نصوص مترجمة


  • لكلّ حيوان عالمه الإدراكي، بما في ذلك أنت. وعالمك الإدراكي يتشكّل من خلال عينيك وأذنيك وأنفك وجلدك ولسانك. وقد تطوّرت هذه الأعضاء على مدى ملايين السنين لاكتشاف المعلومات المحدّدة التي احتاج إليها أسلافك للبقاء على قيد الحياة.
    هذا هو الجزء الذي لا يخبرك به أحد. لم تتطوّر لترى العالم بدقّة، بل لترى ما يكفي منه لكيلا تموت. وبقية الواقع موجودة فحسب، تحدث باستمرار، غير مرئية لك.
    يعيش الكلب في عالم الشمّ كما تعيش أنت في عالم البصر. عندما يدخل كلبك غرفة، لا يكتشف وجود الطعام فحسب، بل يقرأ من طهى الطعام ومتى لُمس ومن كان في الغرفة وما هي حالتهم النفسية وما إذا كان أيّ منهم مريضا. أنف الكلب يحتوي على 300 مليون مستقبل شمّي، بينما لديك 6 ملايين فقط. كلبك لا يشمّ العالم، بل يقرؤه.
    في الطيور، الأمر أكثر إرباكا. معظم الطيور رباعية الألوان. لديها أربعة أنواع من مستقبلات الألوان، بينما لديك أنت ثلاثة. هذا لا يعني أنها ترى ألوانا أكثر، بل يعني أنها تدرك بُعدا لونيا كاملا لا تملك أنت أيّ جهاز حسّي للوصول إليه.
    ريش الطائر الذي يبدو بنّيا بالنسبة لك، غالبا ما يكون عبارة عن مزيج من أنماط الأشعّة فوق البنفسجية التي لا تراها إلا الطيور الأخرى. الزهور التي تبدو عادية بالنسبة لك، تحتوي على أشرطة هبوط فوق بنفسجية ترشد الحشرات مباشرة إلى حبوب اللقاح. أنت تسير في عالم مغطى بإشارات لا يمكنك قراءتها.
    لديك بالضبط كإنسان الحواسّ التي احتاج إليها أسلافك للبقاء على قيد الحياة في السافانا الأفريقية. ترى أطوال موجات الضوء المنعكسة عن الفاكهة والحيوانات المفترسة. تسمع تردّدات أصوات البشر وصوت تكسّر الأغصان. تشمّ وتتذوّق ضمن نطاقات كانت تبقيك على قيد الحياة وتجنّبك التعفّن والسموم.
    كل ما هو خارج هذه النطاقات غير موجود بالنسبة لك: المجالات الكهربائية. المجالات المغناطيسية. الأشعّة فوق البنفسجية. البصمات تحت الحمراء. الاهتزازات التي تنتقل عبر الأرض. أصوات الأفيال منخفضة التردّد وهي تقطع مسافة عشرة كيلومترات عبر التربة. نبضات تحديد الموقع بالصدى للخفافيش التي ترسم صورة صوتية للعالم في الوقت الحقيقي.
    كلّ هذا يحدث باستمرار في الغرفة نفسها التي تجلس فيها الآن. وأنت لا تدرك شيئا منه.
    العالم ليس ما تراه. العالم هو ما هو موجود. بَنى دماغك نموذجا للأجزاء ذات الصلة وسلّمه لك وأطلق عليه اسم الواقع.
    نحن الكائنات الوحيدة القادرة على محاولة فهم عوالم الآخرين المحيطة. لا نستطيع إدراكها، لكننا نستطيع دراستها، وبناء أدوات لكشف ما لا نستطيع إدراكه، واستخدام خيالنا لتوسيع مداركنا إلى ما هو أبعد ممّا منحنا إيّاه التطوّر.
    كلّ مجال من مجالات العلم، في جوهره، هو أداة لتوسيع عالم الإنسان المحيط: التلسكوب، المجهر، المطياف، التصوير بالرنين المغناطيسي. كلّ أداة صنعها الإنسان هي محاولة لإدراك جزء من الواقع حجبته عنا بيولوجيتنا. نحن نبني حواسّاً اصطناعية منذ أن وضع أوّل إنسان عدسة على عينه.
    إن عظمة الطبيعة لا تقتصر على الوديان والجبال، بل يمكن أن توجد في رحاب الإدراك؛ في تلك المساحات الحسّية التي تقع خارج عالمنا المحيط وداخل عوالم الحيوانات الأخرى. إدراك العالم من خلال حواسّ أخرى هو بمثابة اكتشاف للروعة في المألوف والقداسة في العادي.
    توجد العجائب في حديقة المنزل، حيث يقيس النحل الحقول الكهربائية للزهرة، وترسل الأوراق ألحانا اهتزازية عبر سيقان النباتات، وتتأمّل الطيور في أصوات أقرانها الخفيّة. البرّية ليست بعيدة، فنحن منغمسون فيها باستمرار، وهي متاحة لنا لنتخيّلها ونستمتع بها ونحميها.
    الأرض تزخر بالمناظر والأحاسيس والأصوات والاهتزازات والروائح والمذاقات والمجالات الكهربائية والمغناطيسية. لكن لا يستطيع أيّ حيوان أن يدرك سوى جزء ضئيل من هذا العالم الغني. فكلّ كائن منعزل في عالمه الحسّي الخاص، لا يرى إلا لمحة ضئيلة من عالم شاسع.
    عندما نشاهد الكائنات المتطرّفة، من طيور البطريق التي تتحدّى برد القطب الجنوبي القارس إلى الجمال التي تجوب رمال الصحارى الحارقة، يسهل علينا الاعتقاد بأنها تعاني طوال حياتها. إننا نُعجب بها، ليس فقط لمرونتها الجسدية، بل أيضا لقوّتها النفسية.
    نُسقط حواسّنا على حواسّها ونفترض أنها ستشعر بعدم الراحة لأننا سنشعر بها. لكن حواسّها مهيّأة لدرجات الحرارة التي تعيش فيها. ومن غير المرجّح أن يتأثّر الجمل بحرارة الشمس الحارقة، وربّما لا يمانع البطريق من الاحتماء خلال عاصفة قطبية، مع أن البرد والعواصف لا تزعجه على أيّ حال. إدوارد يونغ
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • في عام 1940، بعد وقت قصير من نشوب الحرب العالمية الثانية، حاول أدولف هتلر السيطرة على الجزر البريطانية عبر إطلاق "عملية أسد البحر". وتمثّلت الخطوة الأولى في خطّته في تدمير سلاح الجو الملكي البريطاني، الذي كان يحمي بريطانيا من الغزو. أما الخطوة الثانية فكانت شنّ غزو برمائي عبر القنال الإنغليزي والاستيلاء على الجزيرة.
    وبحسب الرواية، واجه البريطانيون مشكلة عويصة. أراد قادتهم العسكريون وضع المدفعية على طول الساحل لإطلاق النار على الطائرات والسفن النازية المقتربة. لكن كان هناك نقص في العسكريين من الشباب لتشغيل المدفعية، إذ وُزّع معظمهم لحماية الكومنولث البريطاني وإمبراطوريته الشاسعة.
    لذا، استدعيَ قدامى المحاربين الأكبر سنّا الذين خدموا في الحرب العالمية الأولى لتشغيل المدفعية. وبينما كان هؤلاء المحاربون على استعداد تامّ للخدمة، إلا أن التكنولوجيا شهدت تطوّرا هائلا خلال فترة الـ 22 عاما. ففي الحرب العالمية الأولى، كانت المدفعية تُنقل بواسطة الخيول، أما الآن فتُنقل بالمركبات.
    خضعت كلّ حركة يقوم بها فريق المدفعية لتحليل دقيق لضمان فعاليتها، إذ أن عدم الكفاءة وإهدار الوقت قد يؤدّيان إلى نتائج كارثية على الإنغليز. وبينما كان القادة العسكريون يراقبون المحاربين القدامى خلال التدريبات، لاحظوا سلوكا محيّرا. فعندما كان المحاربون القدامى يحملون المدفعية، كان العديد منهم يمدّون أيديهم أمامهم. كان هذا سلوكا معتادا، ولكن ما السبب؟
    في نهاية المطاف، اتضح أن المحاربين القدامى كانوا يمدّون أيديهم لتثبيت خيولهم كما فعلوا في الحرب العالمية الأولى. ولأن الخيول كانت تُستخدم في الحروب السابقة لنقل المدفعية، كان لا بدّ من تهدئتها وتثبيتها عند إطلاق النار. وكان هؤلاء الرجال لا يزالون يحاولون تهدئة خيولهم غير المرئية.
    كانوا يحاولون تهدئة خيول غير موجودة. لقد تشبّثوا بعادة عفا عليها الزمن، واضطرّوا إلى إعادة تدريبهم ليصبحوا أكثر فعالية. "الخيول الخفيّة" هي عقليات أو عادات قديمة ضارّة لم تعد فعّالة. هذه الخيول الخفيّة، التي ربّما كانت تُعتبر في يوم من الأيّام عادة مفيدة أو فعّالة، أصبحت الآن تستنزف وقتنا وطاقتنا. مع مرور الوقت، يتغيّر الناس والتكنولوجيا باستمرار، ما يتطلّب منا تعديل عاداتنا لنبقى فعّالين. ربّما تستطيع الآن تحديد بعض الخيول الخفيّة في حياتك لتتخلّص منها.
    مهما تمنّينا العودة إلى "السنين الخوالي"، علينا أن نبذل جهدا كبيرا للتخلّص من السلوكيات أو العقليات البالية. لا تدع العالم يفوتك. طوّر نفسك وتطوّر معه لضمان استمرار نجاحك وفعاليتك. ولا يعني هذا أن نتجاهل أبدا صفات مهمّة كالمعايير الأخلاقية. فهذه الصفات خالدة وهي سمة القائد الناجح. س. غودوين
  • ❉ ❉ ❉

  • ينبع سحر الحكمة القديمة غالبا من نظرتنا الرومانسية للماضي؛ تلك الحقبة التي نتصوّرها خطأ على أنها تزخر برؤى عميقة حول الطبيعة البشرية. إلا أن هذه التصوّرات المثالية تتجاهل العيوب والقيود الجوهرية لتلك الأزمنة. فقد شابت المجتمعات القديمة الخرافات والتمييز وعدم المساواة، وشكّلت هذه الأسس المعيبة نظرتها إلى الحياة. لذا، فإن تبنّي حكمتها دون تمحيص يعرّض سعينا نحو التقدّم الحقيقي للخطر.
    دعونا نتحدّى الاعتقاد السائد بأن الحكماء القدماء امتلكوا رؤى فريدة في فنّ الحياة. فمجرّد مرور الزمن لا يضفي مصداقية أو دقّة على تعاليمهم. لنأخذ على سبيل المثال الفلسفة الرواقية، التي يجلّها الكثيرون كمرشد للسكينة والفضيلة. فبينما تشجّع الرواقية على ضبط النفس والمرونة، فإن إصرارها على كبت المشاعر وإنكار الدوافع الإنسانية الطبيعية يكشف عن فهم قاصر لطبيعتنا المعقّدة. لذا فإن تبنّي الرواقية دون تمحيص قد يؤدّي إلى كبت المشاعر والانفصال عن الواقع.
    الشوق إلى الحكمة القديمة غالبا ما ينبع من حنين خاطئ إلى أزمنة أبسط. فنحن نُضفي على الماضي طابعا رومانسيا، متناسين عن عمد المصاعب والظلم والقصور الفكري الذي اكتنف تلك الحقب. هذا الحنين الرجعي يعرّي التقدّم الهائل في المعرفة والفهم الذي تحقّق عبر قرون من البحث العلمي والفلسفي. وينبغي أن يكون سعينا نحو حياة متوازنة ومُرضية متجذّرا في الحاضر، مقرّين بالتقدّم الذي أحرزناه والفرص التي تنتظرنا.
    الحكمة الحقيقية تكمن في إدراك حدودنا، والتساؤل حول المعتقدات الراسخة، وتقبّل الطبيعة المتطوّرة للمعرفة. الحكمة القديمة، مع قيمتها في السياق التاريخي والفهم الثقافي، لا ينبغي تقديسها كحقيقة مطلقة. يتطلّب السعي وراء المعرفة عقلية نقدية، وتحدّيا للأفكار المسبقة، والتفاعل مع الكم الهائل من المعرفة المعاصرة. ك. رامزي

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    الأزرق: تاريخ لون

    لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2