:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, August 07, 2005

ديوان حافظ الشيرازي

ألا يا أيَها الساقي
أدرْ كأسا وناولها
فإنّ الكأس للملدوغ
بالعشق هو الراقي
قد استسهلتُ أمرَ العشق
فانهالتْ على قلبي
مشاكلُ قيّدتْ عقلي
فلا ُيؤملُ إطلاقي
متى ما تلقَ من تهوى
دع الدنيا وأهملها
فيا حافظُ
جمع الشمل
بالذكرى
هو الباقي

ولد حافظ في شيراز عاصمة إقليم فارس بإيران حوالي العام 1320 م أي بعد حوالي خمسين سنة من وفاة جلال الدين الرومي أكثر شعراء إيران الصوفيين شهرة.
ترعرع حافظ في وقت كانت افضل الآداب الفارسية قد كتبت وفي ظلّ السمعة التي تمتّع بها مواطنه المتميّز الشاعر سعدي.
في تلك الأثناء كان الشعر الفارسي قد بلغ ذروته خلال المرحلة الرومانسية.
وقد وصلت شهرة حافظ أوجها وجذبت أشعاره المترجمين لقرون عديدة، وقد أسئ فهم حافظ وظنه الناس رجلا مجنونا ومتهوّرا لا يهتم بشيء قدر اهتمامه بالشراب.
كان أبوه التاجر قد هاجر من اصفهان إلى شيراز هربا من غزاة المغول ومات الأب فيما يبدو وحافظ ما يزال شابّا.
تلقى الشاعر تعليما تقليديا في اللغة العربية والقرآن الكريم والعلوم والأدب، ويشي شعره بمعرفة عميقة بالشعر الفارسي طيلة القرون الخمسة التي سبقته كما تكشف أيضا عن معرفة بالعلوم الإسلامية وعن تمكّنه من العربية.
ولا يتوفّر سوى النزر اليسير عن حياة أشهر شاعر غنائي فارسي في التاريخ، وكثير من الاستشهادات والاشارت والتفاصيل التي تحفل بها المعاجم وكتب التاريخ عن حياة حافظ الشيرازي ليست مؤكّدة تماما.
وبعد وفاته مباشرة نسجت الكثير من القصص والأساطير عن حياته.
تقول بعض الروايات إن حافظ عمل بعد وفاة أبيه صبيّا في أحد المخابز وكان مكلفا بإيصال الخبز للحيّ الموسر من المدينة عندما رأى امرأة شابّة راعه جمالها وحسن خلقتها. وكثير من أشعاره موجّهة إلى تلك المرأة بالذات.
وفي نهاية العقد الثاني وبداية الثالث من حياته أصبح حافظ شاعرا في بلاط أبي اسحاق وكسب المزيد من الشهرة والنفوذ في شيراز، وتلك كانت مرحلة الرومانسية الروحية في شعره.
في سنّ الثامنة والأربعين فرّ حافظ من شيراز خوفا على حياته بعد أن لاحظ أن الشاه شجاع لم يعد يستسيغه كثيرا.
وبعد ذلك بأربع سنوات وبناءً على دعوة من شجاع، أنهى حافظ فترة النفي وعاد إلى شيراز ليواصل عمله كمدرّس في كليتها.
في سنة 1356 استولى على شيراز الأمير مبرّز، وهو شخص متزمّت دينيا وقاسي القلب.
هذه الحادثة لم تجلب السعادة إلى قلوب الشعراء مثل حافظ وغيره وانما سهّلت على المتعصبّين تعزيز مراكزهم وسلطتهم فاضطهدوا الناس باسم الدين. وهناك العديد من قصائد حافظ تنتقد تملق ونفاق المتديّنين المتزمّتين واستبداد القضاة والحكّام.
وقد تسبّب طغيان الأمير مبرّز في انفضاض الناس من حوله واندلاع تمرّد ضده. فأطيح به وُسملت عيناه واصبح ابنه الشاه شجاع حاكما لشيراز. وأعاد الحاكم الجديد المكانة التفضيلية لحافظ في البلاط.
وفيما بعد تلقى حافظ دعوة من محمّد شاه لزيارة الهند. ويقال أن حافظ سافر برّا إلى منطقة مضيق هرمز ومن هناك صعد إلى ظهر سفينة أبحرت به إلى الهند، وكان البحر عاصفا فاضطر إلى مغادرة السفينة والعودة إلى شيراز لانه كما يقول كان يفضّل "جهنم اليابسة على جنان البحر الموعودة".
بعد ذلك بعدّة سنوات حلّ غضب الرب على شيراز واهلها، وتجسّد ذلك الغضب في تيمورلنك.
تقول الأسطورة انه حدث لقاء بين رجل السيف المغولي ورجل القلم حافظ، وأن تيمورلنك وبّخ حافظ بعنف لانه كتب في إحدى قصائده الغنائية: إذا أخذت تلك الشيرازية قلبي في يدها، فمن اجل تلك الشامة على وجنتها سأهبها بخارى وسمرقند". وسأل تيمورلنك الذي ينتمي إلى سمرقند حافظ كيف طاوعه طيشه لان يهب تلك المدينتين العظيمتين فقط من اجل شامة على خدّ امرأة شيرازية. ويقال أن حافظ ردّ عليه قائلا: يا جلالة الإمبراطور! كان ذلك بسبب الإسراف الذي أورثني حالة الفقر والعوز".
ومن اوجه السخرية أن شعبية الشاعر الكاسحة كانت السبب في المصاعب التي ارتبطت بشعره. ويذكر في هذا الصدد أن حافظ سئل ذات مرة: من هو الشاعر؟ فأجاب: الشاعر هو الذي يسكب الضوء في كأس، ثم يرفع الكأس ليسقي به ظمأ الشفاه المقدّسة".
وفي العقود الأخيرة لجأ بعض الشعراء إلى نشر شعرهم المثير للجدل ممهورا باسم حافظ لكي يتجنّبوا الاضطهاد والتضييق. والغريب أن حافظ ينظر إليه في البلدان الناطقة بالفارسية اليومية كإيران وافغانستان والجمهوريات الجنوبية من الاتحاد السوفياتي السابق ليس فقط باعتباره شاعرا عظيما بل متنبئ أيضا أو ما يطلقون عليه لسان الغيب وترجمان الأسرار، بمعنى أن لشعره نكهة لها طابع القداسة والإلهام.
ورغم أن شعر حافظ الذي يتضمنّه ديوانه يتحدّى التصنيف المألوف إلا انه يمكن تقسيمه إلى أربعة مواضيع:
قصائد تتعامل أساسا مع الحبّ الصوفي ومع النبيذ والأزهار والعشّاق كرموز.
وقصائد يعمد فيها الشاعر إلى الانتقال السريع من فكرة أو صورة لأخرى.
وقصائد شبيهة بالنوع الثاني غير أنها اكثر تكثيفا وعمقا من الناحية الفلسفية ويغلب عليها الغموض والأفكار البالغة التعقيد.
واخيرا قصائد تحتوي على جرعة كبيرة نسبيا من النبرات السياسية والاجتماعية ويمكن أن نعزو هذا الملمح إلى المراحل المتعدّدة في حياة الشاعر.
والحقيقة أن انتقادات حافظ كانت موجّهة في الغالب ضدّ رجال الدين والقضاة، وهذا يفسّر نقمة هذه الفئات عليه وتدنيس قبره بعد وفاته. وليس مستغربا أن يكون أعداء الشاعر بمثل هذه الشراسة والقسوة خاصة وقد قال فيهم ما لم يقله مالك في الخمرة.
ويتفق نقاد كثيرون على أن شعر حافظ الشيرازي يمثل أعلى ذرى الشعر في بلاد فارس، ويستخدم ديوانه كدليل يومي للإلهام والانعتاق الروحي. وهناك أشخاص عديدون كرّسوا حياتهم كلها لقراءة وفهم قصائد الشاعر.
تجدر الإشارة إلى أن الرحالة والكاتبة البريطانية غيرترود بيل قامت بترجمة ديوان حافظ من الفارسية إلى الانجليزية. كما ُترجم الديوان إلى معظم لغات العالم، وتحدّث عنه مفكّرون وفلاسفة كبار من أمثال غوته و ايمرسون و ادوارد فيتزجيرالد مترجم رباعيات الخيـام الذي وصف الشاعر بقوله: حافظ افضل عازف على الكلمات".
توفي حافظ الشيرازي سنة 1391م ودفن في حديقة ُسميت فيما بعد بالحافظية تكريما له.
وضريحه هو اليوم أحد مراكز الجذب الكبرى في شيراز حيث يؤمّه الكثير من المعجبين بالشاعر وبشعره.

1 comment:

Anonymous said...

Enjoyed a lot! » » »