المشاركات

تشايكوفسكي وحرب نابليون

صورة
بورودينو هو اسم لبلدة روسية جرت على أرضها المعركة الأكثر حسماً ودموية في حرب نابليون بونابرت على روسيا. ففي السابع من سبتمبر من عام 1812، هاجم الجيش الفرنسيّ هذه البلدة الواقعة غرب موسكو وتمكّن من قتل حوالي ستّين ألف جنديّ روسيّ في بضعة أيّام. ثم انتظر الفرنسيون شهرا كاملا بانتظار أن يعلن الروس استسلامهم وتسليم العاصمة موسكو طوعا. لكن هذا لم يحدث. عندها زحف نابليون بجيشه على المدينة فاحتلّها بسهولة ودون مقاومة تُذكر. لكن الفرنسيين وجدوا أنفسهم في مدينة مهجورة وأشبه ما تكون بمدن الأشباح. إذ كان معظم سكّانها قد هجروها، بينما قام الجيش الروسيّ بإحراق أجزاء كبيرة منها قبل انسحابه. لذا لم يجد الفرنسيون فيها أيّ مؤن أو طعام يكفيهم لمواجهة فصل الشتاء القارس بعد أن نفذت مؤنهم. وفي النهاية قرّروا الانسحاب نهائياً من الأراضي الروسية. وعندما وصل الجيش الفرنسيّ إلى حدود بولندا في طريق عودته، لم يكن قد بقي منه سوى عُشره تقريبا. وقد زعمت أجهزة دعاية نابليون أن السبب في هزيمة جيشهم يعود إلى شتاء روسيا الذي لا يرحم أو ما سُمّي وقتها بـ "الجنرال ثلج"، في حين كان السبب الحقيقيّ تخب...

الاستبداد والفنّ

صورة
لماذا يحبّ بعض الطّغاة الشعر والموسيقى والرسم والسينما، مع أن هذه الفنون تقترن برهافة الحسّ وسموّ المشاعر وتتناقض مع حالة الاستبداد وعقلية القمع والسلطة المطلقة؟ كان كيم ال سونغ، الزعيم السابق لكوريا الشمالية، يحبّ السينما كثيرا. وقد كلّف صنّاع السينما في بلاده بإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية عن شخصه وعن حياته. وهو يُصوَّر فيها جميعا كزعيم نصف إله، عظيم وخالد. كان كيم يلقَّب بوالد الشعب وشمس الأمّة. وقد كتب العديد من المسرحيات ومن قصائد الشعر التي لا تخلو من رقّة وعذوبة. وكان يتقرّب من الفنّانين لأنه كان يرى في ذلك تكريسا لسلطته، مع انه كان دائم الانتقاد "للفنّانين الذين يُنتجون أعمالا منحلّة"، على حدّ وصفه. ومع ذلك ففي عهد كيم، الشاعر والمسرحيّ، مات ثلاثة ملايين كوري بسبب الحروب والمجاعات. هتلر أيضا كان يحبّ الرسم، بل ورسم لوحات في بعض الأحيان. لكنه أحبّ السينما أكثر. وكان هو النجم في فيلم دعائيّ اُختير له اسم معبّر هو "انتصار الإرادة". ولطالما عبّر الزعيم النازيّ عن إعجابه بالقوّة السحرية للكلمة المنطوقة ووظّف ذلك في خطبه وبياناته. ومع ذلك فقد ق...

الليلة التي ألهمت فان غوخ

صورة
ما أن يُذكر اسم فنسنت فان غوخ حتى يستذكر الناس قصّة قطعه لأذنه؛ ذلك الفعل الذي أقدم عليه أثناء نوبة من نوبات الاكتئاب التي لازمته حتى نهاية حياته. لكن لكي نعرف فان غوخ الحقيقيّ، يجب أن نتجاوز الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه باعتباره إنسانا معذّبا وعبقريّا اُسيء فهمه، وأن نركّز بدلا من ذلك على صورته كإنسان مجتهد في عمله ومتديّن جدّا وصعب المزاج. فان غوخ وجد مكانه اللائق في الفنّ، وإنْ بعد مماته، وأنتج أعمالا انفعالية الطابع وجذّابة بصريّا طوال فترة اشتغاله بالرسم والتي لم تستمرّ أكثر من عشر سنوات. وقد علّم نفسه بنفسه ورسم أكثر من ألفي لوحة زيتية ومائية. وأصبحت لوحاته تحظى بشعبية كبيرة بعد موته. وأثناء حياته كتب عشرات الرسائل، خاصّة إلى أخيه ثيو، أوضح فيها بعض أفكاره ورؤاه عن الفنّ. في عام 1874، كتب إلى شقيقه يقول: أحبّ المشي كثيرا وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقيّ لكي نتعلّم كيف نفهم الفنّ بشكل أفضل. الرسّامون يفهمون الطبيعة ويحبّونها وهي تعلّمهم كيف يرون العالم". كانت الطبيعة والناس الذين عاش بينهم هما العنصران اللذان عزّزا ميول فان غوخ الفنّية. وهو لم يكن ...

كتاب اللاطمأنينة

صورة
كنت قد سمعت الكثير عن هذا الكتاب. ثم قرأته بعد أن وجدت ترجمته العربية على الانترنت. والحقيقة انه كتاب صعب وعصيّ على الفهم إلى حدّ كبير. لكن رغم صعوبته وإغراقه في أجواء التشاؤم والعدمية، إلا انه مليء بالمفردات الشاعرية والجمل الغريبة والصور المدهشة. بداية، لا اعرف إن كانت ترجمة عنوان الكتاب للعربية دقيقة أم لا. فـ "كتاب اللاطمأنينة" عنوان ملتبس ولا يُفصح بما فيه الكفاية عن مضمون أفكار مؤلّفه الشاعر البرتغاليّ فرناندو بيسوا. وربّما كان من الأفضل أن يُسمَّى "كتاب الانزعاج" أو "كتاب الهذيان" أو "كتاب القلق". والغريب انك عندما تفرغ من قراءته، لن يعلق في ذاكرتك منه شيء، على الرغم من أسلوب كاتبه الجميل. ومع ذلك فالكتاب يتضمّن بعض العبارات التي لا بدّ أن تستوقف القارئ وتدفعه للتفكير والتأمّل. وهذه بعضها.. السعادة هي ألا يكون لدى المرء رغبة في امتلاك أيّ شيء. الرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تفعل ما يفعله جميع الناس. نحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا. أنا هامش في مدينة ...

ديرسو اوزالا

صورة
ترك المخرج اليابانيّ الكبير اكيرا كيروساوا العديد من الأفلام المهمّة، مثل "راشومون" و"الساموراي السبعة". لكن له أفلاما أخرى اقلّ شهرة، لكنّها لا تقلّ تميّزا عن بقية أفلامه شكلا ومضمونا. من هذه الأفلام واحد بعنوان "ديرسو اوزالا" من إنتاج يابانيّ روسيّ مشترك. كنت قد شاهدت الفيلم قبل عشرين عاما وما أزال أتذكّر حتى الآن قصّته الجميلة ولقطاته الرائعة وأجواءه المعبّرة. والفيلم يعود إنتاجه إلى عام 1975، وهو أوّل فيلم لكيروساوا ناطق بغير اللغة اليابانية. موضوع الفيلم يستند إلى كتاب بنفس الاسم لمستكشف روسيّ يُدعى فلاديمير ارسينييف يحكي فيه عن رحلاته العديدة في مطلع القرن الماضي إلى مناطق شرق روسيا النائية، حيث صحراء سيبيريا المثلجة طوال العام. كان يرافق ارسينييف في رحلاته تلك عدد من الجنود، وكانت مهمّته رسم خرائط للجبال والطرق التي يسلكها هو ورفاقه. وديرسو اوزالا هو اسم دليل عجوز ينتمي إلى جماعة عرقية من البدو الرحّل الذين يعيشون على الحدود الصينية الروسية. وكان ارسينييف ورفاقه قد التقوا بهذا الرجل بالصدفة في إحدى الغابات التي توقّف فيها المستكشف للبح...

جياكوميتّي: سارتر النحت

صورة
في عام 1939، وفي احد المقاهي الليلية في باريس، كان يجلس النحّات السويسريّ البيرتو جياكوميتّي (1901-1966). كان المقهى شبه فارغ في تلك الساعة المتأخّرة من الليل. ثم جاء رجل وجلس على المائدة المجاورة. ولم يلبث أن أمال رأسه ناحية جياكوميتّي وقال: المعذرة، لقد رأيتك هنا مرارا وأظنّ أننا نفهم بعضنا جيّدا". ثم صمت قليلا وأضاف: ليس معي نقود، ولا ادري إن كان بمقدورك أن تطلب لي كوبا من القهوة". ولم يكن من عادة جياكوميتّي أن يرفض مثل ذلك الطلب. ثم تلا ذلك حديث طويل بدا أثناءه أن الرجلين يفهمان بعضهما بالفعل. كان جياكوميتّي قد سمع عن جان بول سارتر من قبل، لكن كانت تلك أوّل مرّة يراه فيها عيانا. وسارتر من ناحيته كان قد سمع الكثير عن جياكوميتّي ورأى بعضا من منحوتاته. وكان ذلك اللقاء بداية لعلاقة وثيقة وممتدّة بين الفيلسوف والنحّات. وقد كتب سارتر بعد ذلك اللقاء مقالا مشهورا بعنوان "البحث عن المطلق"، تحدّث فيه عن جياكوميتّي وامتدح فنّه وأشار إلى انه يطرح أسئلة وجودية عن البشرية وعن هشاشة وغربة الإنسان. وكان النحّات نفسه قد بدأ يرى في أفكاره وفنّه امتدادا للتقاليد ا...

برامز: رقصات هنغارية

صورة
كان يوهان برامز مؤلّفا موسيقيّا وعازف بيانو من الحقبة الرومانسية في ألمانيا. وقد قضى وقتا طويلا في فيينا وعمل مع مشاهير الموسيقيين في زمانه، مثل كلارا شومان ويوسف يواكيم. منذ صغره اكتشف برامز جمال الموسيقى الفولكلورية لشعوب وسط أوربّا. وفي عام 1850، قابل موسيقيّا وعازف كمان هنغاريّا مهاجرا يُدعى ادوارد ريمني. وقد عرّفه الأخير على الموسيقى الغجرية وأصبح عاشقا لها. وقد كتب برامز بعد ذلك مجموعة من إحدى وعشرين رقصة كي تُعزف على آلتي بيانو، ونشرها ما بين عامي 1869 و 1880 تحت اسم "رقصات هنغارية". واتّبع في تأليفها اتّجاها موسيقيا كان سائدا آنذاك ويقوم على مزج الثقافة الموسيقية للأقليات، وخاصّة الغجر، بأنواع الموسيقى الأخرى. والمعروف أن موسيقى الغجر أسهمت في إثراء الثقافات الموسيقية لكلّ من هنغاريا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا. وضع برامز نفسه التوزيع الموسيقيّ لبعض تلك الرقصات، بينما أشرك زميله الموسيقيّ التشيكيّ انطونين دفورتشاك في توزيع البعض الآخر. كان برامز توّاقا لتأليف قطع هنغارية الطابع. وكان يعرف أن هناك من الجمهور من يستهويه سماعها. وقد لفتت هذه الرقصات الأنظار...