رحلة الى الصين ومنغوليا/2


إليزابيث كيندال مؤرّخة ورحّالة أمريكية، بدأت عام ١٩١١ رحلة عبر غرب الصين ومنغوليا تنقّلت خلالها على محفّة وعلى ظهر حصان وعلى الأقدام. وقد مرّت عبر التبت وأبحرت في نهر اليانغتسي ووصلت إلى هانكو بالقطار، ثم عبرت إلى صحراء غوبي. وألّفت كيندال كتابا عن رحلتها تلك ضمّنته بعض مشاهداتها وانطباعاتها.

❉ ❉ ❉

على مسافة قصيرة من باقي المباني، كانت هناك أربعة معابد كبيرة تعلوها كرات مذهّبة ورايات ترفرف، وتتفرّع عنها صفوف أنيقة من أكواخ صغيرة ذات خشب أحمر مطليّ بالجصّ الأبيض، يعيش فيها زهاء ألفي كاهن.
بدا المكان بأكمله أشبه ما يكون بمنتجع ساحليّ للتخييم والتأمّل. وكانت بعض قطعان المهور ترعى في الجوار، لكن لم تكن هناك أرض مزروعة. هؤلاء المئات من الكهنة يعيشون في حال من الكسل بفضل التبرّعات التي تُنتزع من عامّة الناس الخاضعين لسلطة الكهنة. خرجت مجموعة منهم، رجال ذوو مظهر متّسخ، لاستقبالنا أو ربّما لإبعادنا.
في تلك الليلة، خيّمنا في ظلّ الجبل. كانت الأرض مغطّاة بنبات الشيح الذي كان يطلق عند سحقه رائحة نفّاذة. وقبل أن نخلد إلى النوم، زارنا تاجر صيني وحذّرنا من لصوص الخيل، بعد أن فقدَ مهرا قبل ليلتين. وعلى مدى الليالي الثلاث التالية، راقبنا المكان بحذر وخيّمنا بعيدا عن الطريق وأدخلنا المهور حول خيمتي قبل أن ننام.
في منطقة تورين تغيّر الطقس، وأصبح العشب وفيرا، وبات بإمكان المهور تعويض أيّام الشحّ الماضية. كان مرأى آلاف الأبقار والأغنام باعثا لسعادتنا. مئات المخلوقات الجميلة، معظمها كستنائي أو أسود، كانت ترعى بالقرب من الطريق أو تعدو بحريّة مع عُرف وذيل فضفاضين.
وقد حُذّرنا من أن موسم الأمطار قد بدأ مبكّرا، وعلى مدى ثلاثة أيّام، واجهنا عاصفة تلو أخرى، ما أدّى إلى تأخيرنا لساعات، وأحيانا إلى بقائنا في المخيّم يوما أو أكثر. توقّفنا لتناول وجبة خفيفة في الوقت المناسب تماما لتجنّب المطر الغزير، ولم نغادر مرّة أخرى حتى المساء.
ولأن بعض تجّار الخيول الصينيين كانوا قد خيّموا بجانبنا، فقد أتت بعض النساء المغوليات الى خيمتي بمجرّد نصبها، وشعرن وكأنهن في بيوتهن. كانت إحداهن شابّة وجميلة، وجميعهن كنّ يرتدين غطاء الرأس اللافت في شمال منغوليا. ومثل غطاء الرأس في الجنوب، كان مصنوعا من الفضّة، مرصّعا بأحجار لامعة، ولكنه كان ذا تصميم أكثر تفصيلا.
لم نغادر في اليوم التالي حتى بعد الظهر بسبب المطر. وعندما حلّ الليل، نصبنا خيمتنا في وادٍ صغير وساحر، بأشواك كبيرة وزرقة بلون السماء في ضوء الفانوس.
رجالي، هؤلاء القادمون من الشرق، وبينهم أتراك وهنود وصينيون ومغول، متشابهون إلى حدّ كبير. إدفع لهم أجرا عادلا وعاملهم باحترام واضحك بدلا من أن تغضب من المصاعب التي لا مفرّ منها في الطريق، وسوف يقدّمون لك خدمة مخلصة ومتفانية.
دعوتهم لمشاركة الخيمة معي، تناولوا علباً من لحم البقر المعلّب وسجق بولونيا وسمك الرنجة المدخّن، وشربوا معها أطباقا من الخوخ والبرقوق المعلّب من ساحل المحيط الهادئ ثم دخّنوا. وفي نهاية الليل، التفّ الجميع في جلود أغنامهم وناموا لساعات طويلة، ونمت أنا أيضا على سريري الصغير، بينما كان المطر ما يزال يهطل بغزارة في الخارج. وبين الحين والآخر، كان مسافر غارق في المطر يتوقّف بالقرب ليسعد ببضع سغائر.
في الغد، أطلّ علينا فجر صافٍ مشرق وتوقّف المطر تماما. بدت المهور ممتلئة الجسم وبصحّة جيّدة بعد الراحة. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فسنصل إلى أورغا قبل حلول الليل. انطلقنا مع شروق الشمس، وسرعان ما دخلنا وادياً تحيط به تلال شامخة من الجانبين، تكسوها غابات كثيفة من أشجار الصنوبر.
واندفع قطيع من الخيول الجميلة عبر الطريق، وتبعه الرعاة وهم يصيحون بأعلى أصواتهم. بعد ذلك، مررنا بقافلة من الجمال، تقودها امرأتان تمتطيان مهرين صغيرين. كانتا قد ربطتا صغارهما بأمتعة الجمال، وبدا أنهما لا تواجهان أيّ صعوبة في السيطرة على حيواناتهما الجامحة.
ثم انفتح الوادي على سهل واسع تخترقه العديد من الأنهار. هناك أمامنا، على الضفّة اليمنى العالية لنهر "تولا" ومقابل جبل "بوغدا"، تقع "أورغا" المقدّسة التي لا تقلّ أهمية عن "لاسا" في العالم البوذي.
طوال اليوم التالي، كنّا نعبر هضبة شاسعة، نصعد تارة ممرّا جبليّا في سلسلة جبال شاهقة، وتارة أخرى نشقّ طريقنا صعودا في وادٍ صخري ضيّق، حيث تكتسي منحدرات الحجر الجيري الرمادي بأزهار زرقاء زاهية وشجيرات وردية متفتّحة لم أستطع تمييز ماهيّتها.
ثم أصبح الطريق يمرّ عبر مساحات شاسعة من حقول صغيرة تشبه الحدائق، تتخلّلها هنا وهناك قرى تبدو مزدهرة، نصفها مخفيّ عن الأنظار بين غابات الخيزران. كان المنظر خلّابا ومتنوّعا. في الأعلى، تلال صخرية، وفي الأسفل وديان خضراء. كان امتزاج النباتات الاستوائية والمعتدلة لافتا للنظر. هنا يوجد الأرز والقمح على مقربة من بعضهما البعض، وهنا أيضا اجتمعت أشجار النخيل والصنوبر.

❉ ❉ ❉


❉ ❉ ❉

ووجدنا أنفسنا نصعد أو ننزل عبر أرض ممتدّة على طول النظر، تتجلّى فيها بوضوح تناقضات الغطاء النباتي والقفر. جبال جرداء تعلوها قمم ثلجية تطلّ على وديان صغيرة، جواهر حقيقية من الجمال الاستوائي. وبخطوة واحدة، كنا ننتقل من أرض قاحلة من الصخور والرمال إلى واحة خضراء وارفة المياه.
وفي ما بعد، شاهدنا عاصفة تتقدّم عبر الجبال. وقبل أن نتمكّن من الاحتماء، انهمرت الغيوم فوق رؤوسنا، فأغرقت العمّال المساكين، لكنهم تقبّلوا الأمر ضاحكين وهم يتقافزون على طول الطريق.
استمرّ المطر لساعات، وكان الطريق تارةً جدولا صغيرا وتارةً بحرا من الطين الأحمر الزلِق. وانقلب مهر، وعلى ظهره الطبّاخ، لكن لحسن الحظّ لم يُصب أيّ منهما بأذى. وانزلق العمال وتعثّروا وسقط حاملو الكراسي، ما أثار حيرتهم الشديدة. إذ يُعتبر سقوط حامل الكراسي أمرا لا يُغتفر.
ومع اقتراب نهاية ذلك اليوم، انقشع الغيم وسرعان ما جفّفت الشمس الساطعة الطرق. ذات مرّة، منذ سنوات في غرب التبت، عبرتُ ممرّا جبليّا شاهقا برفقة عامل واحد فقط، متقدّمَين على قافلتي. وفجأة، هبطنا إلى قرية صغيرة فوق نهر. لم يرَ معظم السكّان أوروبيّا من قبل. لم أستطع التحدّث معهم، ولم يستطع عاملي لأنه جاء من الجانب الآخر من السلسلة الجبلية.
بعد خمس دقائق، كنت أجلس على العشب تحت أشجار الجوز، وقرابين من الزهور والتوت في حِجري. وبينما كان جميع سكّان القرية يجلسون حولي على الجدران الحجرية وأسطح المنازل، خلع شيخ القرية حذائي ودلك قدمي المتعبتين.
وعندما خرجت من خلوتي، وجدت كاهنا من المعبد المجاور قد جاء يطلب زيارتي. واتضح أنه معبد بوذي عادي، لا يتميّز إلا بتمثال جميل لبوذا مصنوع من الطين المجفّف في الشمس. رفض الكاهن أيّ مساعدة، قائلا إنه لم يفعل شيئا، لكنه كان حريصا على أن ألتقط معه بعض الصور.
حتى في هذه المرتفعات الشاهقة، كانت الأزهار في أوج جمالها، وكلّ يوم يكشف عن روعة جديدة. كانت الورود وفيرة، بيضاء عديمة الرائحة، أو صغيرة وردية اللون وذات رائحة فوّاحة. وكانت الأرض مغطّاة بسجّادة من الزهور الصفراء والزرقاء.
كدت أصرخ بالتوقّف، فقد كان المكان في غاية الجمال، وازداد إعجابي به حين انفتح أمامي مشهد بديع لجبال شاهقة تعانق السماء بمجرّد خروجي من الباب. وبينما كنّا في الداخل، تحرّكت الغيوم لتكشف عن سلسلة كاملة من القمم العظيمة التي تقف كحرّاس على الطرف الشرقي من هضبة التبت الشاسعة.
إلى الغرب من تلك السلسلة المغطّاة بالثلوج، لا توجد أرض منخفضة إلى أن تصل إلى سهول الهند. وقفنا لبضع دقائق مبهورين، ثم انقشع الغيم مجدّدا، تاركاً ذكرى رائعة أبهجتنا ونحن نهبط عبر المنحدر الممطر.
عند النظر الى المنحدرات الشاهقة المقابلة للمدينة، يلمح المرء بشكل خافت، منحوتاً على وجه الصخر، أعجوبة المنطقة: تمثال ضخم لبوذا يزيد ارتفاعه عن 300 قدم، يجلس بهدوء ويداه على ركبتيه، بينما تغسل قدميه مياه النهر المتدفّقة.
تروي الحكاية أن هذا كان من عمل راهب من القرن الثامن، كرّس حياته لهذا المشروع على أمل أن يجنّب المنطقة "بهذا العمل الصالح" الفيضانات المدمّرة التي كانت تجتاحها. لكن ما زال المطر يهطل، وما تزال الأنهار تفيض وتُغرق الأرض.
من الأمور الغريبة في هذه البلاد التي تتّسم بالتقلّبات الكثيرة، أن هذا الشعب البسيط مولع بالمصطلحات البليغة والدلالية. وقد وجدت أسماء بعض الأديرة مثيرة للاهتمام. فمن "قمّة التأمّل" تصعد إلى "دير الغيوم البيضاء"، وتتوقّف للراحة في "قاعة القلب الهادئ"، وبعد عبور "بوّابة السماء" تدخل "دير الفرح الأبدي".. وهكذا.
يبدو أن مغول اليوم هم الأحفاد الكسولون للمحاربين الغزاة الأشدّاء الذين كانوا هنا قبل ألف عام. ذات يوم، كان اسم "المغولي" يثير الرعب في أطراف شواطئ البحار البعيدة. أما الآن، فيمكن لمن لا يحبّون المغول أن يقولوا، بشيء من الحقيقة، إنهم يعيشون حياة ساكنة، يُكثرون من التزاوج، وقد تلاشت روحهم الحربية، وأعظم ملذّاتهم هي الإفراط في الطعام والسكْر. لكن من يحبّهم، ممّن هم أدرى الناس بهم، يعرفون أن المغولي رجل طيّب ومرح وحسن الخلق ومضياف.
عندما أنظر إلى الوراء، أدرك أن الأمر كان يستحقّ كلّ هذا العناء. ستّة أشهر لا تشكّل سوى جزء يسير من الفهم الحقيقي لحضارة غريبة. لكن رؤية شعب عظيم في موطنه، ومشاهدته وهو يعمل ويلعب، أمر يستحقّ التأمّل. وقد أدركت مرّة أخرى أنه على الرغم من أن "الشرق شرق والغرب غرب"، فإن الأهم هو طبيعة الإنسان، وأن الطبيعة البشرية في كلّ مكان متشابهة إلى حدّ كبير.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خواطر في الأدب والفن

نصوص مترجمة

نصوص مترجمة