصية.
    كانت تحيط به سيّدات منوّمات أو مغمى عليهنّ تقريبا. بعضهن كنّ يلقين بالزهور على المنصّة، بل وحتى بالمجوهرات مع صرخات وتصفيق مدوٍّ. وأخريات كنّ يسرقن خصلات من شعره أو يتشاجرن للحصول على أعقاب سيغاره وبقايا ريقه الذي يتركه على فناجين القهوة.
    وهؤلاء لم يكنّ نساء عاديّات. كنّ من نخبة المجتمع الباريسي في القرن التاسع عشر. وقد ضربن عرض الحائط بجميع قواعد اللياقة الاجتماعية لإظهار عشقهنّ للعازف الرومانسيّ الوسيم.
    وبينما كانت شعبية "ليست" تزداد، كان معجبوه يكتبون إليه طالبين منه المزيد من خصلات شعره. وأمام هذه الطلبات الكثيرة، اضطرّ لقصّ شعرات من كلبه وبدأ في إرسالها إلى المعجبين. وهكذا ثبت مرّة أخرى أن الكلب أفضل صديق للإنسان!
    حاوِل أن تتخيّل اتجاها واحدا يمثّله رجل واحد مع بيانو وسترة جميلة وملامح وسيمة وأسلوب خاصّ في العزف، وربّما مع بعض حبّات الكَلَف في وجهه.
    مظهر "ليست" الوسيم واللافت للنظر وأدبه وأناقته ولباسه الفخم لم تكن عوامل كافية لضمان الشهرة والنجاح اللذين حقّقهما. كانت عبقريته الموسيقية النادرة وراء نجاحه الكبير. كان يستطيع قراءة الموسيقى بشكل أسرع وأكثر دقّة من أيّ موسيقيّ آخر في زمانه. وكان يمتلك في يديه قوّة وخفّة حركة لم يكن ينافسه فيهما أيّ عازف بيانو آخر في ذلك العصر.
    ولم يكن منتهى طموحات "ليست" أن يكون عازف بيانو أو ملحّنا كبيرا. كان مزيجا غريبا من عدّة أشخاص. وقد أراد أيضا أن يكون رجل علم وشخصية اجتماعية وكاهنا في كنيسة. وكان من عادته أن يقرأ كلّ كتاب يجده. كما تعرّف عن قرب على كلّ من صادفهم في طريقه من أمراء ونبلاء ودوقات وكونتيسات.. إلى آخره.
    ولكن كيف تسنّى لصبيّ من قرية صغيرة في هنغاريا أن يكبر ليصبح نجما ساحرا وعاجيّ الرنين؟ ماذا كان سرّه؟ الإجابة يمكن أن تُختزل في كلمة واحدة: التدريب. ثم التدريب. والكثير من التدريب.
    بدأ "ليست" دروسه في العزف على يد والده وهو في سنّ السابعة. وعندما بلغ التاسعة، كان قد أدّى أوّل عزف علنيّ له. وفي سنّ السادسة عشرة، أي عندما توفّي والده، كان يتنقّل من منطقة لأخرى في باريس كي يعطي دروسا في العزف على البيانو.
    لكن ماذا كان يفعل شابّ مبدع في القرن التاسع عشر ليساعد نفسه على التأقلم مع الكدح المستمرّ المتمثّل في تدريس الباريسيين العزف على البيانو؟ استغرق العازف الشابّ في التدخين والإدمان على الشراب وعلى النساء. كانت النساء بنفس أهمّية التدريب المستمرّ بالنسبة لمسيرته المهنية.


    خذ مثلا حالة الكونتيسة ماري داغو . تركت هذه المرأة زوجها لتلهو مع "ليست" في العام 1835. وأثمرت تلك العلاقة عن ثلاثة أطفال. كما أنتجت علاقتهما مجموعة من المؤلّفات التي كتبها "ليست" والتي تؤشّر إلى انه استفاد بشكل خلاق من وجود هذه المرأة إلى جواره.
    ثم هناك حالة الأميرة كارولين فيتغنشتاين ، التي قرّرت أن يكون "ليست" بديلا لزوجها بعد أن رأته يعزف في حفل في كييف في عام 1847. وفي محاولة منها لإبقائه بعيدا عن جحافل المشجّعات المنتشيات اللاتي يحاولن الاقتراب من ملابسه الداخلية، اقترحت عليه الأميرة أن يركّز على التأليف، فترك الحفلات العامّة وخلّف وراءه سمعة تقترب من الكمال وهو ما يزال في منتصف الثلاثينات.
    وقد رفضت الكنيسة الكاثوليكية، التي كثيرا ما كانت تتدخّل لتفسد الأمور، السماح لـ "ليست" وأميرته بالزواج. ولم يلبث أن فقد اثنين من أطفاله. وتحوّل بعد ذلك ليصبح شخصا متديّنا وكئيبا. ثمّ انضمّ إلى سلك الرهبنة وارتدى جلباب كاهن وصار الناس ينادونه بـ "الأب ليست" وأصبح يقضي جزءا من وقته في أحد الأديرة. وكلّ هذا أضفى على العازف الوسيم والموهوب لمسة من الغموض والرومانسية.
    ارتبط "ليست" بعدد لا يُحصى من النساء. ويُعتقد بأنه أنجب العديد من الأطفال خارج إطار الزواج. وبعد وفاته مباشرة، ظهر مئات الأشخاص الذين يدّعون أنهم أبناؤه. وكان قد أنكر أثناء حياته احد طلبات الأبوّة تلك كتابةً بقوله: أعرف والدته فقط عن طريق المراسلة. والإنسان لا يستطيع انجاز مثل هذه الأمور من خلال تبادل الرسائل".
    على الجانب المهني، يذكّرنا "ليست" بأن مقاربتنا للموسيقى الكلاسيكية لا ينبغي أن تعتمد على عامل الجنسية أو القومية. الناس عادة يريدون أن يسمعوا موسيقيين هنغاريين يعزفون بارتوك ورُوساً يعزفون تشايكوفسكي وإنجليزا يعزفون إيلغار وفرنسيين يعزفون ديبوسي وأمريكيين يعزفون كوبلاند . و"ليست" يتحدّى هذا التصنيف السهل. بإمكانك أن تعتبره موسيقيّا هنغاريّا وألمانيّا وفرنسيّا من حيث الجوهر وفي نفس الوقت. نفوذه كفنّان وملحّن كان يتجاوز الولاءات الوطنية والانتماءات والتصنيفات القومية.
    وعلى الرغم من شعبيّته الكاسحة، إلا أن الأمور لم تكن تخلو من بعض المتاعب والتحدّيات. فقد كان له منافس خطير تمثّل في شخص عازف بيانو سويسري يُدعى سيغيسموند تالبيرغ . كان "تالبيرغ" هو الآخر عازفا موهوبا وقادرا على إدهاش جمهوره.
    وكان الملحّن الفرنسيّ الشهير هيكتور بيرليوز قد منح "تالبيرغ" تقييما أعلى من "ليست". ثم انقسم عالَم باريس الموسيقيّ إلى معسكرين: أنصار "ليست" وأنصار "تالبيرغ"، في ما بدا وكأنه تأجيج للصراع بين الرجلين. وقد ذهب "ليست" إلى حدّ وصف ما كان يعزفه "تالبيرغ" بـ "الزبالة". وعندما اقترح عليه "ليست" أن يعزفا معا ردّ "تالبيرغ": لا شكرا! لست بحاجة إلى شخص لمرافقتي"!
    وفي نهاية المطاف، تمكّنت أميرة ايطالية من ترتيب حفل موسيقيّ يتناوب على العزف فيه كلّ من الاثنين. وعلى الرغم من مهارة "تالبيرغ"، إلا أن "ليست" اختير باعتباره العازف الأفضل. وبالتأكيد عاش اسمه كموسيقيّ أطول من اسم منافسه.
    صحيح أن "ليست" كان نجما كبيرا واستطاع أن يراكم ثروة لا بأس بها، ولكنه كان دائما يفضّل أن يعيش حياة بسيطة ومتواضعة. كما كان إنسانا سخيّا جدّا. لكن سمعته كزير نساء طغت كثيرا على كرمه المعتاد. كان الناس يتوافدون على بيته لأخذ دروس في العزف والتلحين بالمجّان. وبعد أن أصبح شخصا غنيّا، صار يقدّم لتلاميذه مصروفا يوميّا. وكلّ من عزف بحضوره مرّة أو مرّتين في جلسة، أصبح يصف نفسه بأنه من تلاميذ "ليست".
    موسيقى "ليست" مثيرة للجدل مثل صاحبها. البعض يعتبرها مبتذلة ومنمّقة أكثر من اللازم. والبعض الآخر يثني على مقطوعاته الرومانسية على وجه الخصوص. ومع ذلك، لا احد ينكر أصالة الرجل ونفوذه وأهمّيته بوصفه صانع ما يُسمّى بالقصيدة السيمفونية. وهناك من يشير إلى أن "ليست" وجد طرقا جديدة لاستغلال البيانو. أعماله للبيانو تحتوي على قفزات جريئة، كما أن أنغامه محاطة أحيانا بأصوات تتابعية تمنح انطباعا بأن ثلاث أيد، لا يدين فقط، هي التي تعزف على البيانو.
    وعلى الرغم من أن "ليست" كان ما يزال مؤلّفا نشطا ومعلّما للموسيقى خلال العقد الأخير من حياته، إلا أن صحّته كانت تذبل تدريجيا إلى أن توفّي بالالتهاب الرئوي في 31 يوليو من عام 1886 عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.
    هذا هو "فرانز ليست"، العبقريّ الوسيم والجدير بالاحتفاء.
    والآن حاول أن تستمع إلى هذه القطعة من ثلاثيّته للبيانو المسمّاة حلم الحبّ لتكتشف جانبا من براعته في التأليف والعزف.
    وإن أردت سماع شيء أكثر جدّية، فاسمع مجموعة ارتجالاته الهنغارية التسعة عشر على البيانو. شخصيّا أفضل اللحن الثاني من تلك المجموعة "الفيديو فوق". بإمكانك أيضا سماع نفس هذا اللحن على البيانو المنفرد هنا أو بمصاحبة الاوركسترا على هذا الرابط.

    Credits
    classicalarchives.com
    lisztsoc.org.uk
    pianostreet.com

    الأربعاء، يناير 15، 2014

    !رحلة إلى جهنّم

    في الليل، عندما تنظر إلى السماء من مكان مفتوح وبعيد عن زحام المدينة وأضوائها، سيدهشك كم أن هذا الكون رحب ولامُتناهٍ. مجرّة درب التبّانة، التي يتبع لها كوكبنا وتبعد عنّا حوالي 100 ألف سنة ضوئية، فيها وحدها ما يقرب من 200 بليون نجم على الأقل. والنجوم التي يمكننا أن نراها بسهولة في الليل تبعد عنّا 1000 سنة ضوئية. وهي، أي هذه النجوم، مجرّد قطرة صغيرة في بحر هذه المجرّة الهائلة.
    وستتذكّر أيضا كيف أن كوكبنا الأزرق الصغير، أي الأرض، يسبح في مساحة لا تحدّها حدود من النجوم والمجرّات والسُدُم والثقوب السوداء وغيرها من الأشياء والظواهر الغريبة. وكيف أنها، أي الأرض، تدور بطريقة أنيقة ومتوازنة حول نجمنا الأمّ، أي الشمس، في شكل من أشكال الرقص الذي بدأ منذ بلايين السنين وسيستمرّ حتى تستنفذ شمسنا وقودها بعد نحو 3 بلايين عام من الآن، كما يقول العلماء.
    على مدى قرون، ظلّ الناس ينظرون إلى السماء ويتساءلون عن الأضواء التي يرونها فيها. ثم سرعان ما لاحظوا أن الكثير من تلك الأضواء تتجوّل في السماء على فترات منتظمة. لذلك وصفوها "بالكواكب" أو "بلانيت"، وهي كلمة مشتقّة من اليونانية تعني "المتجوّل".
    وكان الناس في ذلك الوقت يعتقدون أن الأرض تقع في مركز الكون. وبالتالي، فإن تلك الأضواء التي تتحرّك في السماء لا بدّ وأن تكون رُسُلا أو مبعوثين إلى البشر من لدن الآلهة. ولهذا السبب أعطوها أسماءها السماوية التي تُعرف بها اليوم مثل عطارد والزهرة المرّيخ والمشتري وزحل وما إلى ذلك.
    وربّما تعيّن علينا أن نشكر غاليليو "أوّل من نظر إلى السماء ليلا من خلال تلسكوب" وكوبرنيكوس وإسحاق نيوتن ويوهانز كبلر وغيرهم من العلماء الشجعان الذين خاطروا بحياتهم كي يوسّعوا مداركنا ويفتحوا عقولنا على الكثير من حقائق وأسرار هذا الكون الفسيح والمدهش. هؤلاء هم الذين وضعوا نموذجا جديدا يشرح حركة الكواكب كما نفهمها اليوم ويضع الشمس في مركز النظام الشمسي. وبفضل دأبهم وجهدهم، نعرف الآن أن الأرض هي واحد من ثمانية كواكب وعدد هائل من الأقمار والأجرام الأخرى التي تدور حول الشمس.
    وأحد أكثر هذه الكواكب الثمانية البعيدة إثارة للاهتمام هو كوكب فينوس أو الزهرة الذي يمكننا رؤيته في السماء بالعين المجرّدة في بدايات المساء أو في الصباح الباكر. ولهذا السبب يُسمّى "نجمة المساء" وأحيانا "نجمة الصباح" بحسب الوقت الذي يُرى فيه. ومن السهل رصد الزهرة وتمييزه عن سواه من النجوم والكواكب، لأنه ثاني ألمع نجم في السماء بعد القمر. والسبب في لمعانه القويّ هو انه محاط بسحب سميكة جدّا تعكس ضوء الشمس.
    طبعا نعرف أن اسم الزهرة باللاتينية، أي "فينوس"، هو اسم إلهة الجمال والحبّ والخصوبة عند الرومان. وهو بالمناسبة الكوكب الوحيد بين كواكب المجموعة الشمسية الثمانية المسمّى على اسم أنثى. وربّما أطلق عليه هذا الاسم بسبب سطوعه الشديد. غير أن طبيعة وظروف هذا الكوكب تعطي انطباعا معاكسا لما يشير إليه اسمه لأسباب سيأتي شرحها بعد قليل.
    في الأيّام الأولى من عمر الزهرة الذي يمتدّ لحوالي أربعة بلايين عام، كان هذا الكوكب شبيها تماما بكوكب الأرض. الاثنان كانا متطابقين تقريبا في كلّ شيء، في الحجم وفي الكيمياء والجاذبية والكثافة. وبعبارة أخرى، تتألّف الزهرة تقريبا من نفس الموادّ التي على الأرض. والزهرة فيها براكين بالآلاف وجبال ورمال، مثل هذه التي نراها على الأرض. لذا لم يكن مستغربا أن يُوصف الزهرة بأنه الكوكب التوأم للأرض.
    ومع ذلك، إن كانت الأرض والزهرة توأمين، فإن الزهرة هي التوأم الشرّير الذي وقع له حادث ما رهيب جدّا أدّى إلى تغيير معالمه وخصائصه جذريّا. وعلى امتداد مئات الملايين من السنين، تسبّبت القوى على الكوكب في جعله يأخذ مسارا مختلفا تماما عن الأرض.
    ولأن الزهرة هو ثاني اقرب الكواكب إلى الشمس، فإن هذه الحقيقة لوحدها تسبّبت في سلسلة من الأحداث التي لم يكن ممكنا وقفها.
    وكان علماء الفلك، وإلى ما قبل نصف قرن فقط، لا يملكون أيّة فكرة عن طبيعة الزهرة. كانوا يعرفون مثلا أنه أقرب إلى الشمس من الأرض، وبالتالي اعتقدوا انه أكثر سخونة. لكن في أواخر سبعينات القرن الماضي، أجرى الروس لأوّل مرّة تحليلا للغلاف الجوّي للكوكب. وما اكتشفوه كان مذهلا. اكتشفوا أن الزهرة ليس أكثر سخونة من الأرض فحسب، وإنما أكثر وأشدّ سخونة بكثير.
    كما اكتشفوا أن غلافه الجوّي، الذي يتألّف كلّه تقريبا من ثاني أكسيد الكربون، أكثر سمكا بمائة مرّة من غلاف الأرض، أي انه يمنع بعضا من طاقة الشمس من التسرّب مرّة أخرى إلى الفضاء، ما يؤدّي بالتالي إلى رفع درجة حرارة الكوكب بما يجعله أكثر كواكب المجموعة الشمسية سخونةً على الإطلاق.
    من ناحية أخرى، نعرف أن لدى الأرض طبقة واقية تُعرف باسم طبقة الأوزون. هذا الدرع الحيويّ يحمي الأرض من الأشعّة فوق البنفسجية للشمس. الزهرة ليس فيها طبقة أوزون. ونتيجة لذلك، فإن الأشعّة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس تجد طريقها مباشرة إلى الغلاف الجوّي للكوكب.
    والآن تخيّل ما الذي يمكن أن يحدث لإنسان يضع قدميه على ارض هذا الكوكب الذي يبدو كما لو انه حُكم عليه إلى الأبد بهذا المصير الناريّ المريع.
    سوف يختنق في الحال بفعل هواء الزهرة المشبع بغاز ثاني أكسيد الكربون وسيتعرّض جسده للطهي في درجة حرارة تبلغ 460 درجة مئوية، أي بما يكفي لإذابة حتى القصدير والرصاص!

    والمشكلة أن درجة الحرارة على الزهرة ثابتة لا تتغيّر، سواءً كان الوقت ليلا أو نهارا وفي أيّة بقعة من الكوكب. وهذا معناه انه لا يوجد مكان ولا ملاذ آمن للاختباء من هذا الفرن الرهيب. ولأن الغلاف الجوّي يحتوي في معظمه على ثاني أكسيد الكربون، فإنه يجعل الزهرة مكانا شديد السُمّيّة. ومن ثمّ فإن فرص بقاء أيّ كائن حيّاً على سطح الكوكب تكاد تكون معدومة.
    وكما لو أن درجة الحرارة والضغط ونقص الأكسجين أمور غير كافية، فإن الزهرة يملك أيضا واحدا من أفتك الأسلحة المقاومة لأيّ شكل من أشكال الحياة، وهو حامض الكبريتيك الذي تتشكّل منه الغيوم الصفراء في سماء الكوكب.
    واقع الحال يقول إن الزهرة عالم عنيف وحمضي وسامّ وغير مضياف بالمرّة، على الرغم من اسمه الجميل. ومناخه، كما تقدّم، يتّسم بالتطرّف الشديد ودرجات الحرارة القصوى. غطاء السحاب على الزهرة يوفّر شفَقا غامضا وقاتلا. ولأن أمطاره حامضية، أي من النوع الذي يسبّب التآكل، فإن المسابير والمركبات الفضائية القليلة التي أرسلت إلى هناك لمسح سطح الكوكب باستخدام الرادار إمّا تحطّمت أو تعطّلت.
    في سبعينات القرن الماضي، استطاع الروس إنزال أكثر من مركبة على سطح الزهرة. وبعد بضع ساعات من هبوطها لحق بها التلف بفعل الحرارة الشديدة. لكن مركبات أخرى مثل "ماجلان" الأمريكية تمكّنت من التقاط العديد من الصور للكوكب وأرسلتها إلى الأرض كي يدرسها العلماء.
    المعروف أن الزهرة يبعد عن الأرض 42 مليون كيلومتر، وعن الشمس حوالي 108 ملايين كيلومتر. وقد قطعت المركبة الأمريكية مارينر 2 هذه المسافة وصولا إلى الزهرة في 110 أيّام بالتمام والكمال.
    في عالم الزهرة الجهنّمي لا يوجد الكثير من التضاريس المتنوّعة. أفق الكوكب يفتح على منظر صخور وتلال، بينما لا اثر لأيّ رطوبة على سطحه. ويقول العلماء إن سطح الكوكب كان في ما مضى عبارة عن مستنقع رطب يمتلئ بأشكال الحياة الغريبة.
    وطبقا لبعض الدراسات، يحتوي الزهرة أيضا على عدد كبير من البراكين. وليس معروفا على وجه اليقين عددها. ولكن يُحتمل أن براكين الزهرة تتجاوز عدد ما هو موجود في أيّ من الكواكب الأخرى في نظامنا الشمسي. ولكن على عكس البراكين الموجودة على الأرض والتي يمكن أن تندلع أحيانا بطريقة متفجّرة، فإن البراكين على الزهرة تتفجّر بطريقة أقلّ عنفا حيث تتدفّق الحمم أو اللافا ببطء نحو السطح.
    ويوجد في الزهرة ستّ مناطق جبلية تتمدّد فوق حوالي ثلث مساحته. وهناك فجوات ودلائل أخرى تشير إلى أن سطحه تحرّك منذ دهور سحيقة، تماما مثلما يتحرّك سطح الأرض اليوم. ولكن خلافا لما هو حال الأرض، ليس هناك من دليل على أن في الزهرة نظام صفائح تكتونية كالأرض.
    ممّا لا شكّ فيه أن الزهرة يوفّر حالة متطرّفة بين جميع الكواكب. موقعه في نظامنا الشمسي يستحقّ الدراسة لأنه موجود خارج منطقة الكواكب المثلى، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الكواكب التي يمكن أن يوجد بها ماء في شكله السائل، وبالتالي تزداد فرص وجود حياة فيها.
    والزهرة هو مجرّد مثال واحد على البيئات الفريدة والمتنوّعة لنظامنا الشمسي. وهو يخبرنا كم يجب أن نشعر بأننا محظوظون لأن كوكبنا الأزرق وجد مكانه المناسب ضمن عائلة الشمس.
    كما أن ظروف هذا الكوكب تذكّرنا بالآثار المدمّرة لما يُسمّى "الاحتباس الحراري" أو "الدفيئة" الذي خبرناه وما نزال على الأرض، حيث لا يمكن أن تنعكس أشعّة الشمس باتجاه الفضاء، وبدلا من ذلك تلفح السطح بحرارتها المهلكة.
    ولو قُدّر لك وذهبت يوما إلى الزهرة ووجدت طريقة أو وسيلة ما للنجاة من حرارة الشمس المحرقة على سطحه، فسرعان ما ستلاحظ شيئا غريبا. فبسبب أن الزهرة يدور ببطء شديد حول محوره، فإن يوما واحدا فيه يعادل 244 يوما من أيّام الأرض. ولأنه يدور حول الشمس مرّة كلّ 225 يوما، فإن اليوم الواحد فيه أطول من سنة! كما أن الزهرة يدور إلى الخلف، أي على عكس جميع كواكب المجموعة الشمسية التي تدور بعكس اتجاه عقارب الساعة.
    وستلاحظ أيضا أن الشمس تشرق في سماء الزهرة من الغرب وتغرب في الشرق، وأن مسيرها في السماء منذ أن تشرق إلى أن تغرب يستغرق 117 يوما من أيّام الأرض. العلماء يعزون هذا التغيّر في سرعة واتجاه دوران الزهرة إلى احتمال أن يكون الكوكب ارتطم بجرم ضخم قد يكون نيزكا أو مذنّبا أو كوكبا آخر في وقت مبكّر من تشكّل الكون، أي قبل بلايين السنين.
    الآن بعد أن عرفنا أن الزهرة هو أسخن كوكب في النظام الشمسيّ، ترى هل هناك مكان ما أكثر سخونة منه في الكون؟ الإجابة نعم. وهذا المكان هو أقرب ما يكون إلى الجحيم المتخيّل ويقع في مدار حول كوكب المشتري، وبالتحديد على سطح قمر يُدعى آيو يبعد عن الأرض مسافة 400 مليون ميل. هذا المكان المعذّب ينوء وبشكل مستمرّ تحت ثقل الجاذبية الهائلة للمشتري والتي تجعله يبدو ملتويا ومتوتّرا.
    ونتيجة لذلك، فإن باطن هذا القمر يسخن وتتشكّل فيه كميّات هائلة من الصخور الذائبة والموادّ المنصهرة التي تثور باتجاه السطح على هيئة تشقّقات وبراكين يمكن أن تبلغ حرارتها أكثر من 1000 درجة مئوية.
    العلماء يعتقدون أن القمر آيو هو الجرم الأكثر نشاطا بركانيّا في النظام الشمسي كلّه. وهو مغطّى بتدفّقات كبيرة من الكبريت والحمم ذات الألوان الزاهية. وفوق كلّ هذا الجحيم، يستحمّ آيو في حِزَم من الإشعاع القاتل المنبعث من المشتري.