المشاركات

موسيقى ليليّة

صورة
من أشهر مؤلّفات موزارت "الموسيقى الليليّة رقم 13 للوتريات في مقام الجي الكبير"، والتي أكملها في فيينا عندما كان يكتب أوبرا دون جيوفاني. وهذه الموسيقى تُعزف اليوم وتُسجّل على نطاق واسع ويُعجَب بها الناس بسبب نوعيّتها المرحة والمباشرة وأنغامها المألوفة والخفيفة. وقد أصبحت مع مرور الأيّام مثالا رائعا على جاذبيّة وجمال وتنوّع الموسيقى الكلاسيكية. يكفي أن تستمع إلى نغماتها الأولى الخالدة لتعرفها وتألفها. ولن تستغرب إذا ما داومت على سماعها مرّة بعد أخرى دون أن ينالك إحساس بالملل. ألّف موزارت هذه الموسيقى أساسا لفرقة الغرفة، وكان ذلك في العام 1787. كانت نيّته في البداية أن تُعزف بكمانين وفيولا وتشيللو، لكنها أصبحت في الغالب تُؤدّى بأوركسترا وترية. والحقيقة انه لا يُعرف لماذا ألّف هذه القطعة أو ما هي مناسبتها. لكن المؤرّخ هيلدشايمر يذكر أن معظم مؤلّفات موزارت الليليّة كُتبت بناءً على تكليف من أشخاص، وهذه القطعة لم تكن استثناءً. كما يذكر هيلدشايمر أنها أكثر أعمال موزارت شعبية، مشيرا إلى أنها أصبحت تُعزف في كلّ مكان بسبب نوعيّتها العالية وجوّها الذي يشيع المرح والسرو...

آكلو اللوتس

صورة
يذكر هوميروس في الاوديسّا أن اوديسيوس ورجاله، بعد مغادرتهم أرض ايسماروس، فوجئوا بعواصف بحرية عاتية عطّلت رحلتهم لأيّام. ثم لاحت لهم من بعيد ارض جزيرة غريبة. وعندما وصلوا إلى شاطئ الجزيرة، أرسل اوديسيوس بعض رجاله ليستكشفوا ما بداخلها. ووجدوا هناك جنساً رقيقاً من البشر يُدعون "آكلي اللوتس"، يتغذّون على نوع من الفاكهة الزهرية. وقد عرض سكّان الجزيرة على البحّارة أن يأكلوا شيئا من تلك الفاكهة. ولمّا تناولوها أصيبوا بالدوار ونسوا أن يعودوا إلى سفينتهم. وعندما تباطأ اوديسيوس عودتهم، ذهب ليبحث عنهم ووجدهم في حال من الخُدر والنسيان. ثم قام بسحبهم بالقوّة إلى السفينة. ورغم أن الجزيرة ممتعة وسكّانها طيّبون ومضيافون، إلا أن اوديسيوس طلب من بحّارته الابتعاد عنها بسرعة خوفا من أن ينجذبوا إلى فاكهتها المُسكرة. ثم قام بتقييدهم في السفينة إلى أن زال عنهم تأثير اللوتس الذي أكلوه. هوميروس يذكر أن كلّ شخص يتناول تلك الفاكهة التي لها طعم العسل سرعان ما يفقد رغبته في مغادرة الجزيرة أو العودة من حيث أتى. وكانت رغبة البحّارة هي أن يبقوا هناك مع سكّان الجزيرة يأكلون من فاكهتهم وينسون أم...

!اقتل البوذا

صورة
في الكثير من أرجاء العالم، ما تزال البوذيّة تتضمّن طقوسا ومعتقدات يُنظر إليها باستغراب، مثل التناسخ أو الإيمان بأن الإنسان بعد موته يظهر في شكل آخر؛ حيوان أو نبات الخ، مع الاحتفاظ بسماته الشخصية الأصلية. أيضا ممّا يعاب على البوذية استغراقها الزائد عن الحدّ في الحديث عن فكرة الموت، لدرجة أنها خصّصت له كتابا اسمه كتاب الموتى. ومن الاعتقادات الأخرى الغريبة في البوذية أنه كان هناك بوذا آخر يُدعى اميتابا، ولا احد يعرف إن كان قد عاش على الأرض أو أنه موجود في كون موازٍ، وانك إذا ردّدت اسمه دائما فإنك ستذهب إلى مكان يُدعى "الأرض الطاهرة" حيث يمكنك أن تتعلّم أشياء كثيرة من معلّمي البوذية الأقدمين. وبوذا الحقيقي الذي يعرفه الناس يظهر في الكتب على هيئة غزال أو فيل أو قرد. والحكايات الفولكلورية التي تمتلئ بها بعض تلك الكتب عن حيوانات ومخلوقات أسطورية تفكّر وتتكلّم لا تخلو قراءتها من بعض المتعة، تماما مثل أن تقرأ كتاب كليلة ودمنة أو كتاب الحيوان للجاحظ. وبعض الأفكار الأساسية التي تقول بها البوذية مثل التناسخ والارتباط والكارما كانت وما تزال محلّ انتقاد من الكثيرين. الدالا...

فيلم مكسيكيّ طويل

صورة
عندما التقى الرسّام المكسيكيّ دييغو ريفيرا بزميلته الرسّامة فريدا كالو لأوّل مرّة في معرض فنّي في مكسيكو سيتي كان هو يكبرها بعشرين عاما. وبعد فترة قصيرة من تعارفهما، نشأت بين الاثنين علاقة عاطفية. وأخيرا تزوّجا عام 1929 على الرغم من اعتراض والدة فريدا على الزواج. صحيح أن الزواج كان ثمرة حبّ متبادل، لكنه تحوّل مع مرور الوقت إلى زواج مضطرب تكثر فيه الخيانات والشكوك. كانت فريدا ترسم بالفرشاة كلّ ما هو معبّر وجذّاب، لكن دييغو نفسه كان شخصا بديناً ويفتقر إلى أيّ قدر من الجاذبية بحسب من عرفوه. وربّما كان دافعها الأساسيّ من الاقتران به هو كونه أشهر رسّام في المكسيك، ما سيفسح لها الطريق، وهي الرسّامة المبتدئة وقتها، لتحقيق البروز والشهرة. ثم وقع لها حادث سيّارة أصيبت على إثره بإعاقة دائمة في إحدى قدميها. وقد وقف زوجها إلى جانبها في تلك المحنة. لكن في تلك الأثناء كانت الصحف تمتلئ بأخبار مغامراته مع نساء أخريات، الأمر الذي كان يسبّب لها المزيد من الألم والمعاناة. كانت فريدا كالو تصوّر معاناتها الجسدية وألم الحرمان من الإنجاب من خلال عشرات اللوحات المؤثّرة التي رسمتها منذ الحا...

موسيقى لودوفيكو اينودي

صورة
المؤلّف الموسيقيّ الايطاليّ لودوفيكو اينودي يبدو منشغلا بتأمّل قطرات الندى على بتلات زهرة أو بمراقبة النجوم وحركة الغيم فوق جبل، أو هذا على الأقلّ ما توحي به أجواء بعض معزوفاته. اينودي، كما يقول احد النقّاد، يخلق موسيقى تذكّر بلوحات توماس كينكيد: فانتازيا بعيدة ومنفصلة عن الواقع وليس لها علاقة بالطريقة التي نعيش بها حياتنا". لكن نقّادا آخرين يرون بأن جمال موسيقى اينودي كامن فيها وأيضا في حقيقة أنها منفصلة عن الواقع ولا تعبّر عن مشاكل الحياة. في احد الفيديوهات على اليوتيوب، وبعدد مشاهدين يزيدون على الثلاثة ملايين، يظهر اينودي وهو يعزف على البيانو وسط ثلوج القارّة القطبية. الموسيقى التي يؤدّيها عنوانها "مرثيّة للقارّة القطبية"، وقد كلّفته بتصويرها جماعة السلام الأخضر، والغرض من التصوير في ذلك المكان هو جذب الاهتمام العالميّ إلى مشكلة الانبعاث الحراريّ. يقول اينودي واصفا تلك التجربة: كان الجوّ باردا جدّا، ورغم أنني كنت أرتدي طبقات متعدّدة من الملابس بالإضافة إلى سترة للنجاة، إلا أنني وأثناء التصوير كنت اضطرّ للتوقّف عن العزف كلّ بضع دقائق لأدفيء يديّ...

سينيكا: بين الفيلسوف والسياسيّ

صورة
إذا كان حلم الشعراء والفلاسفة أن يسيطروا على رجال السلطة، فلا شكّ أن الفيلسوف الرومانيّ سينيكا كان مهيّأ تماما لفعل ذلك. كان هذا الرجل، المولود في اسبانيا قبل ألفي عام، من أكثر الشخصيات فتنةً وإثارةً للجدل في الأزمنة القديمة. كان خطيبا مفوّها ومؤلّفا و"واعظا أخلاقيّا" بلغة هذه الأيّام. وأحد أشهر أقواله التي تُقتبس عنه دائما هو قوله: لم نُعطَ حياة قصيرة، بل نحن من يجعلها كذلك، ولدينا الكثير من الوقت لكنّنا نضيّعه". وفي أعماله الفلسفية الأخلاقية، يؤكّد سينيكا على أن مفتاح الحياة الفاضلة هو التحرّر من العواطف، وأن الفضيلة ضرورية للسعادة وكافية لخلقها. وهناك كلام آخر كثير له يحاول من خلاله أن يساعدنا في التغلّب على مشاكل الحياة، كالفقر والغضب والفشل وغير ذلك. كان سينيكا أحد منظّري الفلسفة الرواقية التي ترى أن الإنسان يجب أن يتحرّر من انفعالات الفرح أو الحزن وأن يُخضِع كلّ تصرّفاته وأفعاله لأحكام الضرورة. والمفارقة أن هذا الفيلسوف، صاحب الأفكار الإنسانوية والتعاليم الأخلاقية كما عبّر عنها في كتاباته، هو الذي علّم احد أكثر أباطرة روما استبداداً ودمويةً، أي نيرون، ...

الأشجار رئاتنا والأنهار أوردتنا

صورة
تحدّث الكثيرون عن كيف أن الطبيعة موجودة في الإنسان وليست خارجه، فالأشجار، بمعنى ما، هي رئاتنا والأنهار أوردتنا. كما أن بين البشر والبيئة ارتباطا عميقا، وما يفعله الإنسان بالطبيعة إنما يفعله بنفسه في النهاية. وهناك من قال إن الحريّة الحقيقية توجد في البرّية وليست في الحضارة، وأن الإنسان يحتاج للذهاب من وقت لآخر إلى أماكن لم يُعَد ترتيب تفاصيل الطبيعة فيها بأيدي البشر. وليس شرطا أن تستمتع بمناظر الطبيعة كي تشعر بفوائدها وتأثيرها الايجابي على مزاجك وعلى حياتك بشكل عام. تغريد الطيور وحفيف أوراق الشجر واستنشاق رائحة الأرض، كلّ هذا من شأنه أن ينقّي المشاعر وينشّط العقل المجهد. وجزء مهم جدّا من تفاصيل الطبيعة يتمثّل في الأشجار. صحيح أنها لا تتكلّم، لكنّها تتواصل معنا من خلال الإفرازات الكيميائية التي اكتشفها العلماء منذ القدم وثبت أن لها تأثيرا مهمّا على خفض الهرمونات التي تولّد القلق والإجهاد. ولكي يعوّد الإنسان نفسه على النظر إلى الطبيعة والاستمتاع بتفاصيلها، قد يكون من المناسب أن يحاول في البداية أن يسمّي الأشجار والأزهار التي يعرفها، ثم يحضر منظارا مكبّرا ويحاول أن يتعرّف ع...