قصّة الشاه شُجاع


كان شاه شجاع دُرّاني (1785-1842) حاكما على هيرات وبيشاور من عام 1798 إلى عام 1801. ثم أعلن نفسه ملكا على أفغانستان في أكتوبر 1801، لكنه لم يعتلِ العرش رسميّا إلا في 13 يوليو 1803.
وفي يونيو 1809، أُطيح به على يد سلفه شاه محمود، وعانى فترة طويلة من الإذلال والنفي. وزاد ترحاله خطورةً لأنه كان يحمل معه أثمن جوهرة في العالم، ماسة كوهنور، التي انتقلت اليه من أخيه شاه زمان. وكان المنجّمون يزعمون، ولا زالوا، أن الماسة ملعونة إذا امتلكها حاكم ذكر.
بحسب المؤرّخ وليام دالريمبل، زار شجاع لعدّة أشهر مجالس حلفائه، طالبا مساعدتهم في استعادة مملكته وعزل محمود ومؤيّديه. وفي إحدى الليالي، دعاه أحد رجال البلاط السابقين للإقامة في قلعة أتوك الحصينة التي تحرس المعبر الرئيسي فوق نهر السند. وهناك، دُعي شجاع للمشاركة في حفلة خاصّة حضروها آخرون، حيث قدّموا له بطّيخاً وبدأوا يتبادلون رمي قشور البطّيخ على بعضهم البعض.
لكن المزاح تحوّل، شيئا فشيئا، إلى ازدراء ووقاحة، وسرعان ما وجد شاه شجاع نفسه معتقلا. احتُجز أوّلا في أتوك، ثم نُقل تحت رقابة مشدّدة إلى كشمير، حيث وُضع سجينا في حصن وتُرك معصوب العينين لأيّام. وفي إحدى المرّات، اقتاده حارسه إلى نهر السند، ويداه مقيّدتان، ثم هدّده بالموت إن لم يسلّمه الماسة الشهيرة. وفي تلك الأثناء، كانت زوجته وفاء بيغوم تعمل بإخلاص لإخراجه من محبسه.
كانت الزوجة، بعد هزيمة زوجها، قد توجّهت إلى لاهور، حيث تولّت بنفسها التفاوض مع مهراجا السيخ رانجيت سنغ المعروف بـ "أسد البنجاب"، وعرضت عليه ماسة كوهنور إن هو ساعد في إطلاق سراح زوجها من السجن. وقد وافق سنغ على شروطها. وفي ربيع عام 1813، أرسل الزعيم السيخي حملة إلى كشمير هزمت الحاكم الذي كان يحتجز شجاع وحرّرته من سجنه.
ثم اصطحب رانجيت سنغ شجاع إلى لاهور. وهناك فُصل عن حريمه ووُضع تحت الإقامة الجبرية، وأُمر بتنفيذ وعد زوجته بتسليم الماسة. وكتب شجاع في مذكّراته فيما بعد: أُسكنَت سيّدات حريمنا في قصر آخر، ولم يكن لنا للأسف أيّ سبيل للوصول إليه. وخُفضت حصص الطعام والماء أو قُطعت بشكل تعسّفي، ومُنع خدمنا أحيانا من ممارسة أعمالهم في المدينة".
اعتبر شجاع هذا خرقا لقواعد الضيافة. وكتب: كان هذا مظهرا من مظاهر سوء الأدب الفظ". ووصف رانجيت سنغ، "خاطفه الأعور"، بأنه "مبتذل ومتسلّط وقبيح ودنيء الطباع".
زاد رانجيت سنغ من ضغوطه. وفي أحلك لحظات حياته، وُضع شجاع في قفص، وحسب روايته، تعرّض ابنه الأكبر الأمير تيمور للتعذيب أمامه حتى وافق على التخلّي عن أثمن ممتلكاته. وفي مستهلّ يونيو 1813، وصل رانجيت سنغ شخصيّا إلى قصر هافيلي في قلب المدينة المسوّرة.
واستقبله شجاع بكلّ وقار، وبعد أن جلسا، ساد صمت مهيب استمرّ حوالي الساعة. ثم نفد صبر سنغ، وهمس لأحد مرافقيه ليذكّر شجاع بسبب مجيئه. وأشار شاه شجاع بعينيه إلى خصيّ، فانسحب، وأحضر لفافة صغيرة وضعها على السجّادة، على مسافة متساوية من الرجلين.
طلب رانجيت سنغ من الخصي أن يفتح اللفافة، وعندما عُرضت الماسة وتم التعرّف عليها، انسحب السيخي على الفور وجائزته في يده. وبذا أوفى شجاع بالاتفاق الذي أبرمته وفاء بيغوم.
لكن رانجيت سنغ، بعد أن حصل على ما أراد، نكث بوعده بالإفراج عن شجاع. وبحسب دالريمبل، لم تكن مجوهرات شاه شجاع هي الشيء الوحيد ذو القيمة، فقد كان شخص السلطان المخلوع أيضا مصدرا محتملا للكسب. لذلك أبقاه المهراجا سنغ رهن الإقامة المنزلية، ولم يسمح له إلا بنزهة يومية قصيرة في حدائق شاليمار وتحت حراسة مشدّدة.
كتب شجاع بعد ذلك يقول: في تناقض صارخ مع المعاهدة التي أبرمناها، اتضح الآن أنه كلّما رغبنا في الخروج وزيارة الحدائق أو الأضرحة، كان الجواسيس يتبعوننا سرّا في كلّ مكان. لكننا لم نكترث بهم". ومع ذلك سُمح لشجاع باستدعاء شعراء لاهور لتسليته. ويصف أحدهم، وهو ركن الدين لاهوري، استدعاءَ شجاع له إلى القصر، حيث انهمرت دموع شاه شجاع تأثّرا بالذكريات التي أيقظتها أبياته:
"يا نسيم، ماذا فعلت بشعر حبيبتي الطويل؟" وأجاب شجاع بأبيات من نفس الوزن: طائر قلبي ينوح على ذكرى وطني. هذا البلبل ينوح على فراقه عن الحديقة". بعد بضعة أشهر، قرّر رانجيت سنغ الاستيلاء على ما تبقّى من كنوز شاه شجاع.
دُعي شجاع للمشاركة في هجوم سيخي على بيشاور. وكتب متذكّرا: مع أننا كنّا نعاني حينها من اعتلال في الصحّة، إلا أننا تركنا سيّداتنا في حدائق شاليمار وانطلقنا للانضمام إلى السيخ قسرا". لكن الحملة أُلغيت بشكل غامض. وفي طريق العودة، تعرّض معسكر شجاع للنهب على يد مجموعة من اللصوص المسلّحين الذين هاجموا الخيام الملكية في منتصف الليل.
وعندما قَبض حارس شجاع الأفغاني على أحد قطّاع الطرق، كشف أنه يعمل لصالح رانجيت سنغ نفسه. وعلّق شجاع قائلا: لقد ذُهلنا من خيانة هؤلاء الأنذال الوقحين"! ثم كتب إلى سنغ: أيّ سلوك هذا؟ مهما كان ما تخطّطون له، إفعلوه جهارا بدلا من هذا الخداع المخزي".
في الليلة التالية، أُعيدت الحقائب المسروقة إلى المخيّم. "أحدث حارسنا السيخي ضجّة كبيرة، وأحضر الحقائب وأكياس السجّاد وصناديق الكنوز، ثم اكتشفنا أنها كلّها كانت فارغة"!
وأضاف شجاع: لقد ضاع كلّ شيء، باستثناء بعض الملابس القديمة التي لا فائدة منها. الصناديق المليئة باللآلئ البرّاقة والبنادق العثمانية والسندية ذات الأشرطة الذهبية، والسيوف الفارسية الفاخرة، والمسدّسات المذهبة المرصّعة بالجواهر، وصناديق العملات المعدنية المصنوعة من الذهب الأحمر والأبيض، والشالات الحريرية والكشميرية الفاخرة، كلّ ذلك ضاع! وتجرّأ هؤلاء المنافقون عديمو الرحمة على أن يقولوا لنا: ها نحن نحضر ممتلكاتكم التي أنقذناها بشجاعة من اللصوص"!
وأضاف شجاع، وهو يعلم أن رانجيت سنغ نفسه كان وراء السرقة: بعد هذه الخيانات المتكرّرة، لم يعد لدينا أيّ أمل في الحصول على أيّ مساعدة من هؤلاء الوحوش. أمضينا الأشهر الخمسة التالية تحت مراقبة مشدّدة للغاية، كانت مزعجة إلى أقصى حد، كالملابس الضيّقة في الحرّ. ولم يكن بوسعنا سوى ضرب صدورنا لتخفيف ألم القلب".
لكن شاه شجاع لم يكن من النوع الذي يرضى بالاحتجاز رغما عنه، وسرعان ما وضع خطّة للهروب. كان أوّل ما فعله، هو ضمان سلامة نسائه. وقبل أن يهرب بنفسه، قرّر تهريب حريمه من لاهور. وفعل ذلك بمساعدة تاجر خيول بشتوني وبعض تجّار المدينة الذين كانوا يأتون لبيع بضائع لنسائه.
وأخيرا غادرت نساء شجاع لاهور، مرتدياتٍ ملابس النساء الهندوسيات، كما لو كنّ ذاهبات للسباحة في النهر، كما هي عادة الهندوس، أو للقيام بنزهة في الريف. وتولّى أفراد حاشيته مهمّة إيصال الزوجات إلى لوديانا.
وعندما سمع رانجيت سنغ أن وفاء بيغوم والنساء الأخريات تمكّنَّ من الفرار، كظم غيظه وزاد عدد الحرّاس.
كتب شجاع في مذكّراته: كنّا مصمّمين على الخروج من محبسنا، فاستغثنا بالله ورسوله وشققنا طريقنا، وأصبنا بخدوش ودماء في الطريق. وفي النهاية وصلنا إلى ضفّة النهر حيث كان الخدم في انتظارنا. ركبنا بسرعة وعبرنا إلى الضفّة الأخرى. لم نشعر للحظة بمشقّة الطريق ومخاطره. ولم نفكّر في الطعام أو النوم، ولم يكن لدينا أيّ متاع أو أموال أو مؤن".
في غضون أشهر قليلة من هروبه من لاهور، بدأ شاه شجاع أوّل محاولة له لاستعادة مملكته. تحالف مع أعداء رانجيت سنغ من راجات البنجاب الساخطين، وخطّط لجمع جيش صغير كي يشنَّ غارة مفاجئة على كشمير، للاستيلاء على الوادي. كانت خطوة ذكيّة، وكان من الممكن أن توفّر قاعدة مهمّة ينطلق منها لاستعادة عرشه المفقود. كان شجاع لا يزال محبوبا كحاكم، لرقّته وتسامحه وكرمه.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

يذكر وليام دالريمبل أن وادي كشمير كان آنذاك بلا حاكم واضح، ومتنازَعا عليه من عدّة قوى. لكن الشيء الوحيد الذي افتقرَ إليه شاه شجاع باستمرار في حياته العسكرية هو "ذلك العامل الذي وصفه نابليون بأنه الأهم لأيّ قائد عسكري: الحظّ".
استخفّ شجاع بنصيحة بعض جنده بالانتظار حتى حلول الربيع. وانطلق مع قوّاته مع بداية تساقط أوّل ثلوج الشتاء التي بدأت تغطّي قمم جبال الهيمالايا. وفي محاولة للوصول إلى وادي كشمير عبر طريق غير متوقّع، قرّر عبور مرتفعات بانجال بقوّاته. وهناك، على قمّة جبلية تظلّل أشجار أرز مظلمة، وعلى بُعد بضعة أيّام فقط من شريناغار، حاصرتهم عاصفة ثلجية.
وجد رجال شجاع أنفسهم تحت رحمة الثلوج وعوامل الطبيعة القاسية. وكتب شجاع لاحقا: لم يكن هناك من سبيل للتقدّم أو التراجع، وسرعان ما نفد الطعام والماء. ولأنهم لم يكونوا على دراية بكيفية البقاء على قيد الحياة في الثلج، بدأ الجنود الهنود يموتون من شدّة البرد". وبعد فترة وجيزة، كاد الجيش الصغير أن يُباد. ولم ينجُ من عبور قمّة الممر سوى شجاع ومجموعة صغيرة من الجند، ومن ثم عادوا إلى السهول.
نُقل شجاع إلى منفاه في لوديانا، حيث كان حريمه ينتظرونه في منزل متواضع بالقرب من السوق الرئيسي. وكتب: لقد نسيتُ همومنا الآن. شكرا لله القدير الذي أنقذنا من أعدائنا وقادنا عبر الثلوج وأبلغنا أهلنا براحة وبلا خوف".
ابتداءً من عام 1818، كان شجاع، الذي كان يميل إلى حياة البذخ مع زوجاته ومحظياته، يتقاضى معاشا من شركة الهند الشرقية، التي رأت فيه "عوناً في المستقبل".
وخلال فترة نفيه، مارس شجاع قسوته باستئصال أنوف وآذان وألسنة رجال حاشيته وعبيده كلّما أغضبوه لأدنى سبب. وعندما زاره المغامر الأمريكي جوزيا هارلان في منفاه، لاحظ أن معظم رجال حاشيته كانوا يفتقدون جزءا من أجسادهم، ومع ذلك كانوا جميعا ما يزالون يدينون لشجاع بالطاعة العمياء".
كما لاحظ هارلان أنه عندما خرج شجاع في نزهة مع زوجاته الأربع، وهبّت الرياح فأسقطت خيمته، ثار المخلوع غضبا ممّا حدث. وطبقا لهارلان المندهش، أمر شاه شجاع بخصي الرجل المسئول عن نصب خيمته والذي سبق أن قُطعت أذناه.
وكان الوزير الأعظم لشجاع، المُلّا شكور، قد أطال شعره ليخفي أذنيه المقطوعتين، وكان يخاطب الخصيان بصوت حادّ، والأنكى من ذلك أنه كان دائما ما يحرّض سيّده على تشويه أجسادهم. وعلّق هارلان بأن ذلك الوزير كان محظوظا لأن بقيّة جسده ما زالت سليمة".
وأضاف: يبدو أن سنوات من خيبة الأمل قد تركت على وجه وسلوك الملك السابق مظهرا من الكآبة وتبلّد المشاعر واليأس".
في عام ١٨٣٨، حظيَ شاه شجاع بدعم مفاجئ من الإنغليز ومن عدوّه القديم رانجيت سنغ، الذين أرادوا مساعدته في استعادة السلطة من دوست محمّد خان. كان الإنغليز يعتقدون أن معظم الأفغان سيرحّبون بعودة شاه شجاع. إلا أن الكثير منهم أصبحوا لا يتذكّرونه، أما من تذكّروه فوصفوه بالحاكم القاسي والمستبد.
وفي 7 أغسطس 1839، أعاد الإنغليز والسيخ شاه شجاع إلى العرش، بعد ثلاثين عاما من عزله عن السلطة. وبعد عودته أصبح شديد الصرامة مع شعبه، وقرّر معاقبة من شعر أنهم خانوه، ما جعله مكروهاً بشدّة لدى عامّة الأفغان. كان يقيم معظم وقته داخل قلعة في كابول. وفي الخامس من أبريل عام ١٨٤٢، اغتيل شاه شجاع على يد الأمير تيمور، الذي كان بمثابة ابنه الروحي، وتُركت جثّته في العراء ليوم كامل.
أما المهراجا رانجيت سنغ فقد توفّي في يونيو 1839 أثناء نومه في قلعة لاهور، عاصمة مملكة السيخ، بعد أن عانى من سلسلة من الجلطات الدماغية. وأدّى موته إلى فترة من عدم الاستقرار السياسي.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

أساطير قديمة: العنقاء