المشاركات

رحلة إلى العملاق الثلجي

صورة
الصورة فوق متخيّلة. وهي تُظهر كيف كان سيبدو حجم وشكل ولون كوكب أورانوس من الأرض لو انه يقع على نفس المسافة التي يبعد بها القمر عن الأرض. عندما تنظر إلى هذه الصورة المركّبة ربّما يعتريك شعور بالرهبة، تماما مثل ما حصل معي وأنا أتأمّلها. لاحظ كيف أن جوّ الليل اكتسى ضوءا مشوبا بزرقة شاحبة. والأزرق هنا لا يشيع إحساسا بالطمأنينة أو الارتياح، وإنما بالضيق والكآبة وربّما الخوف. ثم قارن هذا المنظر السوريالي الغريب بالقمر الذي نعرفه والذي يثير منظره وضوؤه في النفس إحساسا بالبهاء والأمان والسكينة. الشاهد من هذا الكلام هو أن الخالق الجميل قدّر كلّ شيء في هذا الكون بقدَر وأحصى النسب والاحتمالات بدقّة ولم يترك شيئا للحظّ أو الصدفة. في موضوع سابق قبل بضعة أشهر، ذهبنا في زيارة سريعة إلى كوكب الزهرة أو "أرض جهنّم". واليوم نترك الزهرة خلفنا ونتّجه أكثر فأكثر إلى الأطراف البعيدة جدّا للنظام الشمسيّ؛ إلى العوالم الغازيّة الضخمة حيث الجوّ أكثر برودة وضوء الشمس اشدّ خفوتا، لنتوقّف عند العملاق الثلجيّ المسمّى أورانوس. لكن في البداية: من أين أخذ هذا الكوكب اسمه؟ أورانوس هو اسم إ...

عشّاق الراست

صورة
موضوع اليوم خفيف وسهل الهضم إلى حدّ ما. وهل هناك ما يمكن أن ينطبق عليه هذا الوصف أكثر من الموسيقى؟! في الأشهر الأخيرة اكتشفت أنني بدأت أميل إلى قراءة ومعرفة كلّ شيء ذي صلة بالموسيقى التراثية الشرقية. وبدأت هذا النوع من حبّ الاكتشاف بمحاولة الاقتراب من كلّ ما له علاقة بأغاني التراث، وخاصّة بالمقامات الموسيقية. ثم خطر ببالي أن أفضل ما يمكن أن أبدأ به هو التعرّف إلى المقام الأكثر قربا من نفسي، ألا وهو مقام الراست. وشغفي بالراست قديم ولا يمكن وصفه. ولطالما استوقفتني تلك المسحة من الشجن والإحساس بالتوق والحزن الشفيف التي يثيرها هذا المقام في نفس السامع. ولكي لا يأخذ عليّ احد أنني أتحدّث في مجال لا يخصّني، أبادر للقول أن كلّ الكلام الذي أكتبه هنا قد لا تكون له علاقة بالعلميّة، بل هو في نهاية الأمر مجرّد انطباعات وأفكار شخصيّة. وأظنّ أن أفضل تمهيد لموضوع عن مقام الراست هو هذا السؤال الذي اطرحه على القارئ العزيز: ترى هل لاحظت أحيانا أنك تميل إلى سماع نوع معيّن من الأغاني والألحان التي تطرب لها أكثر من غيرها؟ إستمع مثلا الى هذا الموشّح ، أو الى هذه الأغنية ، أو هذه ، أو إل...

موزارت: القدّاس الجنائزي

صورة
من أكثر أعمال الموسيقى الكلاسيكية شهرة وإثارة وغرابة القدّاس الجنائزي لموزارت. وأحد أهمّ الأسباب في كون هذا العمل مثيرا ومشهورا هو طبيعة القصص التي نُسجت حوله والتي يشبه بعضها الأساطير. وأنت تسمع قدّاس موزارت، يُخيّل إليك انك تمشي باتّجاه حفرة كبيرة. والحفرة تقع على الجانب الآخر من هاوية لا يمكن أن تراها إلا عندما تصل إلى حافّتها. موتك ينتظرك في هذا الجُبّ. وأنت لا تعرف هيئته ولا صوته ولا رائحته. أيضا أنت لا تعرف ما إذا كان جيّدا أو سيّئا. فقط تمشي باتجاهه. إرادتك عبارة عن آلة كلارينيت وخطى قدميك مجموعة من آلات الكمان. وكلّما اقتربت من الحفرة، كلّما ساورك إحساس بأن أمرا ما مرعبا ينتظرك هناك. ومع ذلك فأنت تمرّ بهذا الرعب كنوع من النعمة أو المنحة. مشيك الطويل ما كان ليكون له معنى لولا وجود هذه الحفرة في نهايته. وأنت تحدّق في الهاوية، تسمع فجأة ضوضاء أثيرية تتهشّم فوقك. في الحفرة ثمّة جوقة كبيرة. هذه الجوقة هي المُضيف السماويّ، وفي الوقت نفسه جيش الشيطان. وهي أيضا كلّ شخص أحدث فيك تغييرا أثناء حياتك على هذه الأرض: الأفراد الكثيرون الذين أحبّوك، عائلتك، أعداؤك، والنساء ال...

أغاني جياكومو ليوباردي

صورة
يقال أن الأرواح القلقة لا يناسبها التأمّل، والأرواح الهادئة لا تنجذب نحو التعصّب، والأشخاص الحسّاسين والميّالين للفنون يجدون ضالّتهم في الطقوس الصوفية، والأشخاص العقلانيين والفلاسفة يجدون متعتهم في العصف الذهني أو العقلي. ومع ذلك اعتقد أن الأشخاص المتأمّلين هم أكثر الناس عرضة للحزن والاكتئاب، ربّما لأنهم يفكّرون أكثر ويعملون أقل. وعلى رأس هؤلاء يأتي الفنّانون والشعراء على وجه الخصوص. لكنْ هناك طبعا أسباب مهمّة أخرى تستحقّ أن يُفرد لها موضوع مستقلّ. من أشهر المتشائمين في تاريخ الأدب العالمي الشاعر الايطاليّ الكبير جياكومو ليوباردي (1798-1837) الذي ظلّ ولفترة طويلة يحتلّ مكانة رفيعة في تاريخ التشاؤم الأوربّي. نظرة ليوباردي العدمية إلى الوجود لا يمكن أن نجد لها مثيلا إلا عند فلاسفة من أمثال شوبنهاور ونيتشه اللذين كانا معجبين به. منظور ليوباردي المتشائم والكئيب عن الحياة عبّر عنه في العديد من قصائده. في عام 1826 كتب يقول: كلّ شيء شرّ. أعني، كلّ شيء موجود لغاية شرّيرة. هذا الوجود معيب وشاذّ ومتوحّش. والشرّ هو الغاية والغرض النهائي من الكون. والشيء الوحيد الجيّد حقّا هو العدم...

عن الكتب والقراءة

صورة
صديقي، الذي يفاخر دائما "ومعه حقّ" بأنه قرأ كتبا أكثر بكثير ممّا قرأت، حدّثني منذ أيّام عن قائمة الكتب التي يقرؤها منذ بداية شهر رمضان. وقد اختار لقراءاته الرمضانية مجموعة من الكتب القديمة والمعروفة، وذكر في ما ذكر كتبا مثل الكامل في التاريخ لابن الأثير وكتاب الجمهورية لأفلاطون والقانون في الطبّ لابن سينا وكتاب التواريخ لهيرودوت، بالإضافة إلى كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. طبعا أعرف أن صديقي لا يبالغ، وهو بالتأكيد لا يدّعي شيئا ليس فيه، فأنا اعرف انه "دودة كُتُب" من النوع الذي لا يكلّ ولا يملّ من قرض والتهام كلّ ما تقع عليه يده. وهو يقرأ في جميع التخصّصات، ولهذا لا أبالغ إن وصفت ثقافته بأنها موسوعية على مستوى ما. في اليوم التالي لحديثنا، جلست أفكّر في ما سمعته منه، ومرّت بذهني أسماء بعض الكتب القديمة والمشهورة التي ظللت احلم بقراءتها يوما ما، ولم يتسنّ لي تحقيق ذلك بسبب كثرة الأعمال والمشاغل. وكلّ تلك الكتب التي ذكرها لي صديقي هي من الكتب التي يبدو أنني اكتفيت بالسماع عنها دون أن يسعفني الحظّ والوقت لقراءتها. ثم خطرت ببالي بعض الأسئلة عن جدوى قر...

خواطر موسيقية

صورة
هذه القطعة اسمها "آريا دا كابو"، وهي المعزوفة الأولى من تنويعات غولدبيرغ ليوهان سيباستيان باخ. "آريا" تعني نغم، و"دا كابو" تعني من الرأس أو من البداية. ويُعتقد أن باخ لم يؤلّف النغم نفسه، ولكنّه قام بتكييفه من رقصة فرنسية انقرضت ولم يعد لها أثر اليوم. علماء الموسيقى يذهبون إلى أن باخ كُلّف بتأليف التنويعات من قبل الكونت كايزرلينغ السفير الروسي في بلاط دريسدن لكي يعزفها يوهان غولدبيرغ رئيس موسيقى الغرفة في بلاط الكونت. ويقال إن كايزرلينغ كان يعاني من الأرق المزمن. وقد أراد بعض الموسيقى التي من شأنها أن تكون ناعمة ومهدّئة كي تساعده على النوم. ويبدو أن موسيقى باخ المسكّنة هذه فعلت فعلها للكونت وأدّت إلى تحسّن حالته. وقد كافأ باخ على عمله بأن أهدى إليه إناءً مذهّبا يحتوي على مائة قطعة من الذهب. النسخة الأكثر شهرة من تنويعات غولدبيرغ هي تلك التي وضعها عازف البيانو الكندي غلين غولد في عام 1955. وكان هذا أوّل تسجيل مهمّ لها. وقد أبدت شركة التسجيل الراعية قلقها في ذلك الوقت من احتمال أن لا يكون هذا العمل ملائما لذوق الجمهور. ومع ذلك، عندما ط...

عن أسفار وكتابات روزيتا فوربس

صورة
روزيتا فوربس (1890-1967) اسم ربّما لم يسمع به الكثيرون. لكن في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، كانت هذه المرأة واحدة من أشهر كتّاب السفر والرحلات. وقد ذهبت إلى أماكن بعيدة في الشرقين الأوسط والأقصى. وفي بحثها عن الأماكن الأسطورية التي نادرا ما يزورها الغربيون، كانت تذهب متخفيّة غالبا. كانت فوربس شخصية جسورة وملوّنة عرفها الملوك وزعماء القبائل. وقد الّفت ثلاثين كتابا سجّلت فيها رحلاتها وانطباعاتها التي تصف فيها أماكن فاتنة زارتها ورأتها. والكثير من هذه الأماكن اختفت اليوم أو تغيّرت ملامحها بفعل الحداثة. كما تصف الرجال والنساء الذين قابلتهم في أسفارها وتتحدّث عن الطقس السيّئ والأدلاء الغادرين والمساكن الرديئة. وقد قادها حبّ المغامرة والاستكشاف إلى الصحراء الليبية وأبحرت في البحر الأحمر باتجاه اليمن. كما سافرت إلى جنوب شرق آسيا والصين والمغرب وتركيا والعراق وفارس وأفغانستان. وكان احد اكبر انجازاتها الاستكشافية رحلتها إلى واحة الكفرة في الصحراء الكبرى عام 1921. ولدت روزيتا فوربس عام 1893 في لنكولنشاير وتعلّمت في مدرسة خاصّة سمحت لها بأن تصبح عاشقة للخرائط ونمّت في نفسها الرغب...