البحث عن كيڤيرا


لم يكن فرانسيسكو فاسكيز دي كورونادو ليرضى بالعودة خالي الوفاض من حملته الأخيرة. فحلمَ مجدّدا بالتوجّه شمالا، وكان اسم حلمه هذه المرّة "كيڤيرا".
كان هذا المغامر الإسباني قد سمع عن أمّة ثريّة تُدعى "كيڤيرا"، تقع أراضيها في أقصى الشرق. وبين هذه الأرض الخيالية في وادي المسيسيبي، والمدينة الساحرة الأخرى، المبنيّة على حافّة سهل باتاغونيا، تمتدّ ستّة آلاف ميل من الأرض في خطّ مستقيم.
انجرف دي كورونادو، تحت تأثير حماسه الشديد، إلى مغامرة كيڤيرا بعد أن فكّر قائلا: في شرق مدن الذهب السبع، لا بدّ من وجود أماكن أغنى وكنوز أكبر". وانطلق باحثاً عنها.
تقول أسطورة أنه بعد سقوط مملكة القوط الغربيين في إسبانيا على يد العرب عام 711، فرّ سبعة أساقفة عبر المحيط، حاملين معهم كنوزهم من الذهب والفضّة. ثم بنوا سبع مدن رائعة في أماكن خفيّة ومتفرّقة، وملئوها بالذهب. وامتزجت هذه الحكاية بالفولكلور على مرّ القرون، وأصبحت أسطورةً آسرة بحلول الوقت الذي وصل فيه المستكشفون الأوروبيون إلى الأميركتين.
في ربيع عام 1541، قاد دي كورونادو جيشه وكهنته وحلفاءه من السكّان الأصليين إلى السهول الكبرى للبحث عن كيڤيرا. وبمساعدة شخص يُدعى "إل توركو" (أي التركي)، شقّ المغامر الإسباني وجيشه طريقهم عبر سهوب يانو المسطّحة والجرداء.
وقد انبهر الإسبان بتلك السهول، ووصفها دي كورونادو نفسه فيما بعد بقوله: كانت الأرض التي تسير عليها قطعان الجاموس ملساء، لدرجة أنه لو نظر المرء إليها لرأى السماء منعكسةً بين أقدامها". تاهَ الرجال والخيول في السهول الممتدّة بلا معالم، وشعر دي كورونادو كما لو أن مياه البحر ابتلعته.
وأبدى المغامر اهتماما بقطعان الجاموس الضخمة التي تجوب السهول شمالا، فأرسل مساعده ألفارادو بصحبة "التركي" في رحلة صيد لتأمين اللحم. ولم يمكث الإسباني طويلا بين الجاموس، فانطلق عائدا إلى زعيمه، وسرعان ما بدأت القوّات، برفقة "إل توركو" كمرشد، بالتوجّه نحو الشمال الشرقي وكيڤيرا.
كانت كيڤيرا مدينة ذهبية أخرى في أرض خصبة، يجري في أرجائها نهر عريض "تسبح فيه أسماك بحجم الخيول"، كما أُشيع. وكانت هناك زوارق كبيرة على النهر، يقودها حوالي أربعين رجلا، وتتزيّن رؤوسها بنسور ذهبية. وكان حاكمها الأصليّ يغفو في فترة ما بعد الظهيرة تحت شجرة تتدلّى من أغصانها أجراس تطلق موسيقى عند ملامسة الرياح لها.
وقيل إن بيوت كيڤيرا مبنيّة من الحجر وتشبه بيوت قرى نيو مكسيكو، لكنها أكبر وأجمل. وكان سكّانها يقدّمون الطعام والشراب في أوانٍ من المعادن النفيسة. وكان التركيّ نفسه من سكّان هذه الأرض. ولكن كان هناك هنديّ منفيّ آخر مع المجموعة اسمه إيسوبيتي، وكان هو الآخر يتحدّث عن كيڤيرا التي بدت وكأنها مكان مختلف يقع شمالا.
سارت الحملة التي قادها دي كورونادو نحو كيڤيرا مثل تائهٍ في البرّية. اتّجهوا يمينا لمدّة ثلاثين يوما، ثم لم يلبثوا أن عدّلوا مسارهم. وسرعان ما شعر الإسبان بالحيرة والاضطراب. ففي رتابة السهول الشاسعة، لم يجدوا أيّ علامات تدلّهم على الطريق أو ترشدهم إلى الأمام.
وتسلّل إليهم شعور بالعجز، حتى أن ثيران البايسون التي كانت ترعى حولهم أثارت فيهم نوعا من الخوف. وفزعت خيولهم رعباً عندما رأت لأوّل مرّة هذه الوحوش الضخمة المشوّهة، التي كانت عيونها المتوهّجة وزئيرها الأجوف كفيلين بإثارة الرهبة حتى في نفوس البشر.
وأثناء الطريق الذي كان يزداد وعورةً، ساورت دي كورونادو وجيشه بعض الشكوك المزعجة. ماذا لو كانت قصّة "كيڤيرا" مجرّد حكاية خرافية رواها الهنود كي يتخلّصوا منهم؟ وماذا لو كان "إل توركو" نفسه مكلّفا باستدراجهم عبر دروب مضلّلة إلى البرّية وتركهم يهلكون هناك؟ ألم يلحظ أحدهم حديثه مع الشيطان الذي زعم أنه رآه في إناء ماء؟!

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

وبينما كانت هذه المخاوف تراودهم، التقى الإسبان مجموعة من هنود السهول الذين يعرفون كيڤيرا. وتحدّثوا عن مخيّم بُنيت بيوته من القشّ والجلود، وفيه قليل من الذرة، ولا شيء غير ذلك. وقالوا إن أمامهم مسيرة أربعين يوما لبلوغ ذلك المكان، وأن القوافل ستموت جوعا وعطشا في الطريق.
غيّر "إل توركو" المراوغ روايته. اعترف بأنه لم يقل الحقيقة بشأن بيوت كيڤيرا، لكنها كانت في الماضي ذات كثافة سكّانية عالية وكانت تضمّ كنزا من المعادن الثمينة. غضب الإسبان وقيّدوه بالأغلال. وكانوا على أهبة الاستعداد للعودة، لكن دي كورونادو كان مصمّما، دون المخاطرة بأرواح كثيرة، على أن يرى بنفسه ما تخبّؤه نهاية الدرب. فأخذ معه تسعة وعشرين فارسا و"إل توركو" المقيّد وإيسوبيتي، وانطلق شمالا مع هنود السهول.
وبعد ثلاثين يوما من المسير الشاقّ عبر سهل شاسع أجرد تنتشر فيه قطعان الجاموس وترويه جداول ماء صغيرة، وصل دي كورونادو إلى كيڤيرا، حيث مكث خمسة وعشرين يوما.
وقد وصف المنطقة المحيطة بها بأنها أرض خصبة تنمو فيها أشجار البرقوق الشبيهة ببرقوق إسبانيا وبالتوت والعنب ذي المذاق الرائع. لكن المكان نفسه، أي كيڤيرا، لم تكن سوى مخيّم صيفي لجماعة من الهنود الذين كانوا يتبعون الجاموس ويكملون غذاءهم من لحم البقر بكعكات الذرة المزروعة في قيعان الأنهار.
ويروي دي كورونادو القصّة بصراحة فجّة فيقول: قيل لنا إن البيوت مبنيّة من الحجر وتتألّف من عدّة طوابق. لكنها في الحقيقة مبنيّة من القشّ فقط، وسكّانها متوحّشون كأيّ سكّان رأيتهم. وهم لا يملكون ملابس، ولا قطناً يصنعون منه ملابسهم، بل يدبغون جلود الأبقار التي يصطادونها والتي ترعى حول قراهم وبجوار نهر كبير ويأكلون لحمها نيّئا. وهم أعداء لبعضهم البعض، ويخوضون الحروب فيما بينهم، وجميعهم متشابهون في المظهر".
لقي "إل توركو" حتفه في كيڤيرا. لم يكن أهلها يعرفونه، لكنهم رحّبوا بإيسوبيتي. كان التركيّ قد حاول عبثا إلقاء اللوم على هنود نيو مكسيكو، الذين زعم أنهم استأجروه ليقود الإسبان إلى مصيرهم المحتوم في البراري. من جهته، أقام دي كورونادو صليبا خشبيا نقش عليه عبارة: فرانسيسكو فاسكيز دي كورونادو، قائد حملة عسكرية، وصل إلى هذا المكان".
أفسحت رحلات الإسبان العشوائية مجالا واسعا للتكهّنات حول كيفيرا. يقال إن موقعها كان في وسط كانساس، على بعد حوالي مائة ميل شمال نهر أركنسو. ويقال أيضا أن كيڤيرا كانت معسكرا لقبيلة ويتشيتا، أو أنها كانت في نبراسكا غير بعيد عن عاصمة الولاية، أو أن المكان الذي وصل إليه الإسبان كان في الركن الجنوبي الغربي من ميسوري.
أما "التركي" الذي رافق الإسبان فيرجَّح أن يكون من قبيلة ويتشيتا أو باوني. ويبدو أن نيّته كانت إما تضليل دي كورونادو وجماعته على أمل أن يتوهوا في السهول الكبرى، أو إرشادهم إلى ممالك التلال الكبيرة في الجنوب الشرقي.
في النهاية، مُنيت حملة دي كورونادو بالفشل، وأدّت إلى توجيه اتهامات له بارتكاب جرائم حرب. لذا فضّل أن يبقى في مكسيكو سيتي الى أن توفّي بمرض غامض في سبتمبر 1554. ومع ذلك، مثّلت رحلته الاستكشافية أولى المشاهدات الأوروبّية لبعض من أهمّ المعالم الطبيعية في أمريكا الشمالية، مثل الغراند كانيون ونهر كولورادو وغيرهما.
حكايات مدن الذهب، مثل هذه، تذكّرنا بكيف يمكن للأساطير أن تُشكّل التاريخ، بينما لا يتوفّر دليل على وجودها. وهذه الأساطير تخبرنا أكثر عن الأشخاص الذين يبحثون عن تلك الأمكنة أكثر من الأمكنة نفسها، وتعكس طموح الإنسان وجشعه ورغبته التي لا تلين في الاستكشاف.
ومنذ مغامرة دي كورونادو، أصبح اسم "كيڤيرا" مرتبطا بفكرة مدينة عظيمة مجهولة، ثريّة ورائعة الجمال، تختبئ في مكان ما على السهول الشرقية. وأيّا تكن الحقيقة، فإن البحث عن تلك الأرض كان أشبه ما يكون بالبحث عن مخيّم في الصحراء نصبت فيه قبيلة عربية منسيّة خيامها لليلة واحدة، ثم طوتها عند شروق الشمس.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لغة الطيور

مخطوطات قرآنية نادرة

أساطير قديمة: العنقاء