:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, November 05, 2010

نافذة على عالم بول كْلِي

تمتلئ لوحات بول كْلي بالرموز الخفيّة التي قد تبدو للوهلة الأولى معقّدة أو خالية من أيّ معنى. لكن عندما نقترب من تلك الرموز محاولين تفسيرها في سياق الأسلوب الذي كان الفنّان يستخدمه في لوحاته، فإن فهم فنّه يصبح مهمّة سهلة وبسيطة.
جينيفر شيبون تتحدّث في المقال المترجم التالي عن الزمن والأسماك والمربّعات السحرية في فنّ الرسّام السويسري المشهور.
لكي نفهم لوحات بول كْلِي والمعاني والرموز الكامنة في صوره، علينا أوّلا أن نعرف شيئا عن حياته وشخصيّته. كان كْلِي رسّاما تعبيريا سويسريا عاش من عام 1879 إلى عام 1941م. وقد نشأ في كنف عائلة تهتمّ بالموسيقى وكان يعزف الكمان في شبابه.
في الجامعة لقي كْلِي صعوبة في الاختيار بين أن يتخصّص في الموسيقى أو الفنّ. لكنّه في النهاية قرّر أن يختار الفنّ. ولهذا السبب كان يميل إلى وصف لوحاته بتعابير ومفردات موسيقية. كما كان، بوعي، يرسم لوحاته بطريقة تثير شعورا بالأنغام والإيقاعات الموسيقية.
وقد مات بول كْلِي في عام 1940، أي عند بداية الحرب العالمية الثانية متأثّرا بمضاعفات إصابته بمرض تيبّس الجلد الذي عانى منه طويلا وشوّه ملامحه وشلّ أطرافه.
وفنّه يحتوي على مزيج من التأثيرات السوريالية والتكعيبية والبدائية.
"سحر السمك" اسم لوحة رسمها بول كْلِي عام 1925 مستخدما ألوانا زيتية ومائية. وقد رسم في اللوحة ما يبدو وكأنه ساعة وكواكب ومهرّج وشخص يشير بيده. وفي منتصف اللوحة يظهر مربّع كبير من مادّة إضافية تمّ إلصاقها برقعة الرسم باستخدام الغراء.
وليس من الواضح ما إذا كان كْلِي وضع المربّع هناك كي يخفي خطئاً ما أو انه وضعه على الرقعة متعمّدا من اجل إنتاج تأثير فنّي من نوع ما.
وفي كلا الحالتين، فإن وجود انعكاس معتم من الستائر إلى أعلى يسار المربّع يكشف عن نيّة الرسّام في أن تكون هذه صورة ضمن صورة.
رسم بول كْلِي لوحات كثيرة تُظهِر أسماكا. غير أن هذه اللوحة تختلف عن لوحات الفنّان الأخرى عن الأسماك في أنها الوحيدة التي تتضمّن صورا لأشياء لا توجد عادة في البحر. مثلا، في منتصف اللوحة هناك شكل لساعة، وغير بعيد عنها دائرة أخرى تضمّ بداخلها ما يشبه الكوكب. هاتان الدائرتان ترمزان على الأرجح للقمر والشمس اللذين يتكرّران كثيرا في لوحات الرسّام. وبعض النقّاد يقولون إن كْلِي إنما كان يقارن بين زمن الأرض المحدود وزمن السماء اللانهائي، وهو احد مواضيعه المفضّلة.
وعند تفحّص هذه اللوحة عن قرب، سنكتشف أن وجه الساعة لا يتضمّن الأرقام المألوفة الموجودة على كلّ ساعة، بل يحتوي على أربعة أرقام فقط هي واحد واثنان وخمسة وتسعة. وعند إعادة ترتيب هذه الأرقام وفق نسق معين فإنها تشير إلى 1952، أي السنة التي رسم فيها الفنّان اللوحة.
موضوع الزمن يتكرّر كثيرا في أعمال بول كْلِي. وهو كان يرى أن جميع البشر وإبداعاتهم منصاعة لقوانين الزمن. وفي لوحاته، فإن الزمن أعظم من مجرّد اتّحاد روحين أو دينين أو أيّ فكرتين أو بنائين من صنع الإنسان. الزمن اكبر حتّى من نفسه لأنه يخضع لقوانينه الخاصّة.
الساعات والأسماك موتيفات مفضّلة عند بول كْلِي. أحيانا، تمثّل السمكة التي يرسمها نفسها، أي أنها سمكة فحسب. إلا أنها غالبا تعني ما هو أكثر. في الثقافات الشرقية القديمة يرمز السمك للثروة والوفرة والسعادة والخصب والرخاء. واللون الأرجواني يرمز تقليديا إلى الغموض والسحر وسعة الخيال. دراسات كْلِي في التاريخ الطبيعي أثارت في نفسه حبّا عظيما للأسماك بوصفها مجموعة من المخلوقات التي تتميّز بكثرتها وتنوّعها. وكان مفتونا كذلك بحياة الأسماك الغامضة والخفيّة والعابرة التي تعيشها تحت سطح المحيط دون أن يلاحظها احد.
كان يعتبر الأسماك حلقة وصل بين أقدم وأبسط أنواع الكائنات الحيّة وبين الأنواع الأحدث والأكثر تعقيدا وتنوّعا.
وبالتالي فإن الأسماك التي تظهر في لوحاته تتألّف غالبا من نفس الأنماط المتكرّرة. والأزهار تتألّف، هي أيضا، من نفس البتلات والأوراق والأغصان. وكلّها أدلّة على الوحدة العضوية وغير المتطوّرة التي يمثّلها السمك، من وجهة نظر كْلِي.
بول كْلِي معروف أيضا بصوره التوأمية وذات الوجهين. وهذه اللوحة يغلب عليها مزاج الحماس والمرح. السمك يعوم ببراءة وهو يبدو راضيا باستمراريّة نوعه بالرغم من زواله وفنائه السريع.
في عام 1932م رسم بول كْلِي لوحته بارناسوم التي تعتبر مثالا محكما على تقنية مربّعه السحري. وقد تأثّر في هذه اللوحة ومثيلاتها بدراسته للتشريح المقارن والانثروبولوجيا والتاريخ الطبيعي.
وأراد كْلِي أن يعكس في تلك اللوحات نظريّته الشخصية عن الطبيعة واستخدم في رسمها ما اسماه بالمربّعات السحرية. كما وظّف فيها الألوان الأساسية الثلاثة التي تأخذ دائما مركز الصدارة عنده، أي الأحمر والأصفر والأزرق.
فكرة المربّعات السحرية استوحاها الرسّام من زيارته إلى تونس عام 1914م والتي رأى خلالها الموازييك الملوّن الذي أقنعه بنظريته عن نقاء اللون. كما رسم في تلك الفترة لوحته بعنوان قباب حمراء وبيضاء.
المربّعات السحرية في لوحة بارناسوم تشكّل صورة قد ترمز إلى واحد أو أكثر من عدّة مفاهيم. اسم اللوحة ربّما يحيل إلى جبل بارناسوس حيث كان يعيش أبوللو والملهمات، أو إلى الأهرام التي رآها كْلِي أثناء زيارته لمصر عام 1928م.

2 comments:

sonnet said...

مدونة مميزة اتابعها و اتعلم منها

Prometheus said...

شكرا جزيلا لك. وأهلا وسهلا بك دائما.