:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, January 22, 2006

العولمة وفكرة الأماكن المحرّمة

كثيرا ما أتساءل عن مغزى منع غير المسلمين من دخول مكّة المكرمة والمدينة المنورة، خارج منظور التفسيرات التي يردّدها البعض أحيانا اعتمادا على حديث منسوب للرسول الكريم ظلّ المفسّرون منقسمين بشدّة حول مدى صحّته وطبيعة الإطار الزمني والجغرافي الذي يمكن فهمه من خلاله.
عندما نزلت الآية الكريمة التي تحظر على غير المسلمين دخول المسجد الحرام فهم الناس أن القصد من ذلك كان توفير مكان يمارس فيه المسلمون صلواتهم بسلام وطمأنينة ويوفّر لهم شيئا من الخصوصية الدينية التي يتوقون إليها.
لكن في فترات لاحقة، وكما هو الحال في الكثير من القضايا المماثلة، توسّع المفسّرون في شرح الآية وقالوا إنها تشمل مكة بكامل نطاقها الجغرافي المعروف. "صفة المعروف هنا قد لا تكون دقيقة، فالجغرافيا تتغيّر وتتبدل باستمرار ومكة اليوم هي غير مكة زمن الرسول".
المهم، ما لبث أولئك الشرّاح والمفسّرون أن أضافوا المدينة المنورة إلى مكّة، وأصبحت المدينتان محظورا دخولهما بالكامل على غير المسلمين.
والحقيقة أن الإسلام ينفرد بهذا الأمر دونا عن بقية الأديان. إذ لا تتبنى المسيحية أو اليهودية أو البوذية نظام فصل أو عزل من هذا النوع. وليست هناك، في ما اعلم، مناطق أو أماكن محظور دخولها على غير أتباع أي من هذه الديانات بحجّة انهم "نجس أو خبث".
بطبيعة الحال، يتحاشى الكتاب الإسلاميون في أحاديثهم للإعلام الغربي إيراد هاتين الصفتين في معرض حديثهم عن الموضوع، لانهم يعلمون أن مثل هذا الكلام يجرّمه القانون الدولي باعتباره شكلا من أشكال العنصرية.
لكن على مرّ السنوات أقيمت في مكة المكرمة مشاريع كثيرة تطلب إنجاز بعضها الاستعانة بمهندسين أجانب من غير المسلمين، بالنظر إلى انهم يتمتّعون بمهارات وخبرات لا تتوفّر أحيانا في غيرهم.
وفي إحدى المرّات، والعهدة على من روى لي القصة طبعا، ُطلب من أحد هؤلاء المهندسين أن يقف فوق ربوة عالية خارج المدينة موجّها تعليماته لعمّاله داخلها من خلال دائرة تلفزيونية.
وقال لي زميل من مكّة انه يحدث أحيانا أن يتمكّن بعض غير المسلمين " أو الكفار" من دخول مكة بصحبة أصدقاء لهم من العرب أو السعوديين. وزيارة مكة ورؤيتها عيانا بالنسبة لبعض هؤلاء هي بمثابة الحلم الذي يدفعهم لتحقيقه الفضول والرغبة في المعرفة المتأتية عن ارتياد الأماكن المجهولة والغامضة.
وهناك قصص عن أن بعض هؤلاء تم الإمساك بهم وتغريمهم كما وقّعوا على تعهّدات بعدم تكرار ما فعلوه، رغم عدم وجود قانون مكتوب يعالج مثل هذه الحالات.
وعبر فترات التاريخ المختلفة، كان هناك الكثيرون ممن اخترقوا الحصار. وتتحدّث المصادر التاريخية عن بعض المستشرقين الذين تخفّوا في هيئة دراويش وتسللوا إلى مكة بل وحتى إلى المسجد الحرام نفسه. ومن أشهر هؤلاء يوهان بيركهاردت ، و ريتشارد بيرتون الذي ألف كتابا مشهورا عن رحلته للحج، وحتى لورانس العرب الذي تذكر بعض الروايات انه دخل إلى مكة متسللا ذات ليلة ليشتري خنجرا ذهبيا من أحد تجّار المدينة في بدايات القرن الماضي.
واقع الحال اليوم يقول إن هناك تأكيدا متزايدا على الترابط الوثيق بين الإرهاب وانعدام التسامح الديني، وثمّة من يجادل بأن أساليب العزل الجغرافي المعتمدة على مقولة الخصوصية الدينية من شأنها في النهاية أن تضخّم شعور الاتباع بالتفوّق الديني والتعالي على الغير، وقد يتطوّر هذا الشعور شيئا فشيئا ليأخذ تمظهرات عدوانية من قبيل رفض الآخر واقصائه وإضمار الكراهية له. ومثل هذه المشاعر - متى ما تأجّجت وقويت – قد تدفع أصحابها لاستخدام الوسائل العنيفة ضد المخالفين.
المفارقة هنا تكمن في أن الآخرين الذين نصمهم بالخبث والنجاسة لمجرّد انهم مختلفون عنا في الديانة اثبتوا انهم اكثر تسامحا وإنسانية منا معشر المسلمين. لنتذكر فقط أن إيطاليا، مثلا، وهي معقل الكاثوليكية في العالم سمحت ببناء جامع إسلامي كبير بل انه اضخم مركز إسلامي في أوربا. وأين؟ في قلب روما وعلى مقربة من ميدان القديس بطرس حيث الكنيسة التي يؤمها ملايين المسيحيين سنويا.
إن أحدا لا يمكنه أن يدعو الناس للتخلي عن قناعات وأفكار تشكّلت وتجذّرت في الأذهان والعقول عبر قرون طويلة من الزمن.
كما أن من غير المعقول أن نتجاهل أن هناك من المتطرّفين من لا يزال يدعو إلى حظر دخول غير المسلمين، ليس إلى مكّة والمدينة فحسب، وانما إلى كامل شبه جزيرة العرب، مستندين في تحريمهم إلى تفسيرات غامضة ذكرها بعض المجتهدين الأوائل حسب ما توصّلت إليه عقولهم، مع انه يجوز مخالفتهم في ما قالوه لأن ذلك ليس هو بالضرورة "حكم الشرع"، خاصة في ضوء عدم وجود نص شرعي من قرآن أو سنّة يسند علة التحريم التي قالوا بها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بصرف النظر عن الموضوع هو: إلى أيّ مدى يمكن أن تصمد فكرة الأماكن المغلقة أو المحرّمة أمام تيار العولمة الكاسح الذي افرز واقعا دوليا جديدا يفرض على أمم العالم المزيد من التسامح والتفاعل وتقاسم المصالح الذي لا يتحقّق سوى بتوحيد قوانين التجارة والعمل والحركة، والتقليل من التمايزات الثقافية، وفتح الحدود الجغرافية بين الدول لتمرّ عبرها المبادلات الاقتصادية والتجارية وما توفّره من فرص وإمكانيات تستفيد منها كافة الشعوب بلا استثناء.