:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, March 19, 2006

متلازمة جيمس دين

أثناء مشاويري الروتينية اليومية، أصبحت معتادا على رؤية بعض الخربشات والصور والتعليقات التي تظهر على الجدران والأرصفة.
إنها نوع من الغرافيتي، لكنّه خال من أيّة قيمة فنية أو جمالية. بعض تلك الأشكال والكتابات هي عبارة عن سباب وشتائم، والبعض الآخر رسائل حبّ ساذجة، ولا يخلو الأمر من عبارات ذات مغزى مثل "ابن الشيطان" التي كتبت بالإنجليزية، وهناك أيضا رسومات لنساء مع رموز لاسمائهن الأولى وتعليقات خادشة للحياء أحيانا.
ولا اعلم إن كان هناك قانون يحظر مثل هذه الأمور، لكن معظم الدول تعتبرها نوعا من التخريب، خاصة إذا مورست دون رضا مالك العقار أو البناء.
هذه الظاهرة في تنام وازدياد، ويبدو ألا علاقة لها بجنوح الأحداث، فبعض من يمارسونها هم من فئة الشباب المتعلم، وهم يفعلون ذلك ليس بسبب شذوذ ولد معهم أو طبيعة عدوانية متأصلة في نفوسهم.
وفي محاولة لفهم هذه الظاهرة وجدت نفسي اربط لا إراديا بين تلك الخربشات وبين مناظر أخرى نراها صباح مساء في شوارع مدننا. إذ لا بدّ وأن الكثيرين قد رأوا تلك النوعية من الشباب الذين يرتدون قبّعات مائلة واحيانا مقلوبة ويتّخذون قصّات شعر غريبة، ويقودون سياراتهم بطريقة لا تخلو من العصبية والرعونة ويتعمّدون تشغيل أغان مزعجة وبمستوى صوت يصمّ الآذان ولا يتردّدون في معاكسة امرأة عابرة هنا أو هناك. هؤلاء تجدهم في كل مكان تقريبا بنظراتهم الحائرة وحركاتهم العصبية ومزاجهم الحادّ.
اعتقد أن مثل هذه السلوكيات وغيرها تمثّل بشكل أو بآخر بعض مظاهر تمرّد الجيل الجديد على الواقع الذي يعيشونه. وهم في تصرّفاتهم يحاولون التنفيس عن إحباطهم وربّما تحدّيهم لنظام القيم والأعراف السائدة.
هؤلاء هم من تفتّح وعيهم على الإنترنت والقنوات الفضائية وما أحدثته من تغييرات مهمّة وعميقة في ثقافات الكثير من الشعوب. وما يفعلونه هو ردّ فعل طبيعي على ما يرونه ويلمسونه من تناقض بين تفاصيل واقعهم المحلي المتّسم بالجمود وكثرة المحرّمات والقيود وبين ما يزخر به العالم الواسع من حولنا مما يشاهدونه على التلفزيون وفي الواقع الافتراضي من أفكار خلاقة ونظم مبتكرة وتصوّرات جديدة ومبدعة.
إن ما يحدث الآن عندنا يشبه في بعض وجوهه ما حدث في أمريكا خلال خمسينات القرن الماضي. تلك الفترة شهدت بداية ظهور النزعات المتمرّدة لدى الشباب الأمريكيين مما اصبح يطلق عليه في ما بعد متلازمة أعراض جيمس دين، نسبة إلى الممثل الأمريكي الشهير الذي كان لأفلامه وارائه المتمرّدة تأثير كبير وكاسح على الشبّان الأمريكيين الذين رأوا فيه وفي غيره من رموز ذلك الاتّجاه دافعا للتمرّد والثورة على كل ما هو سائد ومألوف في مجتمعهم بغية تغييره وتجاوزه.
ويحسن بنا ألا نرى في ما يحدث عندنا ظاهرة شاذّة أو غريبة، بل هو سلوك طبيعي يمكن فهمه في سياق التحوّلات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تكتسح العالم اليوم. وهذه السلوكيات هي على وجه الخصوص ردّ فعل طبيعي على الكبت المتعدّد الوجوه والمصادر، وهو صرخة احتجاج في وجه أصحاب التفسير الكهنوتي للدين، الذين صادروا حرّيات الناس وروّجوا لثقافة الموت من خلال فرض ايديولوجيتهم الرجعية المتزمّتة التي لم يجن منها الجميع سوى التطرّف والانغلاق والإرهاب والكراهية.
إن مظاهر التحدّي التي يعبّر من خلالها الجيل الحالي عن احتجاجه على مفردات الواقع الجامد مقدّر لها أن تقوى وتشتد ما لم يتحقّق التغيير المنشود الذي يبدّد قلق الأنفس الحائرة ويعيد التوازن المفقود ويضع مجتمعنا كله على طريق الانفتاح والحداثة.