روبنسون كروزو الحقيقي


مشهد روبنسون كروزو وهو يتراجع عند اكتشافه آثار أقدام في جزيرته هو ما يسمّيه ستيفنسون أحد المشاهد الفارقة في الأدب الرومانسي، وهو يقارَن بصراخ أخيل في وجه الطرواديين وانحناء أوديسيوس للقوس العظيم وجَرْي كريستيان واضعا أصابعه في أذنيه.
ومع ذلك، يوجد بين قصص المغامرات البحرية الحقيقية مشهد واحد على الأقل جدير بالذكر إلى جانب اللحظة الحاسمة في رواية كروزو. حدث هذا عندما التقى بيدرو دي سيرانو بناجٍ آخر "وكان إسبانيّا أيضا" على جزيرة مرجانية مهجورة قبالة سواحل البحر الكاريبي.
في وقت ما خلال عشرينات القرن السادس عشر، أي في بدايات الاستكشاف والاستيطان الإسباني على سواحل أمريكا الجنوبية، تحطّمت سفينة البحّار دي سيرانو، ونجا بنفسه عندما سبح إلى الشاطئ، بينما غرق باقي أفراد الطاقم. ثم وجد نفسه في جزيرة قاحلة موحشة، خالية من أسباب الحياة.
وعندما زحفت السلاحف البحرية الضخمة على الرمال، كان يَقلبها على ظهورها ويذبحها بسكّينه ثم يشرب دمها ويأكل لحمها نيّئا أو يجفّفه تحت أشعّة الشمس الحارقة. وكان بحّارة آخرون، منكوبون وفي ظروف مشابهة، قد شكروا الله على ذلك النوع من الطعام واعتبروه نعمة.
سيرانو الذي جرفته الأمواج إلى الشاطئ ومعه فقط ذكاؤه الحادّ وسكّينه، كان يكشط أصداف هذه السلاحف الضخمة ويستخدمها لجمع الماء عندما تهطل الأمطار الغزيرة. وهكذا، توفّر له الطعام والشراب، وكان المأوى هو الحاجة الأساسية التالية.
كانت هناك شظايا من ألواح السفن المفقودة بين هذه المياه الضحلة، لكنها كانت صغيرة ومتحلّلة ولا تصلح إلا كحطب. وصنع بيدرو لنفسه سقفا صغيرا من أصداف السلاحف. لكن حرارة الشمس أرهقته لدرجة أنه كان يضطرّ إلى الاستحمام بماء البحر المالح عدّة مرات في اليوم. ومع ذلك، كان قد جهّز نفسه لمواجهة صراع البقاء. وقد أطنب كاتب سيرته في وصف تفاصيل ذلك في كتاب تُرجم إلى الإنغليزية قبل مائة وخمسين عاما.
عاش بيدرو سيرانو وحيدا لمدّة ثلاث سنوات على هذه الحال، وشاهد عدّة سفن تمرّ بالجزيرة، لكن لم تتوقّف أيّ منها للتحقّق من الدخان الذي كان يشعله للفت نظر البحّارة العابرين. وبسبب تعرّضه لجميع الأحوال الجويّة، نما شعر جسده بطريقة جعلته مغطّى بالشعر بالكامل، ووصل شعر رأسه ولحيته إلى خصره، فبدا وكأنه مخلوق متوحّش.
وبعد مرور ثلاث سنوات، فوجئ سيرانو بظهور رجل غريب في جزيرته، كان قد أشرف على الغرق في الليل عندما جرفت عاصفة سفينته، ونجا بفضل لوح خشبي استنقذه منها. وما أن أشرقت الشمس حتى لمح الدخان، فتخيّل مصدره واتجه نحوه.
وعندما رأى الرجل سيرانو ظنّ أنه شيطان في هيئة رجل أتى لإغوائه ودفعه إلى اليأس. وشعر كلاهما بالخوف من الآخر، وفرّ كلّ منهما في اتّجاه. لكن بيدرو سيرانو صرخ بالرجل وهو يركض خلفه وناشده بأن يتوقّف. وأدرك الرجل أخيرا أن سيرانو ليس شيطانا، فتوقّف وتعانقا وهما يبكيان ويندبان حالهما البائس، حيث لا أمل في النجاة.
وبعد أن واسى كلّ منهما الآخر، بدءا في سرد أسباب مصائبهما. ولتحسين إدارة حياتهما، خصّصا ساعات الليل والنهار لأعمال محدّدة، من قبيل صيد السمك للأكل وجمع الأعشاب البحرية وعظام السمك وغيرها مما يقذفه البحر.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

وهكذا عاشا معاً في وئام لعدّة أيّام، لكن سرعان ما نشب بينهما خلاف حادّ كاد أن يتطوّر إلى عراك بسبب اتهامات متبادلة بالتقصير في بذل الجهد والرعاية اللازمين لظروفهما الصعبة. وتفاقم هذا الخلاف حتى انفصلا في النهاية وذهب كلّ منهما إلى طرف من الجزيرة حاملا مؤنته معه لتجنّب الشجار.
لكن سرعان ما شعرا بفقدان الراحة، فهدأت ثائرتهما وعادا للاستمتاع بالحديث وبالمساعدة التي توفّرها الصداقة والرفقة، وقضيا أربع سنوات على تلك الحال. وخلال تلك الفترة، رأَيَا سفنا كثيرة تبحر بالقرب من جزيرتهما، لكن لم يكن بحّارة أيّ منها كرماء أو فضوليين بما يكفي لينجذبوا إلى دخانهما. لذا بلغ بهما اليأس أشدّه وتوقّعا ألا علاج ينتظرهما سوى الموت لإنهاء معاناتهما.
لكن في النهاية، رصدت دخانهما سفينةٌ كانت تغامر بالمرور على مسافة أقرب من المعتاد، وقرّر بحّارتها أن مصدر النار ربّما يكون بعض الأشخاص الذين نجوا من غرق سفينة في ذلك المكان، فأنزلوا قاربا ليأخذهم. وركض سيرانو ورفيقه على الفور إلى المكان الذي رأوا فيه القارب قادما، ولكن بمجرّد أن اقترب البحّارة بما يكفي لتمييز المظهر الغريب للرجلين، حتى شعروا بالخوف الشديد وبدأوا بالتجديف عائدين.
لكن سيرانو ورفيقه بدءا في الصراخ والاستعطاف وتمتما ببعض الأدعية كي لا يظنّوا أنهما شيطانان أو روحان شرّيرتان. ورقّت قلوب بعض البحّارة وعادوا وأخذوهما إلى القارب وحملوهما إلى السفينة حيث سمعوا منهما قصّة ضياعهما في الجزيرة.
وبينما توفّي رفيق سيرانو أثناء سفرهما إلى إسبانيا، نجا سيرانو وواصل رحلة العودة إلى الوطن. ومن هناك سافر إلى ألمانيا حيث كان الإمبراطور شارل الخامس يقيم آنذاك. وطوال تلك الفترة، أبقى على شعره ولحيته دون حلاقة ليُظهر أثر حياته السابقة. وأينما حلّ، كان الناس يتزاحمون لرؤيته بعد أن تحوّلت قصّته الى ما يشبه المعجزة. أما ذوو المكانة، فكانوا يعطونه ما يكفي لتغطية نفقاته.
ولما قابل الإمبراطور أخيرا واستمع إلى أحاديثه، منحه راتبا سنويا يكفيه. لكن بينما كان بيدرو سيرانو في طريقه لتسلّم مكافأته توفّي في بنما ولم ينل شيئا مما وُعد به.
لكنه كان أكثر حظّا من معظم الناجين من حوادث غرق السفن. سبع سنوات على جزيرة مهجورة كانت منفى طويلا له، لكنه عاد إلى وطنه أسرع بكثير من آلاف البحّارة التعساء الآخرين الذين لم تُكتب لهم العودة أبدا.
هناك قلّة من الناس الذين يعلمون أن قصّة روبنسون كروزو استلهمها الكاتب دانيال ديفو من قصّة بيدرو دي سيرانو هذه. وقد استند في عمله على مذكّرات سيرانو المحفوظة في الأرشيف العام لجزر الهند في إشبيلية.
وأضاف ديفو إلى المغامرة الشهيرة عناصر مستوحاة من غرق سفينة بحّار اسكتلندي يُدعى سيلكيرك خاض منفردا مغامرة غير عاديّة على جزيرة في الكاريبي وكُتب له فيها البقاء على قيد الحياة في ظلّ ظروف قاسية.
وهناك اليوم جزيرة صغيرة في الكاريبي أُسميت "سيرانا" تيمّنا ببيدرو سيرانو، حيث يُظنّ بأن البحّار الاسباني عاش فيها. ويعيش على أرض الجزيرة اليوم حوالي سبعين شخصا.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم

فنجان قهوة