نصوص مترجمة
لذا، لم يكن مستغربا أن يرى اصفنديار خان، بعد تولّيه الحكم عام ١٩١٠، أن من الحكمة القيام بزيارة رسمية للإمبراطور الروسي. كانت رحلة طويلة وشاقّة، رافقه خلالها حاشية كبيرة وعدد وافر من الهدايا. وعند وصوله إلى العاصمة الإمبراطورية، دُهش اصفنديار خان عندما علم أن عليم خان، حاكم إمارة بخارى المجاورة، والتي كانت أيضا محميّة روسية، كان موجودا أيضا في العاصمة الإمبراطورية.
ويبدو أن العلاقات بين الحاكمين المسلمين لم تكن على ما يُرام، واتّضح ذلك من عدم وجود نيّة لدى أيّ منهما، أثناء وجودهما في سانت بطرسبورغ، لرؤية الآخر أو حتى مجرّد الالتفات إليه. وقد حاول رئيس المراسم الروسي تدارك هذا الوضع، فأبلغ اصفنديار خان "رغبة جلالة إمبراطور روسيا" في ترتيب لقاء بين الحاكمين المسلمين.
لم يستطع اصفنديار خان، الذي كان من الصعب عليه رفض رغبة الحاكم الروسي، أن يرتّب للقاء. لذا استدعى أحد رجال حاشيته، ويُدعى حسين محمّد باي، وأمره بزيارة أمير بخارى لإبلاغه عن دعوته لزيارته.
وقدّم اصفنديار لـ باي سلسلة من التوجيهات المربكة حول كيفية التصرّف خلال الاجتماع مع أمير بخارى. فقد أمره، مثلا، بدخول مقرّ الأمير دون انتظار إذن منه والامتناع عن تقبيل يده. كما أُمره بالجلوس على كرسيّ بدلا من الجلوس على الأرض، والتحدّث الى الأمير بأسلوب رسمي. كما مُنع من قبول الهدايا من الجانب البخاري أو البقاء هناك لأكثر من نصف ساعة. واختتم اصفنديار خان نصائحه لمبعوثه بالقول: قد تكون ممتلكات أمير بخارى أكبر من ممتلكاتي، لكن ثروته ليست كثروتي".
كان حسين باي رجل بلاط بارعا ودبلوماسيا محنّكا، وقد خبِر طويلا عالم البلاط، ويبدو أنه كان يفهم جيّدا المهمّة التي كُلّف بها. لكن كان لديه، على ما يبدو، آراؤه الخاصّة حول كيفية التعامل مع تلك المهمّة غير العاديّة.
وفي اليوم التالي، وصل إلى بعثة بخارى. لكن منذ اللحظة الأولى، لم يتوافق سلوكه مع تعليمات سيّده. فبدلا من الحضور فجأة ودون سابق إنذار، دخل إلى غرفة أمير بخارى بأدب واحترام. وعندما عُرض عليه كرسي، آثر البقاء واقفا كدليل على احترامه العميق.
وفي نهاية اللقاء، أهدى أمير بخارى المبعوث باي رداءً ثميناً مذهّبا مع وشاح، مكافأةً له على حُسن أدبه. كما طلب منه إبلاغ راعيه بأنه سيزوره في أقرب وقت. وعندما عاد، سأله خان خِيوا عن نتيجة مهمّته، فأجاب باي بدهاء: وهل يجرؤ ذلك الطاجيكي البخاري على رفض اقتراح جلالتكم"؟
وبعد يومين، وصل أمير بخارى في الموعد المحدّد إلى غرفة في مقرّ اصفنديار مخصّصة لاستقبال الأهالي. وهناك عُقد لقاء بين الحاكمين. إلا أن مجريات اللقاء كانت غريبة. فأثناء اجتماعهما، لم ينطق أيّ منهما بكلمة، شرب كلّ منهما قهوته ثم انصرفا كلّ إلى شأنه".
هذه الحادثة ذكّرتني بقصّة مشهورة للروائيّ الروسي نيكولاي غوغول. تصوّر القصّة الحياة في بلدة ريفية في روسيا في القرن التاسع عشر، حيث يجد نبيلان وصديقان موقّران نفسيهما فجأة وهما يتجادلان حول مسألة بسيطة. كانا يتجادلان حول بندقيّة تركيّة قديمة تعود لأحد الشخصين، ورغب صديقه في شرائها، عارضا عليه خنزيرا مقابلها. إلا أن الأوّل لم يكتفِ بالاستياء من هذا العرض، بل ردّ على الثاني بإهانة بالغة، واصفا إيّاه بالدجاجة!
وتصاعد الموقف بينهما، وسرعان ما تحوّلت هذه المسألة البسيطة إلى خصومة حقيقية، حيث رفع كلّ منهما دعوى قضائية ضدّ الآخر. وفي نهاية القصّة، وجد القاضي والحاكم ورئيس الشرطة وبقية سكّان المدينة أنفسهم متورّطين في صراع عبثي.
عندما وقعت حادثة اللقاء بين حاكمي خِيوا وبخارى، كان قد مضى ما يقرب من أربعة عقود على اجتياح القوّات الروسية لمدينة خِيوا وإخضاعها بخارى، حيث اضطرّ حاكما هاتين الإمارتين الإسلاميتين، في أعقاب هزيمتهما العسكرية، إلى توقيع معاهدات سلام مُهينة.
وبعد اعترافهما رسميّا بأنهما "خادمان مطيعان لجلالة إمبراطور روسيا"، سُمح للحاكمين بالاحتفاظ بعرشيهما، وإن كان ذلك بشكل منقوص، سواءً من حيث مساحة أراضيهما أو نطاق سيادتهما. ومع مرور الزمن، تآكلت سيادة هاتين المحميّتين تدريجيّا.
وفي عام 1910، تمكّن كلّ من اصفنديار وعليم خان من الوصول إلى السلطة بمساعدة السلطات الاستعمارية الروسية في تركستان. واعتَبر كلا الحاكمين السفر إلى العاصمة الإمبراطورية للقاء القيصر الروسي "شرفا عظيما"، وكانا يتقبّلان منه بسخاء الأوسمة الإمبراطورية والرتب العسكرية الفخرية.
لكن في الوقت نفسه، كانت الحياة في الخانتين نفسهما تتدهور تدريجيّا. وبدلا من السعي لتحسين مستوى معيشة رعاياهما، انشغل كلّ منهما قبل كلّ شيء بكرامته الشخصية.
لنعد الآن إلى قصّة غوغول المذكورة آنفا. في نهاية الحكاية، يقول الراوي أنه بعد مرور وقت طويل، عاد إلى تلك البلدة الريفية، فوجد بطلي القصّة وقد أصبحا رجلين طاعنين في السنّ وما يزالان في حالة صراع مستمرّ ومرير بسبب ذلك الخلاف السخيف.
وبالمثل، يبدو حاكما آسيا الوسطى في الحكاية الأخرى كشخصين متذمّرين وساخطين، لا يكترثان لشيء سوى مكانتهما ومصالحهما الأنانية. وبدلا من توجيه طموحاتهما ومواردهما نحو أمور أكثر فائدة، كان كلّ ما يهمّهما هو هيبتهما ومن يجب أن تكون له اليد الطولى على الآخر.
" يا سادة، إنه عالم مُملّ"، هكذا يقول غوغول في نهاية روايته. ولعلّ اصفنديار خان وعليم خان كانا سيوافقانه الرأي. يبدو أنه لم يكن هناك شيء في هذا العالم يثير اهتمامهما سوى نفسيهما. أ. عبدالرسولوف
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
○ أفضّل العزلة، ليس لأني لا أحبّ الناس، بل لأني أشعر بالإرهاق من التواصل مع العالم، مع ضجيجه وازدحامه، ومن الأحاديث الطويلة والمملّة. لم أتعلّم العيش وحيدا، بل أحببت العيش بهذه الطريقة. وهكذا، أفضّل الوحدة على أن أكون محاطا بأشخاص لا أشعر بالانسجام معهم.
لا أقول إنهم لا يثيرون الاهتمام، بل أقول فقط إننا مختلفون. مشاعرنا وأحاسيسنا لا تصل إلى نفس المستوى. وأقول أيضا إنه كلّما تقدّمت في العمر، ازددت معرفة بنفسي وبوجهتي، وبما أريد، وبما لم يعد يستهويني.
لست بحاجة إلى رفقة. لا أشعر بالوحدة أبدا. أشعر بسلام داخلي عميق في الصمت. وإذا دعوت بعض الناس أحيانا، فلأني أرغب في ذلك وأستمتع به أيضا.
غالباً ما أجد هدوئي وسلامي الداخلي وسكينتي وقدرتي على الاستغناء وطمأنينتي في عالمي الصغير، لوحدي في المنزل، أو في الطبيعة. لست انطوائية، بل انتقائية تحترم مشاعرها وتصغي إلى جسدها وعقلها وروحها. أحبّ الناس بعمق، أصغي إليهم، أنصحهم، وأساعدهم. لكن بعد ذلك، أحتاج لأن أستريح. ا. كارا
○ أقسى ما في الشيخوخة هو الفراغ الذي يحيط بك تدريجيا. أوّل من يرحل هم من كنت تُعجب بهم وتحبّهم. ثم أصدقاؤك الذين درسوا معك أو سهروا معك. وأخيرا أولئك الأصغر منك سنّا، الذين كان ينبغي أن يحضروا جنازتك بينما أنت تحضر جنازاتهم. جان دورميسون
○ شيكاغو مليئة بالمصانع، ومليئة بالعمّال. عند وصولي إلى حي هاي ماركت، سألت أصدقائي أن يدلّوني على المكان الذي شُنق فيه، عام ١٨٨٦، أولئك العمّال الذين يكرمّهم العالم أجمع في عيد العمّال.
قالوا لي: لا بد أنه هنا". لكن لا أحد يعلم. لم يُنصب أيّ تمثال تخليدا لذكرى شهداء شيكاغو في المدينة. لا تمثال ولا نصب تذكاري ولا لوحة برونزية، لا شيء.
وبعد بحث عقيم، اصطحبوني إلى أفضل مكتبة في المدينة. وهناك، وبمحض الصدفة، عثرت على ملصق قديم بدا وكأنه ينتظرني، مخبّأ بين العديد من الملصقات الأخرى.
يعيد الملصق نشر مثل أفريقي: ما لم يكن للأسود مؤرّخوها، ستستمرّ قصص الصيد في تمجيد الصيّاد. الإيجاز أبلغ من الكلام. والصمت أبلغ لغة. نعيش في زمن تضخّم فيه الكلام بشكل فظيع، وهو أسوأ من تضخّم المال. إدواردو غاليانو
○ لا تخلو أيّ حضارة من مسحة من الهمجية، ولأن الهمجية جزء لا يتجزّأ من الحضارة، لا يمكننا إلا مقاومتها. يكشف البشر إما عن أفضل ما فيهم أو أسوأ ما فيهم في أوقات الأزمات والكوارث والصراعات. إدغار موران
Credits
archive.org
archive.org

