:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, March 20, 2012

سلفاتور روزا: الفنّان الفيلسوف


عرف تاريخ الفنّ الكثير من المتمرّدين. لكن لا احد يشبه سلفاتور روزا. لم يكن رسّاما مستقلا ومبتكرا فحسب. بل كان أيضا فيلسوفا وشاعرا. وقد رسم بعض أكثر الأعمال الفنّية فتنة وإثارة.
السحرة والأشرار والشياطين في لوحات هذا الرسّام لم تكن نتاج خيال مروّع، بل كانت تصويرا بليغا للحياة في زمانه.
في العام 1631، ثار بركان جبل فيزوف وقذف بحممه البركانية في البحر وملأت الجوّ سحب الرّماد التي وصلت إلى القسطنطينية. ثوران البركان وما رافقه من زلازل تسبّبت آنذاك في مقتل ثلاثة آلاف شخص وفي دمار واسع النطاق. وقد تركت الحادثة أثرا لا يُمحى على سلفاتور روزا ذي الستّة عشر عاما وقتها. أصبح الفنّان الشابّ متخصّصا في رسم الطبيعة المظلمة والمليئة بالأخطار: الغيوم العاصفة التي تتجمّع فوق الأبنية المهدّمة والأشجار المدمّرة، والبشر الذين يظهرون كالأقزام أمام الجبال الشاهقة أو يواجهون مصيرهم المشئوم على أيدي اللصوص وقطّاع الطرق.
أثناء حياته كان سلفاتور روزا شخصية مبجّلة، وربّما جامحة وبرّاقة مثل قطّاع الطرق في لوحاته. وبعد موته بمائة عام، صارت لوحاته تغذّي خيال الرسّامين الإنجليز مثل باري جيمس وفوسيلي وجون مارتن. كما سحرت مناظره الروائي القوطي هوريس وولبول الذي استلهم منها وصف المنحدرات والجبال والذئاب والفيضانات في رواياته.


إحدى أشهر لوحات روزا هي موت ايمبديكليس. وقد رسمها في الفترة من 1665 إلى 1670. وهي قطعة رائعة من الدراما السردية. وفيها يظهر الفيلسوف اليوناني القديم وهو يغرق في جحيم بركان جبل إتنا. تقول الأسطورة أن ايمبديكليس ألقى بنفسه في البركان ليثبت لأتباعه انه مقدّس وخالد. كان الناس يعتقدون بقدرة الرجل في التحكّم بالرياح والنار والمطر. وأشيع انه أعاد الحياة لامرأة بعد موتها. كان ايمبديكليس يتحدّث عن نفسه أحيانا كإله. وعندما قفز في فتحة البركان، كان يتمنّى أن لا يبقى على الأرض شيء من جسده الفاني. كان يتطلّع لأن يعود كإله بين البشر بعد أن تلتهمه النار. في هذه اللوحة تتحوّل ضربات الفرشاة إلى أفكار وانفعالات. شكل الإنسان يستحيل كتلة من الضوء والظلام بحيث يصعب تمييزه عن المرتفعات الصخرية التي يقف فوقها.
بعد مرور مئات السنين على الحادثة، وضع أثناسيوس كيرشر دراسة عن البركان نشرها في كتاب مصوّر عام 1665م. ويُرجّح أن ذلك الكتاب هو ما ألهم روزا رسم هذه اللوحة المضطربة في نفس ذلك العام.
من الصعب قراءة البركان كبركان هنا. لكن من الواضح أن الرجل يقفز باتجاه طبيعة مجهولة وغير مضيافة. يُخيّل إليك وأنت تتأمّل شكل الإنسان في اللوحة انه يرتفع لأعلى، بقدر ما انه يغرق حتى الموت في هاوية البركان. السماء والجبال والدخان والسحاب والرداء والشَعر تصبح شيئا واحدا. اليدان هما العنصر الآدمي الوحيد في اللوحة. وهما ممدودتان كما في وضعية الصلاة. المنظر كلّه في حالة تدفّق عنيف. وكلّ الموادّ الصلبة تبدو وكأنها تذوب أو تنهار. اليقين الوحيد هو الموت؛ قوّة الجاذبية التي تجرّ المرء بلا هوادة نزولا إلى القاع.
كان سلفاتور روزا يقدّم نفسه باعتباره فيلسوفا. وكان يشحن صوره بالمعاني والرموز. وبالنسبة له فإن هذه الأفكار المظلمة لم تكن خيالا ساكنا وإنما واقع بشع. شقيقه وابنه وأولاد إخوته ماتوا جميعا بسبب وباء الطاعون الذي اجتاح نابولي عام 1656، وهو العام الذي رسم فيه لوحته الملحمية هشاشة الإنسان. وفيها يصوّر امرأة شابّة تضع زهورا في شعرها وتستند إلى كرة زجاجية وتحمل طفلا رضيعا. هيئة المرأة تشبه المادونا، والطفل محكوم عليه بالفناء، وموته لا يوفّر خلاصا. هذه ليست لوحة دينية، ولكنّها تذكار يحمل رموزا عن قصَر الحياة. الهيكل العظمي المجنّح يشير إلى رقعة يكتب عليها الطفل هذه الكلمات: الحمل خطيئة، والولادة عقوبة، والحياة عمل شاقّ، والموت لا مفرّ منه". وفي أسفل اللوحة، يقبع طائر بوم متأمّلا المشهد بطريقة غامضة. بالنسبة إلى العقل الحديث قد تبدو الرسالة ساذجة لدرجة السخرية. لكن من الصعب قياس موقف الفنّان من الصور والأفكار التي يُنظر إليها الآن على أنها صيغ ساذجة.
كان روزا رسّاما جيّدا. لكن استعاراته تبدو اليوم مفرطة في بساطتها.

من بين أعمال الفنّان التي تروق للعين والعقل لوحته بعنوان صورة مجازية للشعر. من السهل أن تُعجب بهذه اللوحة. وهي مرسومة بالألوان الذهبية الناعمة والخضراء الداكنة. وفيها تظهر امرأة شابّة بشعر أشعث وعينيين تحدّقان. وهي على ما يبدو غارقة في التفكير بانتظار لحظات إلهام. غطاء رأسها تتداخل فيه أوراق الشجر على نحو يذكّرنا برأس ميدوسا.
الرسم الأوربّي في أزهى عصوره كان مهتمّا بقصص السحرة والشياطين عندما كانت القارّة الأوربّية واقعة في قبضة جنون الساحرات. سلفاتور روزا أيضا رسم عدّة مشاهد عن السحر. "سحرة يمارسون طقوسهم" هو اسم إحدى أفضل لوحاته. وربّما تكون ترجمة لإحدى قصائده بعنوان "الساحرة".

طقوس السحر تجري في وسط المشهد. إلى أسفل يظهر رجل مشنوق على شجرة ذاوية. المقدّمة المضاءة تتباين مع الطبيعة الليلية في الخلفية. أوّل أضواء الصباح يعكس على السحب البعيدة لونا برتقاليا. الرسّام هنا يجعل الظلام مرئيّا ويمنح الليل شكلا فيزيائيا.
اللوحة تصوّر أشياء رهيبة تجري في الريف الايطالي في ساعات الصباح الأولى. إلى اليسار نرى وحشا له هيكل عظمي يشبه هيكل ديناصور. ترى هل رأى الرسّام هياكل متحجّرة لحيوانات عملاقة في إحدى التلال القريبة من فلورنسا؟
أيضا هناك ساحرة عارية تمزج حساءً، وفارس يحمل عصا مشتعلة. من هم هؤلاء الناس؟ ولماذا هم مجتمعون هنا؟ واضح أننا أمام مهرجان للسحرة. وهو يذكّر بمطاردة الساحرات في القرن السادس عشر. السحر كان احد الأفكار الكبيرة لعصري النهضة والباروك، بل واستمرّ في العصر الرومانسي من خلال أعمال فرانشيسكو دي غويا.
ثمّة احتمال بأن هذه اللوحة هي محاولة لتصوير الظلام نفسه. التأثير الانفعالي للمنظر نابع أساسا من اللون، أو بالأحرى من غياب الألوان. فباستثناء بضع ومضات من الأزرق والأحمر والأزرق والأصفر، يبدو المحتفلون الليليّون كما لو أنهم مصنوعون من اللون الرمادي. الظلام العميق لليل يلفّهم. قد يكون هذا المشهد استكشافا دقيقا لما يُفترض أن يقوم به أتباع الشيطان. ومع ذلك فاللوحة تفتن لأنها غامضة جدّا. كما أنها تعبير عن الاعتقاد في السحر الذي كان ما يزال مزدهرا في أوربّا في سنوات منتصف القرن السابع عشر. وربّما تكون اللوحة دراسة عن قوّة التخيّل. وإذا صحّ هذا الاحتمال، فإنها اعتراف بقوّة العقل في إنتاج الوحوش. وهناك احتمال بأن الضوء الذي نراه في أعلى يسار اللوحة هو تعبير مجازي عن ولادة أوربّا جديدة وأكثر استنارة.
من بين أكثر لوحات روزا فتنة وجمالا البورتريه الذي رسمه لنفسه وأسماه صورة مجازية للفلسفة. القبّعة السوداء والشعر المرسَل والنظرات الثابتة في هذه الصورة المثالية عن الذات تتضمّن إعلانا عن حكمة وفطنة الفنّان الفيلسوف. انه يحدّق في الناظر بتساؤل، بينما يسند يده على لوحة تقول "احتفظ بصمتك ما لم يكن لديك ما يستحقّ الكلام".
عندما رسم هذه اللوحة، كان ما يزال غير معروف. لكن نظراته وطريقة وقوفه توفّران لمحة عن شخص طموح وميّال لترويج نفسه. هذا الطموح والاعتداد الكبير بالنفس هو ما اكسب سلفاتور روزا، في ما بعد، أتباعا ومريدين كانوا ينظرون إليه بشيء من التقديس. "مترجم".

2 comments:

Carol said...

أحببت مدونتك:)
لأنها غنية و مليئة بما وراء القصص و الصور

تدعو الى التأمل للحظات في الفن و في من ابدع هذا الفن

شكرا دائما على مجهودك :)

Prometheus said...

كارول
شكرا جزيلا لك على كلمات المجاملة واهلا ومرحبا بك دائما.