المشاركات

سيروف: فتاة مع ثمار خوخ

صورة
نظرة واحدة إلى هذه اللوحة قد لا تكفي. تفاصيلها الجميلة وجوّها الحميم والعفوية التي رُسمت بها هي من العناصر التي تجذب العين وتبعث إحساسا بالصفاء والسكينة. وشخصيّا اعتبرها إحدى لوحاتي المفضّلة. اسم اللوحة "فتاة مع ثمار خوخ" أو "بورتريه فيرا مامونتوفا" للرسّام الروسي فالانتين سيروف. ولهذه اللوحة قصّة تستحقّ أن تُروى. في العام 1872، اشترى الثريّ الموسكوفي سافا مامونتوف ضيعة ابرامتسيفو من صاحبها القديم. كانت الضيعة عبارة عن مجموعة من البيوت الأنيقة يتفرّع عنها عدد من الجسور الخشبية التي تقود إلى غابة من الأشجار الوارفة الظلال. كان مامونتوف راعيا ومحبّا للآداب والفنون. وكانت تربطه علاقة صداقة مع أشهر الفنّانين والأدباء الروس آنذاك. وقد قرّر تحويل الضيعة إلى مركز ثقافي وفنّي. وأصبح المكان ملتقى للفنّانين والأدباء الذين كانوا يجتمعون فيه ويمارسون إبداعاتهم ويتدارسون أمور الفنّ والأدب. وكان مامونتوف يتكفّل بنفقاتهم هم وعائلاتهم. وقد لعب هذا المكان دورا مهمّا في تطوير الثقافة الروسية في القرن التاسع عشر. تورغينيف وغوغول كانا ضيفين دائمين على مستعمرة ابرامتسيفو. وفي هذ...

موزارت و سالييري

صورة
في صباح الخامس من ديسمبر عام 1791م، توفّي وولفغانغ اماديوس موزارت عن خمسة وثلاثين عاما. وبعد وفاته بأيّام، نشرت إحدى صحف برلين تحقيقا يشير إلى أن جسد الموسيقيّ كان متورّما بعد موته، الأمر الذي يوحي باحتمال انه مات مسموما. لكنْ من كان يتمنّى موت موزارت؟ أرملته، كونستانزا، لم تتحدّث كثيرا عن قصّة السمّ، ومن ثمّ لم تشر بإصبع الاتهام إلى احد. وقد نسي الناس الحكاية لبعض الوقت. غير أنها بُعثت من جديد بعد ذلك بثلاثين عاما. ولم يكن المشتبه به في موت موزارت سوى زميله الموسيقيّ الإيطالي انطونيو سالييري. كان سالييري يكبر موزارت بخمس سنوات فقط. وقد اختاره الإمبراطور جوزيف الثاني موسيقيّا للبلاط عام 1774م. كان عمره وقتها أربعة وعشرين عاما. وعندما وصل موزارت إلى فيينا بعد ذلك بسبع سنوات، كان سالييري يحظى بالكثير من الاحترام، خاصّة لدى أفراد الطبقة الارستقراطية. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح سالييري ينظر إلى موزارت باعتباره منافسا وموسيقيّا عبقريّا لا يمكن أن يجاريه احد. والكثيرون في أوساط الموسيقى في فيينا لم يكونوا يشكّون في حقيقة أن سالييري كان يضمر الحسد لـ موزارت. ولم يكن موزارت نفسه حريص...

الموناليزا الروسيّة

صورة
لأكثر من مائة عام، ما تزال المرأة الظاهرة في هذا البورتريه لغزا. وكثيرا ما يشار إليها، لسبب ما، بالغريبة أو المجهولة. وبسبب هذا الاسم ظهرت الكثير من القصص والأساطير. رسم ايفان كرامسكوي في البورتريه امرأة بملامح ارستقراطية ولباس باذخ وهي تجلس في عربة فوق جسر انيشكوف في سانت بطرسبيرغ. ومع مرور الزمن، اكتسبت اللوحة هالة من الغموض وأصبحت إحدى أشهر اللوحات في الفنّ الروسي. وقد استُنسخت عددا لا يُحصى من المرّات. كما أنها تتمتّع بشعبية كبيرة خارج روسيا، خاصّة في اليابان وفي الصين وكوريا. ترى، ما الذي يجذب النظر إلى اللوحة؟ جمال المرأة الأخّاذ؟ زينتها الفارهة؟ أم شيء ما آخر أكثر عمقاً؟ منذ أن رسم كرامسكوي البورتريه والجدل لا يتوقّف عن هويّة هذه المرأة. في البداية قيل إنها آنا كارينينا بطلة رواية تولستوي الشهيرة. وقيل إن اللوحة قد تكون ترجمة لقصيدة "الغريبة" للشاعر الروسي الكسندر بلوك ، والتي يتحدّث فيها عن امرأة ترتدي فستانا حريريا وتزيّن يديها بالخواتم الثمينة وتعتمر قبّعة حِداد. ثم قيل إن المرأة قد تكون ناستازيا فيليبوفنا بطلة رواية الأبله لـ دستويفسكي. وشيئا فشيئا أصب...

سلفاتور روزا: الفنّان الفيلسوف

صورة
عرف تاريخ الفنّ الكثير من المتمرّدين. لكن لا احد يشبه سلفاتور روزا. لم يكن رسّاما مستقلا ومبتكرا فحسب. بل كان أيضا فيلسوفا وشاعرا. وقد رسم بعض أكثر الأعمال الفنّية فتنة وإثارة. السحرة والأشرار والشياطين في لوحات هذا الرسّام لم تكن نتاج خيال مروّع، بل كانت تصويرا بليغا للحياة في زمانه. في العام 1631، ثار بركان جبل فيزوف وقذف بحممه البركانية في البحر وملأت الجوّ سحب الرّماد التي وصلت إلى القسطنطينية. ثوران البركان وما رافقه من زلازل تسبّبت آنذاك في مقتل ثلاثة آلاف شخص وفي دمار واسع النطاق. وقد تركت الحادثة أثرا لا يُمحى على سلفاتور روزا ذي الستّة عشر عاما وقتها. أصبح الفنّان الشابّ متخصّصا في رسم الطبيعة المظلمة والمليئة بالأخطار: الغيوم العاصفة التي تتجمّع فوق الأبنية المهدّمة والأشجار المدمّرة، والبشر الذين يظهرون كالأقزام أمام الجبال الشاهقة أو يواجهون مصيرهم المشئوم على أيدي اللصوص وقطّاع الطرق. أثناء حياته كان سلفاتور روزا شخصية مبجّلة، وربّما جامحة وبرّاقة مثل قطّاع الطرق في لوحاته. وبعد موته بمائة عام، صارت لوحاته تغذّي خيال الرسّامين الإنجليز مثل باري جيمس وفوسيلي وجون ما...

آخر أيّام تولستوي

صورة
قبل حوالي مائة عام، توفّي ليو تولستوي عن عمر يناهز الثانية والثمانين بعد أن عانى من التهاب رئوي حادّ. وقد تابع العالم آنذاك أخبار مرضه ونقلتها الصحف في روسيا وخارجها يوما بيوم. ولم يكن تولستوي على علم بتلك الضجّة التي كانت تثور من حوله. وقبل وفاته بتسعة أيّام، كان الكاتب المشهور قد ترك منزله في ياسنايا بوليانا سرّا عند الفجر بصحبة سكرتيره الخاصّ. كان واضحا أن تولستوي اتخذ قراره النهائي بأن ينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم مع سكرتيره. وفي الليلة التي غادر فيها منزله كتب يقول: لقد فعلت ما يفعله الناس في مثل سنّي. قرّرت أن اترك الحياة الدنيوية وأقضي أيّامي الأخيرة في هدوء وعزلة". وفي طريقه إلى محطّة القطار، عرّج على دير شيماردينو لرؤية شقيقته، وقضى ليلة في فندق بجانب أحد الأديرة. ثم غادر مرّة أخرى في الرابعة فجرا باتجاه الجنوب. هروب تولستوي من ياسنايا بوليانا أصاب معاصريه بالذهول. البعض رأى في تصرّفه "تحرّرا بطوليّا" من قيود الحياة وإزالة للحواجز الأخيرة بينه وبين الله. كما وصفت الصحافة الروسية قراره بأنه "انتصار روحي"، بينما وصف بعض الكتّ...

كوروفين: أبو الانطباعية الروسية

صورة
كونستانتين كوروفين هو احد الرسّامين الذين برزوا في أواخر القرن قبل الماضي ومثّلوا مرحلة جديدة في تطوّر الرسم الروسي، مثل ايساك ليفيتان وفيكتور نيستيروف وفالانتين سيروف وميخائيل فروبيل. ولد كوروفين في نوفمبر عام 1861 في موسكو لأسرة تشتغل بالتجارة. وعند بلوغه الرابعة عشرة، دخل مدرسة موسكو للنحت والرسم والهندسة كي يدرس الهندسة المعمارية. لكن بعد سنتين من الدراسة اختار أن يتخصّص في الرسم. ثم ذهب إلى سانت بطرسبيرغ كي يواصل تعليمه في أكاديمية الفنون. غير انه سرعان ما أصيب بخيبة أمل من أساليب الأكاديمية وقرّر أن يوقف دراسته. في العام 1885، قام كوروفين بأوّل زيارة له إلى أوربّا شملت فرنسا وايطاليا، ثم اسبانيا التي رسم فيها بعضا من أفضل لوحاته. كان الرسّام على علاقة ودّية مع الفنّان المشهور فالانتين سيروف. وقد سافرا معا في الفترة ما بين عامي 1888 و 1894 إلى أراضي القوقاز وآسيا الوسطى. وفي أوائل سنوات القرن العشرين، عمل بنشاط على تصاميم الأزياء الخاصّة بعروض التمثيل في مسرح البولشوي ومسرح ماريانسكي. وأثناء الحرب العالمية الأولى عمل كوروفين كمستشار لعمليات التمويه في مقرّ الجيش الروسي. وقد...

فجر الإنسان

صورة
حدث هذا منذ آلاف السنين. وفي رواية أخرى منذ ملايين السنين. وبعض العلماء، واعتمادا على عدد وافر من الأبحاث والدراسات، يُرجِعون بداية القصّة الملحمية لوجود الإنسان على الأرض إلى ما قبل حوالي خمسة ملايين عام. في البداية، لا نعرف سوى القليل جدّا عن أسلافنا من البشر الأوائل. لم نرَ صورهم ولا هيئاتهم. لكنْ في أعمق طبقة من طين تربة قديمة وُجدت قطع من عظامهم. كانت هذه القطع مدفونة وسط هياكل عظمية محطّمة لحيوانات أخرى اختفت منذ زمن طويل من على وجه الأرض. وقد اخذ علماء الأنثروبولوجيا هذه العظام، واستطاعوا إعادة بناء هيئات أسلافنا الأوائل بدرجة معقولة من الدقّة. الأجداد الأوّلون للجنس البشري كانوا صغار البُنية؛ اصغر بكثير ممّا نبدو اليوم. وقد لوّنت حرارة الشمس اللاهبة ورياح الشتاء اللاذعة جلودهم وأضفت عليها لونا بنّيا داكنا. كانت أصابعهم رفيعة جدّا، لكنّها قويّة. وكانت جباههم منخفضة وأسنانهم تشبه أنياب الحيوانات البرّية. لم يكونوا يرتدون ملابس، ولم يكونوا قد رأوا النار بعد، عدا لهب البراكين الهادرة التي كانت تملأ الأرض بالدخان والحمم البركانية. كان أسلافنا الأوائل يعيشون في الغابات الشاسعة...