أزهار الخوخ
في إحدى قصائده المشهورة، يروي الشاعر الصيني تاو يوان مينغ، من القرن الرابع الميلادي، حكاية متخيّلة عن أرض مثالية يعيش فيها الناس في مجتمع خالٍ من المطالب السياسية والصراعات المسلّحة والطبقات الاجتماعية.
وتذكر القصيدة أنه في عهد سلالة جين الصينية، عاش رجل يكسب رزقه من صيد السمك. وذات يوم، وبينما كان يتتبّع مجرى النهر، لم يدرك إلى أيّ مدى وصل. وفجأة، صادف حديقة لأزهار الخوخ تمتدّ على ضفّتي النهر بمئات الأقدام. ولاحظ أن بتلات الأزهار الزاهية والعطرة تساقطت بغزارة في كلّ مكان. واعتبر الصيّاد المكان غريبا، فواصل سيره ليرى إلى أيّ مدى يمكنه الوصول.
وعندما بلغ منبع النهر، اختفى بستان أشجار الخوخ ووجد الصيّاد نفسه أمام جبل به كهف صغير يتسلّل من خلاله الضوء. فترك قاربه ودخل الكهف. في البداية، كان الكهف ضيّقا ويصعب المرور من خلاله، ولكن بعد أن تقدّم قليلا، اتّسع المشهد فجأة ليكشف عن عالم آخر مختلف: أرض منبسطة، حقول خصبة، وبرك وأشجار توت وخيزران وغيرها.
ورأى الصيّاد مسارات ممتدّة في كلّ اتجاه عبر الحقول، وسمع أصوات دجاج وكلاب. ثم ظهر رجال ونساء يعملون في الحقول ويرتدون ملابس زاهية. وبدا الكبار والصغار سعداء وهم يستمتعون بوقتهم.
يصف الشاعر طبيعة ذلك المكان فيقول: بدا وكأن كلّ شيء قد استيقظ للتوّ. كانت الجبال مشرقة والمياه متدفّقة والشمس تعلوها حمرة. العشب ينبثق من التربة بخفّة، طريّا أخضر. وفي الحدائق والحقول الشاسعة، يجلس الناس ويستلقون ويلعبون، بينما تهبّ الرياح برفق ويتمايل العشب بهدوء.
أشجار الخوخ في أوج نموّها. حمراء كالنار، وردية كالغيوم، بيضاء كالثلج، تنشر الازهار شذاها في كلّ مكان. وتبدو الأشجار مليئة بالثمار. مئات النحل تحوم فوق الزهور، وفراشات من كلّ شكل ولون ترفرف بأجنحتها. الزهور البرّية في كلّ مكان. حتى ناي الراعي يصدح بألحان شجيّة طوال اليوم".
ويضيف: هنا يهطل المطر ليومين أو ثلاثة. وطبقة رقيقة من الضباب تغطّي أسطح المنازل. أما أوراق الشجر فخضراء زاهية دوما. في المساء، تضاء الأنوار ويغطّي وهج أصفر خافت البيوت في هدوء الليل. وعلى الطرق الصغيرة والجسور الحجرية، يتجوّل الناس تحت المظلّات، ويعمل المزارعون في الحقول، بينما أكواخهم القشّية المتناثرة تقبع بصمت تحت المطر".
ثم تذكر القصيدة أنه عندما رأى أهل تلك الناحية الصيّاد اندهشوا من وجوده وسألوه من أين قَدِم. فأخبرهم. ثم دعوه إلى بيوتهم وأحضروا النبيذ وذبحوا الدجاج وأعدّوا وليمة. وسمع بعض القرويين الآخرين عن الصيّاد الغريب فجاءوا ليسألوه. ثم قالوا له: لتجنّب فوضى ومآسي الحرب في عهد أسرة تشين، أخذ أجدادنا عائلاتهم وجيرانهم إلى هذا المكان النائي ولم يغادروه قطّ منذ ذلك الحين، لذا انقطعت صلتنا بالعالم الخارجي".
ثم سألوا الصيّاد عن الامبراطور الحالي، فأخبرهم بكلّ ما يعرفه. ثم دعا الصيّادَ قرويون آخرون إلى منازلهم وقدّموا له الطعام والشراب. وبعد أن أمضى عدّة أيّام في ضيافتهم، استأذن منهم في الرحيل، فقال له بعضهم: لا بأس، لكن حاول ألا تخبر الناس في الخارج عنّا أو عن أرضنا".
في تلك الأرض عاش مجتمع من الناس السعداء. كان أسلافهم قد هربوا من الاستبداد والحروب إلى تلك البقعة الجميلة والمخفيّة. وهناك عاشوا وعملوا معا في وئام، حيث لا حروب ولا كراهية ولا اضطهاد ولا حتى ضرائب.
وتذكر القصيدة أنه في عهد سلالة جين الصينية، عاش رجل يكسب رزقه من صيد السمك. وذات يوم، وبينما كان يتتبّع مجرى النهر، لم يدرك إلى أيّ مدى وصل. وفجأة، صادف حديقة لأزهار الخوخ تمتدّ على ضفّتي النهر بمئات الأقدام. ولاحظ أن بتلات الأزهار الزاهية والعطرة تساقطت بغزارة في كلّ مكان. واعتبر الصيّاد المكان غريبا، فواصل سيره ليرى إلى أيّ مدى يمكنه الوصول.
وعندما بلغ منبع النهر، اختفى بستان أشجار الخوخ ووجد الصيّاد نفسه أمام جبل به كهف صغير يتسلّل من خلاله الضوء. فترك قاربه ودخل الكهف. في البداية، كان الكهف ضيّقا ويصعب المرور من خلاله، ولكن بعد أن تقدّم قليلا، اتّسع المشهد فجأة ليكشف عن عالم آخر مختلف: أرض منبسطة، حقول خصبة، وبرك وأشجار توت وخيزران وغيرها.
ورأى الصيّاد مسارات ممتدّة في كلّ اتجاه عبر الحقول، وسمع أصوات دجاج وكلاب. ثم ظهر رجال ونساء يعملون في الحقول ويرتدون ملابس زاهية. وبدا الكبار والصغار سعداء وهم يستمتعون بوقتهم.
يصف الشاعر طبيعة ذلك المكان فيقول: بدا وكأن كلّ شيء قد استيقظ للتوّ. كانت الجبال مشرقة والمياه متدفّقة والشمس تعلوها حمرة. العشب ينبثق من التربة بخفّة، طريّا أخضر. وفي الحدائق والحقول الشاسعة، يجلس الناس ويستلقون ويلعبون، بينما تهبّ الرياح برفق ويتمايل العشب بهدوء.
أشجار الخوخ في أوج نموّها. حمراء كالنار، وردية كالغيوم، بيضاء كالثلج، تنشر الازهار شذاها في كلّ مكان. وتبدو الأشجار مليئة بالثمار. مئات النحل تحوم فوق الزهور، وفراشات من كلّ شكل ولون ترفرف بأجنحتها. الزهور البرّية في كلّ مكان. حتى ناي الراعي يصدح بألحان شجيّة طوال اليوم".
ويضيف: هنا يهطل المطر ليومين أو ثلاثة. وطبقة رقيقة من الضباب تغطّي أسطح المنازل. أما أوراق الشجر فخضراء زاهية دوما. في المساء، تضاء الأنوار ويغطّي وهج أصفر خافت البيوت في هدوء الليل. وعلى الطرق الصغيرة والجسور الحجرية، يتجوّل الناس تحت المظلّات، ويعمل المزارعون في الحقول، بينما أكواخهم القشّية المتناثرة تقبع بصمت تحت المطر".
ثم تذكر القصيدة أنه عندما رأى أهل تلك الناحية الصيّاد اندهشوا من وجوده وسألوه من أين قَدِم. فأخبرهم. ثم دعوه إلى بيوتهم وأحضروا النبيذ وذبحوا الدجاج وأعدّوا وليمة. وسمع بعض القرويين الآخرين عن الصيّاد الغريب فجاءوا ليسألوه. ثم قالوا له: لتجنّب فوضى ومآسي الحرب في عهد أسرة تشين، أخذ أجدادنا عائلاتهم وجيرانهم إلى هذا المكان النائي ولم يغادروه قطّ منذ ذلك الحين، لذا انقطعت صلتنا بالعالم الخارجي".
ثم سألوا الصيّاد عن الامبراطور الحالي، فأخبرهم بكلّ ما يعرفه. ثم دعا الصيّادَ قرويون آخرون إلى منازلهم وقدّموا له الطعام والشراب. وبعد أن أمضى عدّة أيّام في ضيافتهم، استأذن منهم في الرحيل، فقال له بعضهم: لا بأس، لكن حاول ألا تخبر الناس في الخارج عنّا أو عن أرضنا".
في تلك الأرض عاش مجتمع من الناس السعداء. كان أسلافهم قد هربوا من الاستبداد والحروب إلى تلك البقعة الجميلة والمخفيّة. وهناك عاشوا وعملوا معا في وئام، حيث لا حروب ولا كراهية ولا اضطهاد ولا حتى ضرائب.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
عبَر الصيّاد الفتحة التي دخل منها ووجد قاربه ومضى في رحلة الخروج، ورسم مساره بعناية تاركاً وراءه أثرا كي يعثر على الطريق إذا ما حدّثته نفسه بالعودة ثانية الى تلك الأرض السرّية. وعندما وصل إلى المدينة، غلبه الفضول فذهب إلى الحاكم وأخبره بما حدث له. فأرسل الأخير على الفور شخصا ليتبع الصيّاد ويبحثا معا عن أثر الطريق الى تلك البقعة، فسارا وفقا للعلامات التي كان قد رسمها. لكنهما ضلّا طريقهما ولم يتمكّنا من العثور على شيء.
وسمع أحد النبلاء عن القصّة، فقرّر أن يغامر بالذهاب إلى المكان المجهول، لكنه مرض ومات أثناء الرحلة. ومنذ ذلك الحين، لم يهتمّ أحد بمحاولة العثور على المكان.
هذه القصيدة/القصّة، بأسلوبها المباشر ولغتها البسيطة، أرست تقاليد الأدب الطوباوي في الصين. كما أثارت خيال أجيال من المبدعين، وأعاد روايتها أدباء كثر بأشكال مختلفة. وأحيانا كان بعضهم يضيفون إلى رواية تاو يوان مينغ عنصرا خارقا للطبيعة بمنحهم الخلود لسكّان ذلك العالم الأثيري.
لكن الشاعر يخبرنا بأن اليوتوبيا في نهاية المطاف حالة ذهنية لا وجود لها في العالم الخارجي: عندما يكون القلب منعزلاً، أي حرّا ومنفصلا عن العالم القذر، فإنه يخلق معتزله الخاص".
الكثيرون يعتبرون تاو يوان مينغ سلَفا للشعراء المنعزلين ومؤسّسا لمدرسة الشعر الرعوي، وأوّل عملاق أدبيّ في جيانغ تشي. وقد شغل زمناً منصب كبير الكهنة وتولّي القضاء في مقاطعته. لكنه استقال بعد ذلك بفترة قصيرة ليتقاعد في الريف.
ومع أن قصيدته هذه تحكي عن جنّة خيالية، إلا أن تصويره للمَشاهد والوقائع الخيالية يُضفي شعورا بالواقعية، وكأن الناس والأحداث موجودة بالفعل. كما أن النصّ نابض بالحياة وموجز وخالد.
ومن خلال تصويره لحياة الناس الهادئة والسعيدة والحرّة والمتساوية في ذلك المكان، يعبّر الكاتب عن استيائه من واقع عصره وعن سعيه لحياة أفضل في مكان متناغم وخالٍ من الصراعات.
كان لقصائد تاو يوان مينغ تأثير كبير على الشعر اللاحق في عهد أسرتي تانغ وسونغ. نضارة صوره وقيمه البسيطة، وإن كانت تتطلّع إلى الجنّة، وحبّه الراسخ للحياة الريفية، تتجلّى من خلال كلماته. يقول في قصيدة أخرى بعنوان "العودة الى الحقول":
شيّدت كوخي في منطقة مأهولة بالبشر، ومع ذلك لا يُسمع بالقرب منّي ضجيج عربة ولا حصان. أقطف الأقحوان من تحت السياج الشرقي، ثم أحدّق طويلا في تلال الصيف البعيدة. هواء الجبل منعش في النهار، تعود الطيور المحلّقة أزواجا. في هذه الأشياء يكمن معنى عميق، ومع ذلك عندما نريد التعبير عنه، تخوننا الكلمات".
ويقول في مقطع آخر من نفس القصيدة:
عندما كنت صغيرا، لم أكن متناغما مع الآخرين. كان حبّي الوحيد التلال والجبال. ودون أن أقصد، سقطتُ في غبار العالم. ولم أصبح حرّا حتى بلغت الثلاثين. يتوق الطائر المهاجر إلى الغابة القديمة. تفكّر أسماك الحوض في بركتها الأصلية. ما زلت ريفيّا، عدت إلى الحقل والحديقة".
ويضيف: كوخي مسقوف بالقشّ، وحوله أشجار دردار وصفصاف وبرقوق وخوخ. ينبح كلب في مكان ما بين الأزقّة. ويصيح ديك في أعلى شجرة توت. لا شيء من غبار العالم هنا. في الغرف الفارغة راحة وسكون عميق. عشت طويلا مقيّدا بقضبان القفص. الآن أعود مرّة أخرى إلى الطبيعة والحرّية."
وسمع أحد النبلاء عن القصّة، فقرّر أن يغامر بالذهاب إلى المكان المجهول، لكنه مرض ومات أثناء الرحلة. ومنذ ذلك الحين، لم يهتمّ أحد بمحاولة العثور على المكان.
هذه القصيدة/القصّة، بأسلوبها المباشر ولغتها البسيطة، أرست تقاليد الأدب الطوباوي في الصين. كما أثارت خيال أجيال من المبدعين، وأعاد روايتها أدباء كثر بأشكال مختلفة. وأحيانا كان بعضهم يضيفون إلى رواية تاو يوان مينغ عنصرا خارقا للطبيعة بمنحهم الخلود لسكّان ذلك العالم الأثيري.
لكن الشاعر يخبرنا بأن اليوتوبيا في نهاية المطاف حالة ذهنية لا وجود لها في العالم الخارجي: عندما يكون القلب منعزلاً، أي حرّا ومنفصلا عن العالم القذر، فإنه يخلق معتزله الخاص".
الكثيرون يعتبرون تاو يوان مينغ سلَفا للشعراء المنعزلين ومؤسّسا لمدرسة الشعر الرعوي، وأوّل عملاق أدبيّ في جيانغ تشي. وقد شغل زمناً منصب كبير الكهنة وتولّي القضاء في مقاطعته. لكنه استقال بعد ذلك بفترة قصيرة ليتقاعد في الريف.
ومع أن قصيدته هذه تحكي عن جنّة خيالية، إلا أن تصويره للمَشاهد والوقائع الخيالية يُضفي شعورا بالواقعية، وكأن الناس والأحداث موجودة بالفعل. كما أن النصّ نابض بالحياة وموجز وخالد.
ومن خلال تصويره لحياة الناس الهادئة والسعيدة والحرّة والمتساوية في ذلك المكان، يعبّر الكاتب عن استيائه من واقع عصره وعن سعيه لحياة أفضل في مكان متناغم وخالٍ من الصراعات.
كان لقصائد تاو يوان مينغ تأثير كبير على الشعر اللاحق في عهد أسرتي تانغ وسونغ. نضارة صوره وقيمه البسيطة، وإن كانت تتطلّع إلى الجنّة، وحبّه الراسخ للحياة الريفية، تتجلّى من خلال كلماته. يقول في قصيدة أخرى بعنوان "العودة الى الحقول":
شيّدت كوخي في منطقة مأهولة بالبشر، ومع ذلك لا يُسمع بالقرب منّي ضجيج عربة ولا حصان. أقطف الأقحوان من تحت السياج الشرقي، ثم أحدّق طويلا في تلال الصيف البعيدة. هواء الجبل منعش في النهار، تعود الطيور المحلّقة أزواجا. في هذه الأشياء يكمن معنى عميق، ومع ذلك عندما نريد التعبير عنه، تخوننا الكلمات".
ويقول في مقطع آخر من نفس القصيدة:
عندما كنت صغيرا، لم أكن متناغما مع الآخرين. كان حبّي الوحيد التلال والجبال. ودون أن أقصد، سقطتُ في غبار العالم. ولم أصبح حرّا حتى بلغت الثلاثين. يتوق الطائر المهاجر إلى الغابة القديمة. تفكّر أسماك الحوض في بركتها الأصلية. ما زلت ريفيّا، عدت إلى الحقل والحديقة".
ويضيف: كوخي مسقوف بالقشّ، وحوله أشجار دردار وصفصاف وبرقوق وخوخ. ينبح كلب في مكان ما بين الأزقّة. ويصيح ديك في أعلى شجرة توت. لا شيء من غبار العالم هنا. في الغرف الفارغة راحة وسكون عميق. عشت طويلا مقيّدا بقضبان القفص. الآن أعود مرّة أخرى إلى الطبيعة والحرّية."
Credits
archive.org
archive.org
