المشاركات

محطّات

صورة
الكثير من الحكايات والقصص والمواقف تثير التأمّل والتعمّق في طبيعة الواقع وفي معنى الحياة. وكلّ قصّة يمكن أن تثير رؤى شخصية وتنقل حقائق أعمق وتغيّر مفاهيمنا وتصوّراتنا المسبقة عن الواقع، وتشجّعنا على التركيز على اللحظة الراهنة والانتباه للعلاقة بين الأشياء. وفيما يلي ثلاث قصص قرأتها مؤخّرا وأعجبتني الدروس والأفكار التي تضمّننها. لذا قرّرت أن أعيد نشرها هنا بعد ترجمتها واختصارها بما لا يخلّ بمضمونها. ❉ ❉ ❉ كنت أتناول العشاء مع صديق، وحدث أن جاء والدي الى المطعم لرؤيتي. كان والدي رجلا قليل الكلام، وكان يستمع إلى حديثنا بهدوء أثناء تناولنا الطعام. وفي طريق العودة إلى المنزل، قال والدي: لا تقترب كثيرا من صديقك هذا". وصدمني كلامه، لأنني عملت مع هذا الصديق عدّة مرّات ومع الأيّام تكوّن لديّ انطباع جيّد عنه. قال والدي: يمكنك معرفة الشخص من الطريقة التي يأكل بها. وصديقك لديه عادة التقاط أفضل القطع من قاع الأطباق ثم سحبها واختصاصها لنفسه. ثم هو يبلع الطعام بسرعة دون هضمه، ويقفز من طبق لآخر وكأن لا أحد معه على المائدة". قلت له: بعض الناس يحبّون تناول الطعام ب...

قلب الذئب

صورة
في الثقافة الصينية، وكما هو الحال في ثقافات أخرى عديدة، لا تتمتّع الذئاب بأيّ شعبية. فيقال مثلا في الأمثال الشعبية الصينية "فلان له قلب ذئب"، في إشارة الى اتصافه بالغدر والقسوة والجشع. لكن كتابا صدر في بيجين قبل سنوات قلب كلّ تلك الأفكار السلبية عن الذئاب رأسا على عقب. الكتاب اسمه "طوطم الذئب"، وقد احتلّ قائمة الكتب الأكثر مبيعا لعدّة أشهر. ويصف مؤلّفه الصين بأنها "أمّة من الأغنام بحاجة ماسّة إلى استعادة نشاطها الذئبي". ويحكي المؤلّف قصّة طالب يذهب للعيش مع رعاة من ذوي الأصول المنغولية خلال الثورة الثقافية، ويصبح مفتونا بالذئاب التي تفترس مواشيهم. وتنتقد الرواية تدمير الأراضي العشبية في منغوليا الداخلية على يد مزارعين من أغلبية الهان العرقية في الصين وفشلهم في إدراك الدور الإيجابي الذي تلعبه الذئاب في الحفاظ على بيئة المنطقة. ومع أن مؤلّف الكتاب عوقب بالسجن، إلا أن كتابه نال إعجاب المسؤولين ورجال الأعمال الذين استخدموه لتحفيز الموظفين. وأصبح الذئب ذو الإرادة القويّة والموجّه لخير القبيلة نموذجا يُحتذى به. الحكاية التالية مختلفة بعض الشيء، مع أ...

حكمة الدبّ الواقف

صورة
أمضى لوثر ستاندنغ بير "أو الدبّ الواقف" (1868 - 1939) سنواته الأولى في العيش كما عاش أجداده، متجوّلا في التلال الخضراء الوارفة لما أصبح الآن يُعرف بولايتي داكوتا الجنوبية ونبراسكا. ثم أصبح شخصية بارزة في تاريخ الهنود الحمر وزعيما لعشيرة لاكوتا من قبائل السيو ومفكّرا ومؤلّفا وممثّلا سينمائيّا. كان ذا نفوذ قويّ وصاحب رؤية ومدافعا عن حقوق السكّان الأصليين في السهول الكبرى قبل وأثناء وصول المستوطنين الأوروبيّين وانتشارهم لاحقا. وقد عاصرَ "الدبّ الواقف" الاضطرابات والصدامات التي تسبّبت بها حكومة الولايات المتحدة والمهاجرون الاوربيّون والإزالة القسرية للقبائل الأصلية من أراضيها، ودافع عن حقوق الأمريكيين الأصليين وسيادتهم طوال حياته، وانتقد دعم الحكومة للمبشّرين الذين قوّضوا ديانة السيو، ووظّف كتاباته إجمالا لرفع مستوى الوعي بالسياسات القمعية والظلم الذي واجهته المجتمعات الأصلية. كما ألّف العديد من الكتب، أهمّها كتابه "أرض النسر المرقّط"، الذي وصف فيه حياة وعادات قبائل السيو وانتقد جهود المستوطنين الأوربّيين في تحويل الهنود إلى العِرق الأوربّي وتحدّ...

رسائل ڤان غوخ

صورة
تُشكّل رسائل الفنّان الهولندي فنسنت فان غوخ إحدى أعظم متع الأدب الحديث، ليس فقط بسبب الجمال المتأصّل في النثر ودقّة الملاحظات، ولكن أيضا بسبب تصويرها للفنّان كإنسان مكرّس كليّا وبلا أنانية للعمل المطلوب أن ينذر نفسه لأجله. والرسائل هي عبارة عن يوميّات أو سيرة ذاتية تأمّلية. وسوف يكتشف أيّ شخص مُلمّ بالرسومات واللوحات التي أبدعها الفنّان أثناء حياته القصيرة والمكثّفة أن الرسائل تُسلّط الضوء على الكثير من جوانب شخصيّته كإنسان وكفنّان. ومعظم تلك الرسائل وجّهها فان غوخ إلى شقيقه ثيو. لكنّه أيضا تَراسلَ مع شقيقته ويلهلمينا ومع بعض زملائه الرسّامين مثل اميل برنار وبول غوغان. في البداية كانت كلماته تكشف عن رجل في ثياب كاهن أو رجل دين. كانت مليئة بكلمات الإنجيل وبالإشارات الدينية. لكن قبل وفاته ببضع سنوات، تخلّى عن طموحاته ومواعظه الدينية وأصبح يضمّن رسائله تأمّلات وجدانية وفلسفية. والكثير من النقّاد لاحظوا أن فان غوخ كان يكتب رسائله بمزاج مسترخٍ وروح متفائلة، حتى في أصعب أوقات معاناته النفسية. وآخر رسالة كتبها لم تكن "رسالة انتحار" بل كانت رسالة ناقصة إلى أخيه وُجدت في ...

في الغابة/2

صورة
المفكّر والفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو الذي قضى فترة من حياته في وسط غابة يقول: ذهبت إلى الغابة لأنني كنت أرغب في أن أعيش حياة مدروسة، وأن أواجه فقط الحقائق الأساسية للحياة، وأرى ما إذا كان بمقدوري تَعلُّم ما يجب أن تعلّمني إيّاه الحياة، ولكيلا أكتشف عندما يحين موعد موتي أنني لم أعش. أن تضيع في الغابة في أيّ وقت هي تجربة مدهشة ولا تُنسى." الدخول إلى عالم الفنّان الفرنسي هنري روسو يشبه الدخول إلى أعماق غابة يوحي شكلها بالمتاهة، حيث تتكشّف أنواع القصص والدراما المختلفة من خلف الأغصان والنباتات والأشجار. كان هذا الرسّام يرى العالم كغابة ويعبّر من خياله عن العالم كما يراه. وكان دائما يقول: لا شيء يجلب لي السعادة أكثر من تأمّل الطبيعة ورسمها". دستويفسكي يشير في فقرة من روايته الأشهر "الإخوة كارامازوف" إلى لوحة يصفها بالمذهلة للرسّام إيفان كرامسكوي، تظهر فيها غابة في الشتاء ورجل يقف بمفرده على الطريق بثياب رثّة وحذاءين باليين. ثم يعلّق على اللوحة بقوله: هناك أشخاص كثر يعيشون في هذا العالم، ليسوا بالسيّئين أو الأشرار، لكن لا فائدة منهم أيضا". باو...

في الغابة/1

صورة
حتى مع استمرار تقلّص مساحات الغابات في العالم، يبدو الأدباء والكتّاب والفنّانون ميّالين أكثر فأكثر إلى تصوير الغابات كواحات للخلاص وملاذات للتحرّر من قيود وآفات الحضارة المعاصرة. أبطال القصص الخرافية غالبا ما يجدون طريقهم إلى الغابة. هناك يضيعون ثم يجدون أنفسهم، ويكتسبون فكرة عمّا يجب القيام به. والغابة دائما هائلة وغامضة. لا يمكن أن يفرض أحد سلطته عليها على الإطلاق، لكنها تملك القدرة على تغيير الحياة وتغيير المصائر. الغابة، هذا الفضاء البرّي يمثّل حدود قدرة الإنسان، وهو مكان يمكن أن يحدث فيه أيّ شيء. في ملحمة غلغامش، يسافر الأبطال إلى غابة الأرز لمحاربة الوحوش. وغابة ميركوود لتولكين، المستمدّة من الأساطير الإسكندنافية، تُعتبر غابة سحرية خطرة للغاية، لدرجة أنه حتى الآلهة كانت حذِرة من دخولها. ودانتي يبدأ رحلته الشعرية الملحمية في غابة معتمة وغامضة، حيث يضلّ طريقه. كان الرومان يعتقدون أن المدخل الى الهاوية المؤدّية الى الجحيم يمرّ عبر غابة. وفي ملحمة فرجيل، يقرّر البطل اينياس الذهاب إلى العالم السفلي ليرى طيف والدته الراحلة. وفي الطريق يقابل عرّافة توافق على مرافقته في ا...

أغاني طاغور

صورة
ذات ليلة، رأى أحد مُلّاك الأراضي الهنود في المنام ثلاث عشرة نخلة متساوية الطول، وقد نمت كلّها في مكان ظليل، بينما كانت الشمس تشرق على مكان آخر مليء بالأعشاب الخضراء. وبينما كان الرجل يتأمّل المنطقة المغمورة بضوء الشمس، رأى نخلة جديدة تنمو في الأرض وتتطاول ثم تطرح ثمرا مختلفا أنواعه، بينما أناس كثيرون يتحلّقون حول النخلة ويأخذون من ثمارها العجيبة. ولما استيقظ الرجل من حلمه ذهب إلى أحد الكهنة كي يفسّر له الحلم. فقال له: النخلات الـ 13 هي مجموع بناتك وأبنائك، وأمّا النخلة الـ 14 التي نمت في بقعة مشرقة فمولود ستُرزق به قريبا وسيكون له شأن عظيم. ولكن إيّاك أن تضعه في البقعة البعيدة عن النور، أي في نفس مسار الحياة الذي تضع فيه أبناءك الآخرين. ولا تعلّم ابنك القادم الفلاحة وجني المحاصيل كبقيّة أولادك، بل إهتمّ بتعليمه وتثقيفه لأنه سيكون متميّزا كثيرا وسيستفيد من علمه وأدبه خلق كثير. ولا تحدّث أحدا بحلمك هذا مخافة الحسد، كما تعلم". وبعد سنوات، أخبر الرجل ابنه رابندرانات طاغور بذلك الحلم بعد أن كبر. وظلّ طاغور يتفاءل بالرقم 14 طوال حياته. وألّف أوّل قصيدة له وهو في سنّ الـ 14. كم...