المشاركات

في البحث عن معنى

صورة
ينفرد الإنسان من بين كافة المخلوقات بقدرته على التخيّل. وقد دفعته قوّة مخيّلته إلى الاعتقاد بأنه يستطيع تغيير الواقع وأن يخلق ظروفا غير تلك الظروف التي يعيش ضمنها من اجل الوصول إلى حالة أفضل وأكثر مثالية. قوّة المخيّلة عند الإنسان هي التي مكّنته من تحقيق الكثير من الابتكارات والانجازات التي غدت الحياة بفضلها أسهل وأكثر راحة واسترخاءً. غير أن التحدّي الأكبر الذي واجهه خيال الإنسان دائما كان توقه لأن يكسر سجنه الأرضي وأن يوسّع نطاق حركته وتأثيره ليشمل الفضاء. والخيال كان القوّة المحرّكة التي ألهمت الإنسان أن يصل إلى الزوايا البعيدة للكون في محاولة لاكتشاف ما تخبّؤه العوالم البعيدة المجهولة من أسرار وغموض. إن الإنسان عندما يفكّر في هذا الكون الواسع الذي لا تحدّه حدود، وعندما يتأمّل هذا المعمار البديع الذي ينهض عليه الكون بكلّ ما يحتويه من مخلوقات وموجودات لا بدّ وأن يتخيّل أن من صاغه وأحكم صنعه شاعر مبدع يقدّس الجمال ويقدّره حق قدره. وقد يكون في طبيعة هذا الصانع العظيم الذي يخلع على كلّ شيء هويّة ومعنى شيء من صفات الأنوثة والرّقة. شيء ما قريب ممّا يقول به المتصوّفة في وصفهم لذات الله...

أعمى يقود عُمياناً

صورة
يمكن اعتبار هذه اللوحة نموذجا للفنّ الذي يخاطب العقل ويطرح الأسئلة. والحقيقة أن معظم لوحات بيتر بريغل هي من هذا النوع الذي يثير الفكر ويبعث على التأمّل. عنوان اللوحة "أعمى يقود عُميانا". وموضوعها مستمدّ من عبارة وردت في الإنجيل تقول: إذا كان من يقود الأعمى أعمى مثله، فسيقعان كلاهما في الحفرة". في اللوحة يرسم بريغل ستّة رجال عُميان وهم يشقّون طريقا متعرّجا عبر طبيعة ذابلة تقع على أطرافها كنيسة ريفية ويجري وسطها نهر صغير. الدليل الأعمى يسقط في الحفرة مع أشيائه. بينما يتعثّر به الأعمى الثاني. ويبدو الثالث على وشك اللحاق برفيقيه. أما الرجال الرابع والخامس والسادس فلا يعرفون بعد ما الذي يحدث. غير أن سقوطهم في الحفرة، هم أيضا، يبدو أمرا محتّما في النهاية. من الأسئلة التي تطرحها اللوحة: هل العمى هنا حقيقي أم مجازي؟ ولماذا اختار بريغل أن يضمّن اللوحة منظرا لكنيسة بالذات وليس أيّ بناء آخر؟ هل كان يقصد أن الإيمان الأعمى دون تثبّت أو اقتناع يفضي بالإنسان إلى الضياع والتيه؟ وهل ينطوي الأمر على موقف ما من الدين بشكل عام؟ الطبيعة المراوغة لهذه اللوحة، والمتمثّلة في تعدّد دلالاتها ...

قانون الجذب

صورة
"السماء تساعد أولئك الذين يساعدون أنفسهم". هكذا كتب سامويل سمايلز في كتابه "مساعدة الذات" الذي ظهر في العام 1859م. مساعدة الإنسان نفسه، تطوير ذاته، العمل على أن يصبح أفضل: هذه هي الغرائز النبيلة المتجذّرة والملهمة لأكثر الأديان. فرانشيسكا سيغال كتبت مقالا جميلا تناولت فيه أسباب وخلفيات رواج الكتب التي تتحدّث عن تطوير الذات وكيف أن كتاب سمايلز الذي ألّف قبل مائة وخمسين عاما تحّول موضوعه اليوم إلى صناعة ضخمة تدرّ بلايين الدولارات سنويا. وفي ما يلي ترجمة مختصرة للمقال. ❉ ❉ ❉ اكتب كلمة "مساعدة الذات" في موقع امازون. ستجد أن هناك أكثر من ثمانين ألف عنوان متاح. السبب هو أن تغيير الإنسان لنفسه يقتضي إرشادات ونصائح لا تعدّ ولا تُحصى. فالإنسان يريد أن يصبح أكثر رشاقة وأكثر نجاحا، وحتى أكثر نشاطا من الناحية الجنسية. وكلّ هذه التطلعات معقولة ومقبولة. وقد تطوّر الأمر إلى أن وصلنا إلى ما يُعرف الآن بـ "قانون الجذب"، وهو جوهر جميع هذه الفلسفات والأفكار المنتشرة على نطاق واسع هذه الأيام. القانون يقول ببساطة إن الأفكار يمكن أن تتحوّل إلى ح...

إدوارد هوبر: شاعر العُزلة

صورة
من الصعب أن نتذكّر أين ومتى رأينا لوحة لـ إدوارد هوبر لأوّل مرة. ربّما تكون الأماكن والشخصيات التي يصوّرها في لوحاته مألوفة، لأنها موجودة بالفعل في مكان ما من الذاكرة. وهوبر لا يفعل أكثر من أنه يدفع بها مرّة أخرى إلى منطقة الشعور وعتبات الوعي. قطار آخر الليل، مكتب في ناطحة سحاب، أشكال الظلام المخيّم على المدينة، غرف الفنادق. هذه كلّها أجزاء من عالم ادوارد هوبر الغامض ومن الطبيعة الميثية لما عُرف في بعض الأوقات بالحلم الأمريكي. ولوحات هوبر لا تدعوك للدخول إليها، فهي مليئة بالظلال الداكنة والأماكن المظلمة وببقع من الضوء الساطع وأحيانا المزعج. ويصحّ أن يقال إنها ليست لوحات مضيافة أو ودودة. إنها تدفعك إلى الوراء، تردّ نظراتك وتطلب منك أن تتفحّص مشاعرك وأنت تحاول فهم ما تراه أمامك. والنظر إلى بعض تلك اللوحات يشبه إلى حدّ كبير النظر إلى صورة ثابتة مقتطعة من احد أفلام الفريد هيتشكوك. في لوحته "منزل بجوار سكّة الحديد"، يصوّر هوبر منزلا وحيدا في عزلة مزعجة. وباستثناء سكّة الحديد لا توجد بيوت أو مساكن في الجوار. وفي اللوحة، كما في لوحات هوبر الأخرى، إحساس عميق بالتخلّي والفقد وا...

مونك والصرخة: قراءة مختلفة

صورة
"الصرخة" ليست فقط أشهر لوحات إدفارد مونك، بل هي أيضا إحدى أكثر لوحات الرسم الحديث شهرة وذيوعا. وقد ظلّت هذه اللوحة دائما تحتفظ بمكانة مهمّة في الثقافة المعاصرة من خلال ظهورها الدائم والمتكرّر في كلّ مكان تقريبا. والمعروف أن مونك رسم أربع نسخ من اللوحة، كما رسم واحدة أخرى بالأبيض والأسود اعتبرها بعض النقاد الأكثر قوّة وتأثيرا. سو بريدو كتبت سيرة ممتازة للرسّام اختارت لها عنوان "إدفارد مونك: ما وراء الصرخة " ضمّنتها معلومات معمّقة عن حياة مونك المضطربة وروحه المعذّبة في سياق الحديث عن اللوحة الشهيرة وظروف ظهورها. ولد إدفارد مونك عام 1863 في أوسلو عاصمة النرويج لعائلة عُرف عن أفرادها شدّة تديّنهم. والده كان طبيبا في الجيش دفعته مسيحيّته المتشدّدة إلى أن يزرع في نفس الصغير إدفارد بذور القلق الديني. وقد كتب مونك في ما بعد في مذكّراته يقول: كانت ملائكة الخوف والندم والموت تحفّ بي منذ أن ولدت ولم تكفّ عن مطاردتي طوال حياتي. كانت تقف إلى جانبي عندما أغلق عيني وتهدّدني بالموت والجحيم وباللعنة الأبدية". كان إدفارد شخصا قلقا ومسكونا بالهواجس والأفكار المؤرّقة. عندما ك...

نصوص مترجمة

صورة
كان قد قرّر أن يكتب قصيدة. فكّر في أنها يجب أن تكون كاملة ومحكمة. لذا جلس قرب النافذة المفتوحة. كانت السماء تمطر في تلك اللحظات. شعر بلزوجة المطر وهشاشة العالم. أشعل سيجارة ظنّا منه أنها ستساعده على أن يكتب، بينما كان يبحث عن بداية عظيمة. البداية هي الشيء المهم. بدايات كلّ الأشياء دائما مهمّة. قال في نفسه. لكن عن أيّ شيء سيكتب؟ يمكن أن يكتب عن الضفّة الغربية أو غزّة أو لبنان أو عن فقراء أفريقيا. بدا الأمر صعبا في البداية. فـ فلسطين لديها شعراؤها الكثيرون، وبعضهم عظماء ومتفرّدون. كما أن هناك فقراء في إفريقيا وفي كلّ مكان من هذا العالم. يمكن أن يكتب عن قصّة حبّ لا تُنسى. تلك كانت إحدى أفكاره المفضّلة. لكن الفكرة بدت له عادية جدّا، بل ومستهلَكة. يمكن أن يكتب عن وضع يائس ومحزن في هذا العالم. لكنه خاف أن ينتهي به الأمر إلى قصيدة وجودية لا تختلف عن هذا البحر الواسع من الأفكار الوجودية. ويمكن أن يكتب قصيدة سوريالية. لكن من شأن ذلك فقط أن يزيد من معاناته. بالإضافة إلى انه غير مولع كثيرا بالسوريالية. ثم أليس الواقع سورياليا بما يكفي؟! تذكّر شيئا تعلّمه في الماضي. وهو انه لا يمك...

أيّام في بريطانيا

صورة
وأنت تتأمّل جمال الطبيعة عبر نافذة القطار المتّجه نحو شمال انغلترا، لا بدّ وأن يخطر بذهنك ما يقال أحيانا عن شخصية أو روح المكان. فحيثما نظرت، لا تقع عيناك إلا على اللون الأخضر. فضاءات خضراء لا يحيطها البصر، غابات، حدائق، مروج ومراعي فسيحة تتجوّل فيها الماشية والخيول على ضفاف الجداول والبحيرات. وعبر البساط الأخضر الشاسع تلمح بعض القلاع والقصور التي تعود إلى القرون الوسطى. جمال الريف الانغليزي كثيرا ما تحدّث عنه العديد من الكتّاب والشعراء والرسّامين الانغليز منذ القدم. في هذه الأرجاء عاش الشاعر ووردزوورث والفنّان جون كونستابل في وقت واحد. وكلاهما كانا مفتونين بسحر وجمال الطبيعة. الأوّل كتب عنها العديد من قصائده واستلهم من أجوائها مضامين ميثولوجية ودينية وفلسفية. والثاني كان يرسمها بقلبه وكان يوْدع في مناظره ذلك الإحساس العميق بالهدوء والسكينة. كان كونستابل معروفا بتعامله المبهر مع الألوان والضوء والظلال. وفي لوحاته تمثيل رائع لروح الطبيعة يشي بحسّ وجداني عميق وتجربة روحية ثريّة. كان الوقت صباحا. وكان الضباب يلفّ كلّ شيء والغيوم الداكنة قريبة جدّا من الأرض رغم أننا ما نزال...