نصوص مترجمة


  • كحال الكثير من الأوزبك، قضيت طفولتي في قرى وادي فرغانة. في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، وبينما كنت أسترجع ذكريات تلك الفترة، بدأت أراها وكأنها حلم منسيّ منذ زمن بعيد؛ كقصّة نيزك اختفى وراء الأفق.
    ذات يوم، أطلق شرطيّ يمتطي حصانا النار على صبيّ يُدعى بابار، لكنه لم يمت. إلتفتَ الشرطيّ نحو الناس وقال: يا إلهي! لقد رأيت لصوصا فظيعين في حياتي، لكن هذا اللصّ الصغير أصيب بخدش في فروة رأسه برصاصة ولم يطرف له جفن!"
    تطفو هذه الذكريات في وعيي على الفور، بينما تبقى ذكريات أخرى لا تُحصى غارقة في أعماق ذهني كما لو كانت مقيّدة بالحجارة. وحده أنطون تشيكوف هو من علّمني كيفية الوصول إليها. قبل ثلاثين عاما، قرأت جميع مؤلّفات الكاتب العظيم بنهم شديد، ولم أترك الكتب من يديّ قط. كنت لا أزال شابّا، وكنت أتخيّل وأنا أقرأ، أن تشيكوف سيعطيني نظّارته الشهيرة التي تظهر دائما على أنفه في جميع صوره قائلا: هاك، ارتدِ هذه وانظر إلى ماضي شعبك!"
    بفضل تلك النظّارات، عادت جميع الذكريات التي كانت راسخة في ذهني فجأة إلى الوعي، وتجسّدت أمام عينيّ حياة أجدادي الماضية. وهكذا تشكّلت حكايات منتصف الثلاثينات التي يذكّرني بها الناس. ورغم أن العديد من القرّاء استقبلوا تلك القصص بحفاوة آنذاك، إلا أن القرّاء الشباب غالبا ما يعترضون عليها الآن، قائلين إن الأحداث والشخصيات المصوّرة في تلك القصص مبالغ فيها أو أكاذيب صريحة.
    مع مرور السنين، ازداد نقّاد هذا الجيل الجديد قسوةً. "هل يعقَل ألا يشعر أحد بالندم على رجل سُرق ثوره؟ "هل يعقَل أن يكون المرء غريبا في وطنه؟". "ألا يجدون دواءً للمريض سوى الدعاء؟". "ألا يجد رجل سليم رمّانتين لزوجته الحامل؟". "هل يعقَل أن يكون المثقّف أحقر من الكلب"؟
    في فناء منزلنا الضيّق، كانت أمّي تزرع وتغرس الريحان والزعتر. كانت الحديقة المحاطة بجدران طينية تشبه عشّ السنونو. وكان هناك باب صغير يفصل المنزل عن الفناء. وكانت نوافذ المنزل مغطّاة بورق مشحم لمنع نظرات المارّة.
    وذات يوم، كنت جالسا أمام بابنا ألعب بالصلصال، عندما دخلت مجموعة من القوزاق من وسط القرية. لم أر قوزاقاً من قبل. انشغلت بتأمّل قبّعاتهم الزرقاء ذات الأشرطة الحمراء وخصلات شعرهم الأمامية التي تطلّ من تحتها، فبدأت أتبعهم. وعندما أدرت وجهي أخيرا، اكتشفت أنني في حقل. التفتّ عائدا، لكنني لم أجد شارعنا.
    بدأت أبكي، ولحسن الحظّ، ظهرت عربة. توقّف السائق ونزل منها، وبدأ يتحدّث معي. اتضح أنه يعرف والدي. وضعني على عربته وأخذني إلى المنزل. لم أخبر أمّي أبدا بما حدث لأنها كانت ستوبّخني بالتأكيد. لكن سائق العربة أخبر والدي، وعندما سمعت أمّي بالقصّة، أصيبت بالذعر.
    "يا بني، الله وحده أنقذك! ماذا لو أمسك بك أحد هؤلاء القوزاق من ساقك وضرب رأسك بالأرض، أو جرّك معهم؟ تذكّر: إذا رأيت قوزاقا، اهرب، وإذا لم تستطع الهرب، فألقِ بنفسك في أقرب حفرة!"
    أما والدي، فعلى العكس من ذلك، أثنى عليّ وقال: عمل رائع، ستكون رجلا شجاعا يوما ما". ثم التفت إلى والدتي قائلا: الشجعان دائما يواجهون القوزاق دون خوف!"
    ومنذ تلك اللحظة، تغلّب والدي على والدتي ومنحني استقلالي. سمح لي بالخروج والتجوّل في أيّ شوارع وأزقّة أرغب بها، وباللعب مع الأطفال في الشارع، وفعلت كلّ هذا دون أن أتعرّض للأذى أو الضياع.
    في أحد الأيّام، بينما كان والدي يغادر إلى متجره صباحا، رأى امرأة علِقت بذيل ثوبها شوكة كبيرة. لحق بها والدي وداس على الشوكة، فتمكّن من إخراجها. لكن المرأة، إذ شعرت بشدّ في ثوبها، انتفضت وحدّقت في والدي قبل أن تسرع بالمسير. واتضح أن هذه المرأة هي ابنة جارنا المتزوّجة. وعندما وصلت إلى المنزل، أخبرت والدها أن الحدّاد "أي أبي" حاول كشف عورتها في الشارع.
    وفي اليوم التالي، أيقظ جارنا الحيّ بأكمله. "يا صاحب عربة الشيطان! أيها الأجنبي! اُخرج إلى هنا! اخرج قلت لك".
    لم نسمع ذلك الجار قط يصْدِر مثل تلك الأصوات العالية. نظر أبي إلى أمّي برعب. شحب وجهها. ركض أبي إلى الشارع، وركضت أنا أيضا. لم أرَ جارنا هكذا من قبل. أين كان ذلك الرجل العجوز الذي كان دائما مبتسما ويتحدّث بلطف؟ أمامنا كان وجهه مرعبا وعيناه جاحظتين ووجهه أشدّ شحوبا من لحيته البيضاء وجسده كلّه يرتجف.
    وعندما رأى أبي، خرجَت من فمه شتائم كثيرة. بصق ما قالته له ابنته على أبي، ولعنه واصفا إيّاه بـ"الكلب الأجنبي". وأدنى أبي رأسه الى الأرض مذهولا. "يا شيخ، فقط استمع أرجوك"، قال أبي. لكن الرجل العجوز كان قادما نحوه بالفعل وقبضته مرفوعة.
    وصرخ قائلا: إحزم فراشك واخرج من بيتي أيها الكلب الغريب"! ثم اندفع إلى داخل منزلنا، ولم يكترث لأمّي التي تجمّدت من شدّة الخوف، ودخل منزلنا.
    دخل أبي خلفه وهو يتوسّل قائلا: يا شيخ، يا شيخ أرجوك أن تسمع". خرج الجار من المنزل حاملا فراش نوم أبي، وألقى به في الشارع حيث تجمّع حشد من الناس. لم يحاول أحد تهدئة جارنا، بل على العكس صرخ أحدهم: لا خير يُرجى من شخص يركب عربة الشيطان تلك".
    خفض الجار رأسه ومشى بجانب والدي. "هل ظننت أن ابنتي مجرّد بغيّ تمشي في الشارع؟ ردّ يا حقير؟! لو رأيت وجهك هنا مرّة أخرى، فسأفعل أشياء لن تسرّك" صرخ ودخل منزله.
    سمع جميع سكّان القرية الضجّة. أخذ أبي فراشه من الطريق وأعاده إلى المنزل. كانت أمّي تضرب رأسها بالحائط وهي تشدّ شعرها وتبكي. شرح لها أبي قصّة الشوكة، وحاول تهدئتها قائلا: الرجل الكهل لا يستمع لأحد الآن. سنمنحه بعض الوقت، وسيدرك خطأه ويشعر بالخجل من نفسه."
    توقّفت أمّي عن البكاء فجأة: يجب أن تخجل. يجب أن تخجل من التحديق في امرأة متزوّجة!" صرخت. عبس والدي لكنه لم ينطق بكلمة. ثم خرج إلى الشارع. عاد في وقت لاحق من تلك الليلة. أخبرنا أنه وجد مكانا في حيّ قريب. حملنا أغراضنا في العربة التي أحضرها وانطلقنا إلى منزلنا الجديد. عبدالله قهور
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • تلعب الألوان دورا مهمّا في حياتنا الخاصّة. ومعظم الناس يعلمون كيف تحدّد الألوان طابع الغرف. فالغرفة ذات التدرّجات اللونية الخضراء تبعث على الهدوء وتقوّي التركيز. أما الغرفة ذات اللون الأحمر فقد تثير التوتّر والاكتئاب.
    وعلى النقيض من ذلك، تبدو غرف الفنادق باهتةً بألوانها الرمادية الرتيبة، وكأن جيشا من الأشباح ينام فيها. ومع ذلك، حتى المصمّم كريستيان ديور وجد جوانب إيجابية في اللون الرمادي. ففي كتابه الكلاسيكي "كتاب الموضة الصغير"، الصادر عام ١٩٥٤، يعلّق على جميع درجات الرمادي، مشيدا بها، ومقترحا تنسيقاتها، أو مشيرا إلى المخاطر التي قد يتعرّض لها مرتدوها.
    الطقوس الدينية تُقرّ، هي أيضا، بالدلالة الرمزية للألوان. فالأبيض والأصفر والأخضر والأحمر والبنفسجي والأسود هي الألوان التي تحدّد المنسوجات المستخدمة في الكنائس. وتتجذّر معانيها في تقاليد عريقة، ورمزيّتها غنيّة وواسعة النطاق. ومع ذلك، تعدّ الألوان أيضا بمثابة دليل، إذ ترتبط بأحداث السنة الدينية، وتعبّر عن مشاعر تتراوح بين الفرح والندم والحزن.
    في المدن القديمة، مثل بومبي وهيركولانيوم، كان نخبة القوم يستمتعون بالألوان. كانت تزيّن جدران منازلهم حدائق وبحيرات وغابات وجنّات مزهرة ونوافير متدفّقة وتماثيل للملائكة. وكانوا يستخدمون ألوانا جريئة تبهج العين: أحمر دافئ، وأزرق داكن، وأخضر نابض بالحياة، وأصفر مشرق، بحيث يمكن للمرء أن يحدّق فيها بلا نهاية أثناء خوضه الأحاديث والنقاشات.
    في يونيو عام 79م، اعتلى تايتوس فلافيوس عرش روما. وقبل ذلك بعشر سنوات، وبصفته القائد الأعلى للجيش، أنهى الحرب التي دُمّرت خلالها القدس وهيكلها. وموّل هو وسلالته مشاريع بناء ضخمة في روما بغنائم الحرب. بدا ذلك العصر مزدهرا. لكن شبح الهلاك هو الذي كان يخيّم على بومبي.
    في أحد أيّام خريف عام 79، بدأ دويّ تصاعدت حدّته بشكل مزعج، ثم خَفَت. قيل إن بركان فيزوف كان يثور مجدّدا، فغادر بعض سكّان بومبي. لكن بعد ذلك، ثار البركان بكامل زخمه، واستمرّ ثورانه 17 ساعة. ويرجّح المؤرّخون أن هذا حدث في سبتمبر أو أكتوبر. خلّفت أبخرة الكبريت والتدفّقات البركانية والحجارة الملتهبة جحيما هائلا. وغطّت طبقة من الرماد يصل ارتفاعها إلى 25 مترا، المدينة الواقعة على خليج نابولي.
    لم تبدأ الحفريات العلمية في بومبي إلا في القرن الثامن عشر. وتحت الأنقاض، اكتشف علماء الآثار روعة ألوان لم يتوقّعوها؛ تُحفاً من فنّ الفريسكو القديم ما تزال تأسر الزوّار حتى اليوم، مثل الصورة التي فوق. وقد أُضيفَ لون جديد إلى لوحة الألوان المعروفة: الأحمر البومبي "نسبة الى بومبي"، لون دافئ، كأنه احتفظ بشمس كامبانيا قبل ألفي عام. ب. ايكمان

  • Credits
    archive.org
    online-literature.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    لغة الطيور

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أساطير قديمة: العنقاء