ظِلّ المسافر
في صيف عام 1694، أكمل ماتسو باشو عامه الخمسين. غادر الشاعر إيدو للمرّة الأخيرة، وقضى بعض الوقت في أوينو مسقط رأسه، ثم في كيوتو.
في ذلك الوقت، كان باشو يعكف على تأليف آخر أعماله "الطريق الضيّق إلى أقاصي الشمال". وقد أنجز هذا الكتاب قبيل وفاته في نفس تلك السنة، وهو عبارة عن يوميّات سفر تمزج بين النثر والشعر، وثّق فيها رحلته الملحمية التي امتدّت لمسافة 1500 ميل عبر براري شمال اليابان.
في ذلك الوقت، كان باشو يعكف على تأليف آخر أعماله "الطريق الضيّق إلى أقاصي الشمال". وقد أنجز هذا الكتاب قبيل وفاته في نفس تلك السنة، وهو عبارة عن يوميّات سفر تمزج بين النثر والشعر، وثّق فيها رحلته الملحمية التي امتدّت لمسافة 1500 ميل عبر براري شمال اليابان.
❉ ❉ ❉
منذ حوالي عشر سنوات، تخلّيتُ عن حياة المدينة. والآن أقترب من الخمسين، وأبدو كحلزون بلا قوقعة، وتعلو وجهي سُمرة بفعل لفح شمس كيساكاتا الحارقة، بينما أعاني من كدمات في كعبي من أثر المشي على شواطئ بحر الشمال الوعرة. وها أنا ذا الآن أسبح بين أمواج بحيرة بيوا.
خلف إيشياما، يقع تلّ اشتُقّ اسمه من معبد قديم. وإذا عبرتَ الجدول الضيّق الذي يجري بجانبه ثم صعدتَ المنحدر، فستصل إلى مزار هاتشيمان. عادةً، لا يزور المكان إلا القليل من الناس، وهو مُهيب وساكن للغاية.
وبجانب المزار كوخ مهجور، مصنوع بابه من القصب، وتنمو الشجيرات وأعشاب الخيزران على أفاريزه، والسقف يتسرّب منه الماء، وقد تساقط الجصّ من الجدران واتخذت الثعالب لها أوكاراً هناك. ويطلَق على الكوخ مسكن الأشباح. كان مالكه راهباً. مرّت ثمان سنوات على سكناه، ولم يبقَ منه الآن سوى اسمه، أي مأوى الأشباح.
يعلّق الغطّاس عشّه العائم فوق قصبة واحدة، لتمنعه من الانجراف مع التيّار. وبفكرة مماثلة، أصلحتُ القشّ على أفاريز الكوخ، وأغلقتُ ثغرات السياج. وفي بداية الشهر الرابع، أوّل أشهر الصيف، انتقلتُ إلى هنا لقضاء ما ظننتُ أنه لن يكون أكثر من إقامة قصيرة. والآن، بدأت أتساءل إن كنت سأرغب في الرحيل يوما ما.
انتهى الربيع، لكنني أستطيع أن أقول إنه لم يمضِ كلّه. لا تزال أزهار الأضاليا تتفتّح، والويستاريا البريّة تتدلّى من بين أشجار الصنوبر، ويمرّ طائر الوقواق بين الحين والآخر في السماء. وما أزال أتلقّى تحيّاتٍ من طيور الغراب ونقّار الخشب.
أشعر كما لو أن روحي قد انطلقت إلى الصين لرؤية المناظر الطبيعية في وو أو تشو، أو كما لو كنت أقف بجانب نهري تشياو وتشيانغ الجميلين أو بحيرة دونغ تينغ. يرتفع الجبل خلفي إلى الجنوب الغربي، وأقربُ المنازل تلوح على مسافة.
تهبّ نسمات جنوبية عطرة من قمم الجبال، ورياح شمالية باردة ومبلّلة من مياه البحيرة. وأمامي جبل هيرا وقمتّه العالية، وعلى جانبه أشجار صنوبر كاراساكي المحجوبة بالضباب، بالإضافة إلى قلعة وجسر وقوارب صيد في البحيرة.
أسمع صوت حطّاب يشقّ طريقه إلى جبل كاساتوري، وأغاني زارعي الشتلات في حقول الأرز الصغيرة عند سفح التلّ. اليراعات تحلّق في الهواء عند عتمة المساء، والطيور تُطلِق زقزقاتها.
هناك الكثير من المناظر الجميلة في الجوار، من بينها جبل ميكامياما الذي يشبه جبل فوجي إلى حدّ كبير ويذكّرني بمنزلي القديم في موساشينو، بينما يذكّرني جبل تاناكامي بجميع شعراء العصور القديمة الذين ارتبطوا به.
ومن الجبال الأخرى قمّة الخيزران وقمّة الألف ياردة وجبل الخصر. وهناك قرية أشجارها ذات أوراق كثيفة وداكنة ورجالها يعتنون بسدود صيد الأسماك. وللحصول على رؤية أفضل للمكان، صعدت إلى المرتفع خلف كوخي، ونصبت منصّة بين أشجار الصنوبر، وفرشتها بسجّادة مستديرة من القش. وأسميتُ المكان "مجثم القرود".
خلف إيشياما، يقع تلّ اشتُقّ اسمه من معبد قديم. وإذا عبرتَ الجدول الضيّق الذي يجري بجانبه ثم صعدتَ المنحدر، فستصل إلى مزار هاتشيمان. عادةً، لا يزور المكان إلا القليل من الناس، وهو مُهيب وساكن للغاية.
وبجانب المزار كوخ مهجور، مصنوع بابه من القصب، وتنمو الشجيرات وأعشاب الخيزران على أفاريزه، والسقف يتسرّب منه الماء، وقد تساقط الجصّ من الجدران واتخذت الثعالب لها أوكاراً هناك. ويطلَق على الكوخ مسكن الأشباح. كان مالكه راهباً. مرّت ثمان سنوات على سكناه، ولم يبقَ منه الآن سوى اسمه، أي مأوى الأشباح.
يعلّق الغطّاس عشّه العائم فوق قصبة واحدة، لتمنعه من الانجراف مع التيّار. وبفكرة مماثلة، أصلحتُ القشّ على أفاريز الكوخ، وأغلقتُ ثغرات السياج. وفي بداية الشهر الرابع، أوّل أشهر الصيف، انتقلتُ إلى هنا لقضاء ما ظننتُ أنه لن يكون أكثر من إقامة قصيرة. والآن، بدأت أتساءل إن كنت سأرغب في الرحيل يوما ما.
انتهى الربيع، لكنني أستطيع أن أقول إنه لم يمضِ كلّه. لا تزال أزهار الأضاليا تتفتّح، والويستاريا البريّة تتدلّى من بين أشجار الصنوبر، ويمرّ طائر الوقواق بين الحين والآخر في السماء. وما أزال أتلقّى تحيّاتٍ من طيور الغراب ونقّار الخشب.
أشعر كما لو أن روحي قد انطلقت إلى الصين لرؤية المناظر الطبيعية في وو أو تشو، أو كما لو كنت أقف بجانب نهري تشياو وتشيانغ الجميلين أو بحيرة دونغ تينغ. يرتفع الجبل خلفي إلى الجنوب الغربي، وأقربُ المنازل تلوح على مسافة.
تهبّ نسمات جنوبية عطرة من قمم الجبال، ورياح شمالية باردة ومبلّلة من مياه البحيرة. وأمامي جبل هيرا وقمتّه العالية، وعلى جانبه أشجار صنوبر كاراساكي المحجوبة بالضباب، بالإضافة إلى قلعة وجسر وقوارب صيد في البحيرة.
أسمع صوت حطّاب يشقّ طريقه إلى جبل كاساتوري، وأغاني زارعي الشتلات في حقول الأرز الصغيرة عند سفح التلّ. اليراعات تحلّق في الهواء عند عتمة المساء، والطيور تُطلِق زقزقاتها.
هناك الكثير من المناظر الجميلة في الجوار، من بينها جبل ميكامياما الذي يشبه جبل فوجي إلى حدّ كبير ويذكّرني بمنزلي القديم في موساشينو، بينما يذكّرني جبل تاناكامي بجميع شعراء العصور القديمة الذين ارتبطوا به.
ومن الجبال الأخرى قمّة الخيزران وقمّة الألف ياردة وجبل الخصر. وهناك قرية أشجارها ذات أوراق كثيفة وداكنة ورجالها يعتنون بسدود صيد الأسماك. وللحصول على رؤية أفضل للمكان، صعدت إلى المرتفع خلف كوخي، ونصبت منصّة بين أشجار الصنوبر، وفرشتها بسجّادة مستديرة من القش. وأسميتُ المكان "مجثم القرود".
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
لستُ في صفّ أولئك الصينيين غريبي الأطوار: شو كوان الذي بنى لنفسه عشّا في شجرة تفّاح وكرز حيث كان يشرب، أو الرجل العجوز وانغ الذي بنى ملاذه على قمّة جبل. أنا فقط من سكّان الجبال، نعسان بطبيعتي، أتّجه بخطواتي نحو المنحدرات الشديدة، وأجلس هناك بين التلال.
أحيانا، عندما أكون في حالة مزاجية نشطة، أسحب ماءً صافياً من الوادي وأطهو لنفسي طعاما. لا أملك سوى قطرات النبع التي تخفّف عنّي وحدتي، لكن مع موقدي الصغير، لا توجد أيّ فوضى. كان الرجل الذي عاش هنا سابقا ذا فكر نبيل، لم يكلّف نفسه عناء أيّ بناءٍ معقّد. خارج الغرفة الوحيدة التي يُحفظ فيها تمثال قدّيس، لا يوجد سوى مكان صغير مصمّم لتخزين أغطية السرير.
طلبت من أحدهم أن يكتب لي لوحة تذكارية. وافق على الفور وغمس فرشاته وكتب الأحرف الثلاثة الأولى من اسمي. أرسل لي اللوحة، واحتفظت بها كتذكار لكوخي العشبي. منزل جبلي، ظِلّ لمسافر، سمِّه ما شئت، فهو ليس المكان الذي تحتاج فيه إلى أيِّ كنز ثمين.
قبّعةٌ من لحاء السرو وعباءةٌ واقيةٌ من المطر، هذا كلّ ما أعلّقه على العمود فوق وسادتي. في النهار، أشغل نفسي أحيانا بزيارات الناس. يأتيني الشيخ الذي يعتني بالمزار أو رجال القرية ليخبروني عن الخنزير البرّي الذي يأكل نباتات الأرز، والأرانب التي تقتات على حقول الفاصوليا، وحكايات عن شئون المزرعة.
وعندما تبدأ الشمس بالغروب خلف أطراف التلال، أجلس بهدوء في المساء أنتظر القمر لأكون برفقة ظلّي، أو أشعل مصباحا وأناقش الصواب والخطأ مع ظلّي.
لكن بعد كلّ ما قيل، لست من الذين يعشقون الوحدة إلى حدّ إخفاء كلّ أثر لهم في الجبال والبراري. إنما، بسبب المرض المتكرّر والتعب من التعامل مع الناس، أصبحت أكره المجتمع. أفكّر مرارا في الأخطاء التي ارتكبتها وفي تصرّفاتي الخرقاء على مرّ السنين.
كان هناك وقت حسدتُ فيه مَن كانوا يشغلون مناصب مهمّة أو أملاكا فخمة. وفي مناسبة أخرى فكّرت في دخول قاعات تعليم الكهنة. بدلا من ذلك، أنهكت جسدي في رحلات بلا هدف كالرياح والغيوم، وبدّدت مشاعري على الأزهار والطيور.
وبطريقة ما، استطعت كسب عيشي بهذه الطريقة. وهكذا في النهاية، على الرغم من قلّة خبرتي وموهبتي، إنغمستُ كُليّا في هذا الهمّ الواحد: الشعر. اجتهدَ "بو جوي" حتى كاد يُتلف حواسّه الحيوية الخمس، وأصبح "دو فو" نحيلا وهزيلا بسبب ذلك.
لا يمكنني أبدا مقارنة نفسي بذكاء هؤلاء الرجال أو جودة كتاباتهم. ومع ذلك، وفي النهاية، نعيش كلّنا في مسكن وهمي. أليس كذلك؟! ماتسو باشو، 1694
أحيانا، عندما أكون في حالة مزاجية نشطة، أسحب ماءً صافياً من الوادي وأطهو لنفسي طعاما. لا أملك سوى قطرات النبع التي تخفّف عنّي وحدتي، لكن مع موقدي الصغير، لا توجد أيّ فوضى. كان الرجل الذي عاش هنا سابقا ذا فكر نبيل، لم يكلّف نفسه عناء أيّ بناءٍ معقّد. خارج الغرفة الوحيدة التي يُحفظ فيها تمثال قدّيس، لا يوجد سوى مكان صغير مصمّم لتخزين أغطية السرير.
طلبت من أحدهم أن يكتب لي لوحة تذكارية. وافق على الفور وغمس فرشاته وكتب الأحرف الثلاثة الأولى من اسمي. أرسل لي اللوحة، واحتفظت بها كتذكار لكوخي العشبي. منزل جبلي، ظِلّ لمسافر، سمِّه ما شئت، فهو ليس المكان الذي تحتاج فيه إلى أيِّ كنز ثمين.
قبّعةٌ من لحاء السرو وعباءةٌ واقيةٌ من المطر، هذا كلّ ما أعلّقه على العمود فوق وسادتي. في النهار، أشغل نفسي أحيانا بزيارات الناس. يأتيني الشيخ الذي يعتني بالمزار أو رجال القرية ليخبروني عن الخنزير البرّي الذي يأكل نباتات الأرز، والأرانب التي تقتات على حقول الفاصوليا، وحكايات عن شئون المزرعة.
وعندما تبدأ الشمس بالغروب خلف أطراف التلال، أجلس بهدوء في المساء أنتظر القمر لأكون برفقة ظلّي، أو أشعل مصباحا وأناقش الصواب والخطأ مع ظلّي.
لكن بعد كلّ ما قيل، لست من الذين يعشقون الوحدة إلى حدّ إخفاء كلّ أثر لهم في الجبال والبراري. إنما، بسبب المرض المتكرّر والتعب من التعامل مع الناس، أصبحت أكره المجتمع. أفكّر مرارا في الأخطاء التي ارتكبتها وفي تصرّفاتي الخرقاء على مرّ السنين.
كان هناك وقت حسدتُ فيه مَن كانوا يشغلون مناصب مهمّة أو أملاكا فخمة. وفي مناسبة أخرى فكّرت في دخول قاعات تعليم الكهنة. بدلا من ذلك، أنهكت جسدي في رحلات بلا هدف كالرياح والغيوم، وبدّدت مشاعري على الأزهار والطيور.
وبطريقة ما، استطعت كسب عيشي بهذه الطريقة. وهكذا في النهاية، على الرغم من قلّة خبرتي وموهبتي، إنغمستُ كُليّا في هذا الهمّ الواحد: الشعر. اجتهدَ "بو جوي" حتى كاد يُتلف حواسّه الحيوية الخمس، وأصبح "دو فو" نحيلا وهزيلا بسبب ذلك.
لا يمكنني أبدا مقارنة نفسي بذكاء هؤلاء الرجال أو جودة كتاباتهم. ومع ذلك، وفي النهاية، نعيش كلّنا في مسكن وهمي. أليس كذلك؟! ماتسو باشو، 1694
Credits
archive.org
basho-bp.jp/en
archive.org
basho-bp.jp/en
