المشاركات

عن الرياح والماء

صورة
إختر لباب بيتك لونا ازرق لأن الأزرق لون مهدّئ ومحفّز للطاقة. إدفع الأريكة في غرفة الجلوس قليلا إلى اليسار. حرّك النافورة الصغيرة في الحديقة قليلا جهة اليمين. اختر لصالة البيت مزيجا من الأخضر والأزرق الخفيفين لأن هذين اللونين يشيعان الدفء والطاقة. هذا هو باختصار مفهوم علم الفينغ شوي الصينيّ. لكن هو علم حقّا؟ البعض يأخذون الفينغ شوي بجدّية، والبعض الآخر يعتبرونه ضربا من الخرافة، وقليلون هم من يعرفون تأثيره على الثقافات في الشرق والغرب. وهذه الأيّام نسمع كثيرا عن الفينغ شوي باعتباره احد عناصر ما يُسمّى بحركة العصر الجديد. والناس خارج الصين يريدون أن يرووا عطشهم للتصوّف الشرقيّ والصينيّ، لذا يودّون معرفة المزيد عن الطبّ الصينيّ مثلا وعن الفينغ شوي. في زمن ماو تسي تونغ، حاولت الصين الحدّ من استخدام الفينغ شوي وقصرت استخدامه داخل الصين. ثم لم يلبث ماو أن أطلق في منتصف ستّينات القرن الماضي حملة لتطهير الصين من تقاليدها القديمة وماضيها الرأسماليّ كي تتوافق مع نسخته الخاصّة من الشيوعية. وكان نظام ماو يصوّر المثقّفين الصينيّين والنخبة الثريّة كأوغاد ويحمّلهم المسئولية عن كافّة ...

السُّلطان الأخير

صورة
عندما تنظر إلى هذه اللوحة، لن تحتاج لكثير وقت كي تستنتج انك أمام شخصية ملوكية مهمّة. ملامح الوجه ونظرات العينين تنبئ عن فطنة ومهابة. ولباس الحرير المرصّع بالذهب والفضّة والمجوهرات الباذخة يكشف عن ثراء وترف. المفارقة أن كلّ هذا المجد والهيلمان سيتلاشى بعد ثمان سنوات فقط من تاريخ رسم هذه الصورة، وسيصبح هذا الرجل واحدا من أكثر الشخصيات مأساوية في التاريخ. ومع انتهاء فترة حكمه، ستتحوّل أمجاد الإمبراطورية المغولية في الهند إلى مجرّد ذكرى غابرة. الفنّان الذي رسم هذه اللوحة للسُّلطان بهادور شاه ظفر، آخر سلاطين الهند المغولية، اسمه اوغست شوافت المولود في المجر في عام 1809 لأبوين ألمانيين. كان شوافت شخصا محبّا للأسفار والمغامرة. ومثل الكثير من الرسّامين الاستشراقيين في زمانه، قرّر أن يتخلّى عن حياته الهادئة في بودابست ويبدأ مغامرة كبرى ستأخذه إلى تركيا ومصر وبلاد فارس والعراق وسوريا. في عام 1838، وصل شوافت إلى الهند وذهب إلى لاهور التي كانت آنذاك عاصمة لمملكة السيخ ويحكمها المهراجات. وهناك تعرّف إلى عدد من رجالات البلاط الذين قرّبوه منهم بعد أن عرفوا عمله ثم كلّفوه برسم بورتر...

خواطر في الأدب والفن

صورة
حتى لو كنتَ رسّاما متميّزا ومشهورا في نوعية معيّنة من الرسم وتكسب من وراء ذلك المال الوفير، قد يأتي يوم تشعر فيه بالملل على الرغم من أن شعبيتك كرسّام متخصّص في ذلك النوع تتطلّب منك الاستمرار في العمل. هذا هو المأزق الذي وجد جون سينغر سارجنت نفسه فيه بعد وقت قصير من بداية القرن الماضي، عندما كانت الأرامل الأوربّيات الثريّات مع بناتهنّ يتقاطرن على منزله كي يرسمهنّ. كان هذا الفنّان يُعتبر من بين الرسّامين الأكثر نجاحا في التاريخ. لكنه كان قد بدأ يأنف من البورتريهات التي كان يرسمها ويجني من ورائها مبالغ طائلة. ولم تكن هذه هي الصعوبة الوحيدة التي كانت تواجهه. فبالإضافة إلى حقيقة أنه لم يعد يرى في البورتريه فنّا عظيما، كانت قد بدأت تلوح في الأفق نذر العاصفة الكاسحة التي اصطُلح على تسميتها في ما بعد بـ "الفنّ الحديث". أسلوب سارجنت وموضوعاته أصبحت تبدو قديمة الطراز مقارنة بأعمال بيكاسو وماتيس، بل وحتى مقارنة برسّام من جيله هو، أي كلود مونيه. وبعض النقّاد كانوا يلمّحون إلى أن أعماله أصبحت عتيقة الطراز. وقال آخرون إنها تبدو كما لو أنها تنتمي إلى زمن آخر. ووجد سارجنت م...

بروست والرَّسم

صورة
تتألّف رواية "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست من سبعة مجلّدات وثلاثة آلاف صفحة. وطول الرواية هو احد الأسباب التي تجعل الكثيرين يتردّدون في قراءتها. لكنّ النقّاد يحتفون بها كثيرا لشغفها بكلّ شيء تقريبا، من المعمار والبصريات إلى الموسيقى الكلاسيكية والموضة والطبخ الفرنسيّ. وهناك من يصف الرواية بأنها احد أكثر الأعمال البصرية ثراءً وعمقا في الأدب الغربيّ بسبب العدد الكبير من اللوحات الفنّية التي يتحدّث عنها المؤلّف في نسيج الرواية. وبروست نفسه قال ذات مرّة للناقد جان كوكتو: كتابي هو عبارة عن رسم". كان بروست يحبّ الرسم الكلاسيكيّ والحديث، وكان منجذبا إلى الانطباعية والتكعيبية على وجه الخصوص. وقبل أن يكتب روايته، كان يحمل في رأسه متحفا كاملا من اللوحات. إذ كان قد رأى اللوفر كثيرا وقرأ العديد من كتب الفنّ. وقد استدعى هذه الأعمال الفنّية إلى عقله وقام بإعادة استنساخها كي يملأ بها الممرّات الطويلة والمتعرّجة لروايته. وإذا كنت لم تقرأ بعد رواية بروست وتنوي قراءتها الآن، فإن كتاب ايريك كاربيلز بعنوان "الرسم في رواية بروست" يصلح لأن تتّخذه رفيقا لك أثنا...

حمزاتوف: شاعر الشعب

صورة
الإنسان بحاجة إلى عامين ليتعلّم الكلام، وإلى ستّين عاما ليتعلّم الصمت". - رسول حمزاتوف عندما زار الشاعر رسول حمزاتوف مدينة هيروشيما اليابانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، اُعجب بالنصب التذكاريّ للسلام الذي يصوّر الفتاة اليابانية ساداكو ساساكي. وكانت تلك الفتاة قد أصيبت بسرطان الدم نتيجة التلوّث الإشعاعيّ الذي عمّ المدينة بعد إلقاء القنبلة الذرّية عليها. وحسب المعتقدات اليابانية، صنعت ساساكي ألف طائر غرنوق من الورق على أمل أن ينقذ ذلك حياتها. لكنها للأسف توفّيت في ما بعد وأصبحت رمزا لضحايا الحروب من الأبرياء. ذكرى الغرانيق الورقية التي كانت تحتفظ بها الفتاة أرّقت حمزاتوف لسنوات وألهمته كتابة قصيدته المشهورة "الغرانيق" والتي تحوّلت في ما بعد إلى واحدة من أشهر أغاني الحرب (الفيديو أسفل). وفي القصيدة، يتخيّل الشاعر أن قتلى الحروب لا يُدفنون تحت الأرض، وإنما يُرفعون إلى السماء ويتحوّلون إلى طيور بيضاء. ثم يراقب الشاعر أسراب الطيور وهي تحلّق في الفضاء ويُرهف السمع لأصواتها الآتية من بعيد، إلى أن تتلاشى أصداؤها في أعماق السماء. ويتمنّى عندما يموت أن يجد ...

ذاكرة الأشجار

صورة
وحيدة مع نفسي، الأشجار تنثني لتداعبني والظلال تحتضن قلبي. - كاندي بولغر في ملحمة غلغامش، يبدأ البطل رحلته الأسطورية من بستان للأرْز، وينهيها في مكان تكثر فيه الأشجار التي تحمل الجواهر عوضا عن الثمار. وهذه الأشجار الغريبة توجد في حديقة في نهاية ممرّ قريب من الشمس. وفي كتاب "التحوّلات" لأوفيد، يقوم ابولّلو بمطاردة الفتاة الجميلة دافني. وأثناء ذلك يتحوّل شعرها إلى أوراق شجر وذراعاها إلى أغصان، بينما تنغرس ساقاها في الأرض كجذع شجرة. وجود الأشجار قديم جدّا على الأرض. وبعض العلماء يعيده إلى زمن الديناصورات التي كانت تتغذّى على أوراقها، أي أنها وُجدت قبل أن يوجد الإنسان نفسه. لذا ليس من المستغرب أن تخيّم الأشجار على اللغة وتمتلئ بها كتب الأدب من مختلف الّلغات. في رواية سيّد الخواتم لـ جون توكين، مثلا، توجد أشجار كثيرة اغلبها سحرية، وبعضها تمشي وتتكلّم، بل وتهاجم قلعة آيزنغارد الأسطورية وتهزم الساحر العظيم سارومان. وهناك أشجار كثيرة أيضا في رواية هاري بوتر لـ جي رولينغ، وإحدى أهمّها هي شجرة صفصاف. والأشجار ترمز لكلّ شيء، من العلاقات العائلية إلى الهويّة وإلى ...

عن الموسيقى والكتب

صورة
المكان الوحيد الذي يمكنك أن تستمع فيه إلى الموسيقى هذه الأيّام هو السيّارة. ومن واقع تجربة، لاحظت أن ما يستوقفني ممّا اسمعه في راديو السيّارة هو الموسيقى التي سبق أن سمعتها من قبل. وغالبا عندما اسمع موسيقى جديدة فإنني، وبطريقة تلقائية، إمّا أن اخفض الصوت أو أغيّر المحطّة. ثم اكتشفت أنني لست وحدي من يفعل ذلك، بل الكثيرون ممّن اعرف. وهو ما دفعني للتساؤل: لماذا يسمع الناس في الغالب الموسيقى المألوفة لهم أكثر من غيرها ولا يرتاحون كثيرا لسماع الموسيقى الجديدة؟ واقع الحال هو أننا كلّما استمعنا إلى موسيقى ما، كلّما ألفناها وأحببناها، إلى أن نصل إلى النقطة التي نملّ فيها من سماعها. لكن هل يسري هذا على الكتب والأفلام مثلا؟ رأيي انه لا ينطبق بالضرورة، إذ يندر أن أعدت قراءة كتاب سبق أن قرأته أو شاهدت فيلما للمرّة الثانية. لكن هذه ليست قاعدة، فهناك الكثيرون ممّن يرون خلاف هذا الرأي ولأسباب وجيهة أحيانا. فالبعض قد يعيدون قراءة كتاب أو رواية ما لمجرّد المتعة، أو لمحاولة فهم النصّ بشكل أعمق، أو لإيقاظ ذكرى قديمة مرتبطة بالقراءة الأولى، أو لتقدير التفاصيل، أو لكي يستوعبوا بشكل أفضل ا...