المشاركات

إزرع حديقتك

صورة
قلَّ أن تمتّع كاتب بشهرة كبيرة في حياته بمثل ما تمتّع ڤولتير. روايته الفلسفية الساخرة "كانديد"، أو التفاؤل، كانت أشهر رواية ظهرت في القرن الثامن عشر. والغريب أنه كتبها في ثلاثة أيّام فقط من عام 1759. وقتها كان فيلسوف عصر الأنوار الفرنسي في ذروة تشاؤمه وغضبه. فقد رأى أن العلم لم يؤدِّ إلى تحسين العالم، بل أعطى قوّة إضافية لقوى الاستبداد والفساد، وأن الفلسفة لم تنجح في تفسير مشكلة الشرّ في العالم، بل استُخدمت لإظهار مباهاة وغرور الإنسان. كان ڤولتير يرى أيضا أن الحبّ وهم والبشر أشرار والمستقبل عدَم. وفي تلك الظروف ألّف رواية "كانديد" ليقدّم من خلالها رؤيته عن حال المجتمع والأفكار والنظريات التي طرحها معاصروه. "كانديد"، بطل الرواية، شابّ متفائل جدّا. وأستاذه الذي علّمه التفاؤل فيلسوف يُدعى بانغلوس. وشخصية الأخير يوظّفها ڤولتير للسخرية من أفكار الفيلسوف الألماني لايبنتز الذي كان يرى أن عالمنا هو أفضل العوالم لأن الله خلقه. وكانديد وأستاذه يسافران في أرجاء العالم فتُحدِق بهما المصائب أينما حلّا. فيشهدان، مثلا، هزّة أرضية في البرتغال، ويطارَدان ف...

جماليات النستعليق

صورة
كنت على الدوام شغوفا بالخطّ العربي، ولطالما نظرت إلى العديد من نماذجه متأمّلا ومستحسنا ومتمنّيا بنفس الوقت لو أنني أتقنها. وعلى مرّ سنوات، تعلّمت بعض أنواع الخط، كالرقعة والنسخ والديواني. لكن الخطّ الذي أحببته أكثر من غيره، وهو النستعليق، بدا لي دائما متمنّعا وبعيدا وصعبا. لكن لأن الاهتمام موجود والرغبة في التعلّم متوفّرة، فقد بدأت تعلّمه وما أزال أتعلّم. وأطمح في المزيد من التجويد والإتقان الى أن أتقنه بمثل ما أتقنه الخطّاط الذي أبدع النموذجين المرفقين هنا. وهذا يتأتّى بالمزيد من المران والتدريب. وقد لاحظت أن قواعد الكتابة بهذا الخط دقيقة وصارمة، بحيث لا تسمح بالكثير من التجريب والاجتهاد بعد أن استقرّت منذ حوالي ثمانمائة عام. ومن خلال التجربة، اكتشفت أن على من يريد إتقان هذا الخط ألا يخلط بينه وبين الخطّ الديوانيّ. وقد وقعت في نفس هذا الخطأ في البداية، لكن سرعان ما عدّلته واتبعت القواعد الأصلية. خطّ النستعليق فيه الكثير من الفنّ والشاعرية والإبداع. وإن أردت أن تتأكّد من هذا فما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة على المخطوطات القديمة المكتوبة بهذا الخطّ ومعظمها من ...

ميلودراما يان ستين

صورة
في تاريخ الرسم، هناك مرحلة اتّفق مؤرّخو الفنّ على تسميتها بالعصر الذهبيّ للرسم الهولندي والذي امتدّ طوال القرن السابع عشر. والحقيقة انه ليس من السهل أن يعجب المرء اليوم بالكثير من الفنّ الذي أُنتج خلال تلك الفترة. وهناك الآن منه الكثير في المتاحف وفي المجموعات الفنّية الخاصّة. ومعظمه عصيّ على الفهم بمعايير هذه الأيّام. لكن بطبيعة الحال فإن رمبراندت وفيرمير، وإلى حدّ ما هولس، يُعتبرون متميّزين عن غيرهم. ثم هناك تيربورش الذي يجبرك على أن تتوقّف أمام لوحاته لتتأمّل تفاصيلها وألوانها المدهشة. وهناك اسم خامس هو يان ستين الذي يبدو انه ما يزال يتمتّع حتى اليوم بحضور لافت بدليل المعارض التي تقام لأعماله من وقت لآخر. تفاصيل لوحاته المرحة والمليئة بالحياة لا بدّ وأن تدفع كلّ من يراها للابتسام، مع أن المرح سمة نادرة في الرسم عموما. ربّما كان الناس في الماضي يظنّون أن كون الفنّان مرحا ينزع عنه لباس الوقار والجدّية ويجرّده من العظمة. غير أن العصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ أنتج عددا كبيرا من الفنّانين الهزليين. وما من شك في أن سخريّتهم التي تُشيع السعادة هي من بين انجازات ذلك العصر. ...

صور من العصر الجليدي الصغير

صورة
كان الرسّام هندريك ايفركامب (1585-1634) المعلّم الذي لا ينافَس في رسم مناظر الثلج. وقد أرست صوره المعايير الأساسية لتصوير الحياة على الثلج في رسوم الطبيعة الهولندي خلال القرن السابع عشر. لوحته الموسومة (طبيعة شتوية مع متزلّجين) من عام 1608 هي مثال على براعته وإتقانه. والأشخاص الذين يظهرون فيها ينتمون لمختلف طبقات المجتمع الهولندي. وجميعهم منهمكون في كافة أنواع الأنشطة التي يمكن تخيّلها ويمكن أن تمارَس على الجليد. فالأطفال يتقاذفون كرات الثلج في ما بينهم والفلاحون يبحثون عن طعام إضافي يردّ عنهم غائلة الجوع الذي كان مألوفا وقتها في الشتاء، ووسيلتهم في ذلك نصب الفِخاخ لاصطياد الطيور. وفي اللوحة أيضا نرى الماء يُحمَل في دلاء من حفرة. وكلّ شيء ممتزج بتناغم وحميمية في الأجواء الشتوية للأراضي المنخفضة خلال ما عُرف بالعصر الجليديّ الصغير. وطبقا للمؤرّخين، فإن ذلك العصر يغطّي الفترة من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، حيث كانت درجات الحرارة في أوربّا اشدّ انخفاضا بكثير مما هي عليه هذه الأيّام وكانت أيّام الشتاء وقتها أطول وأشدّ قسوة. وبشكل عام تأثّرت الحياة بقوّة بهذه الظ...

سفينة الأغبياء

صورة
في عام 1494، اصدر كاتب ألماني يُدعى سيباستيان برانت كتابا بعنوان "سفينة الأغبياء". كان برانت، مثل الكثيرين من معاصريه، يعتقد أن نهاية العالم وشيكة وأن عودة المسيح إلى الأرض تتطلّب من البشر أن يتوبوا وينبذوا ما يغضب الخالق. وقد حاول في كتابه ذاك أن يشرح أسباب سلوك البشر في عالم ساقط، وعزا ذلك في الأساس إلى غباء البشر وبعدهم عن الله. أما السفينة التي يتحدّث عنها في كتابه فهي سفينة بلا ربّان، وركابها الذين يُفترض أنهم مبحرون باتجاه مكان خيالي يُسمّى ناراغونيا أو جنّة الأغبياء، فيبدون تائهين وغير مبالين بالاتجاه الذي يسلكونه. وفي القرن التالي، أي السادس عشر، أصبح موتيف سفينة الأغبياء يُستخدم للسخرية من الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تقدّم نفسها للناس باعتبارها سفينة الخلاص. لكن مفهوم السفينة يعود إلى زمن أقدم بكثير. ففي كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، يناقش سقراط أساليب الحكم الرشيد ويسوق أمثولة عن سفينة قبطانها أقوى من بقيّة البحارة، لكنه أصمّ قليلا ونظره ضعيف ومعرفته بالبحر ليست كافية. لذا ينشأ بين البحّارة جدل حول المسار الذي ينبغي أن تسلكه السفينة وكلّ منهم يزعم...

وصايا موساشي

صورة
كان مياموتو موساشي محارب ساموراي مشهورا. كما كان فيلسوفا وكاتبا وخبيرا استراتيجيا ورسّاما ترك تحفا كثيرة في الرسم الكلاسيكي اليابانيّ وفي فنّ الخطّ. عاش موساشي في القرن السادس عشر. وهو معروف خاصّة بكتابه المسمّى "الخواتم الخمسة" الذي ضمّنه آراءه في الاستراتيجيا والفلسفة. وما يزال الكتاب يُدرّس حتى اليوم. ويقال انه في أخريات حياته وبعد أن تدهورت صحّته انتقل للعيش في كهف بأحد الجبال لكي ينجز الفصول الأخيرة من ذلك الكتاب الذي ضمّنه أيضا بعض الإرشادات الضرورية عن كيف يتحكّم الإنسان في مشاعره وانفعالاته ويعيش حياة سعيدة بقدر الإمكان. السطور التالية عبارة عن ملخّص لتلك القواعد والتوصيات.. أوّلا: إقبل كلّ شيء تاتي به الحياة. فالقبول هو أهمّ موقف لمواجهة تحدّيات العيش. والقبول حالة ذهنية لا توصلك إلى أيّة وجهة، بل تدرّب عقلك على أن تكون متسامحا مع أيّ شيء قد تجلبه لك الحياة. والقبول ليس اللامبالاة أو السلبية ولا الاستسلام أو عدم المحاولة، بل هو ببساطة قبول الأشياء دون أن تحكم عليها بالسلب أو الإيجاب. ثانيا: لا تتوقّع أن تكون سعيدا دائما. فالمشاعر والظروف لا تدوم إل...

الموسيقى كَشِعر

صورة
الموسيقى الانطباعية هي حقبة في تاريخ الموسيقى تمتدّ من حوالي عام 1880 إلى عام 1920. ورغم أنها في الأساس ظاهرة فرنسية، إلا أنها اتّسعت بعد ذلك لتشمل كلا من انجلترا وإيطاليا والولايات المتّحدة. بالتأكيد سمع معظمنا بأسماء رسّامين مثل مونيه ورينوار وسيسلي وكميل كورو وميري كاسات. وهؤلاء كانوا يعرضون لوحاتهم في باريس في بدايات القرن الماضي، وكانت تحظى بإعجاب قطاع لا بأس به من الجمهور. في تلك الفترة، كان يعيش في باريس شعراء كانوا يسمَّون بالشعراء الرمزيين، مثل شارل بودلير وبول فيرلين وستيفان مالارميه. وأشعار هؤلاء، بالإضافة إلى رسومات مونيه ورفاقه، تحوّلت إلى مادّة استلهم منها الموسيقيون الانطباعيون أفكارا لموسيقاهم. وأشهر هؤلاء الموسيقيين كان كلود ديبوسي الذي يُعزى إليه الفضل في تأسيس الموسيقى الانطباعية. لكن كان هناك موسيقيون آخرون ساروا على نهجه، مثل موريس رافيل مؤلّف موسيقى بوليرو المشهورة، وغابرييل فوريه الذي ألّف قطعا جميلة مثل النشيد الجنائزي ، بالإضافة إلى الموسيقيّ الايطاليّ ارتورو ريسبيغي. لكن بطبيعة الحال فإن أشهر هؤلاء كان ديبوسي. والناس يتذكّرونه بمؤلّفاته المشه...