:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, October 11, 2007

أيّام في الرياض

الرياض هذه الأيام تبدو مزدحمة وصاخبة إلى حدّ ما رغم أنّنا في رمضان.
والحقيقة انك أينما ذهبت أو اتجهت ستلاحظ أن ثمّة حركة وتغيّرا في كل اتّجاه: بنايات جديدة، مشاريع، أسواق، طرقات، توسعات، وباختصار حركة لا تهدأ ولا تتوقّف.
كان مفترضا ألا اقضي أكثر من يومين، ومع ذلك امتدّت الرحلة ثمانية أيّام كاملة بسبب كثرة المشاغل والارتباطات.
وإحدى المتع المرتبطة برمضان في الرياض هي ظاهرة تناول الإفطار والسحور الجماعي في الفنادق الكبرى. وهي متعة لا تدانيها سوى متعة الإحساس بروحانية الشهر الفضيل وانضباط الناس وتآلفهم.
وقد تنقلنا في أكثر من فندق وكانت البوفيهات المفتوحة عامرة بشتّى صنوف الأطعمة والمأكولات.
وقد لاحظت أن معظم من يرتادونها هم من غير السعوديين، وإذا كان هناك سعوديون فقد كانوا من الرجال حصرا، والعدد القليل من العائلات السعودية اختار أفرادها أن يجلسوا في الأماكن المنزوية والبعيدة.
وفي إحدى الليالي فاتنا موعد الإفطار لسبب لا دخل لنا فيه فقصدنا احد الفنادق الكبيرة حوالي العاشرة ليلا لعلّنا نظفر ببعض الطعام.
ورغم أن الجلسة في حديقة الفندق لم تكن تخلو من إحساس بالحميمية والاسترخاء، فإن الطعام الذي ُقدّم لنا كان بلا مبالغة اسوأ طعام ذقته في حياتي رغم تكلفته المبالغ فيها.
وقد فضّلنا بعد ذلك المقلب أن نتوجّه إلى مقهى الفندق لنكتفي بتناول القهوة وبعض الحلوى، ونمنا تلك الليلة ببطون شبه خاوية.
سائقو التاكسي في الرياض يمثلون ظاهرة مستقلة بذاتها. فكلّ واحد منهم يخبّئ الكثير من القصص والحكايات، بعضها غريب والبعض الآخر يعكس الأفكار النمطية المغلوطة التي اختزنوها في عقولهم عن الرياض وأهلها.
والقليل من السائقين لا تخلو أحاديثهم من بعض الملاحظات والإشارات التي تستدعي الوقوف والتأمّل، مثل ذلك الباكستاني الذي استغلّ فرصة توقّفنا عند الإشارة الضوئية ليشير إلى بعض البنايات والعمائر العالية وهو يقول: من حكمة الله أن الإنسان لا يعيش أكثر من ستّين أو سبعين عاما.
ولما سألته عن مناسبة كلامه قال: لو عاش الإنسان أطول من ذلك العمر لطاولت بيوته وعماراته عنان السماء ولتحوّل الهواء إلى أبراج وقلاع تسدّ المنافذ وتحبس الأنفاس وتشوّه الطبيعة.
ثم التفت نحوي بعينين تلمعان وقال وهو يعضّ على كلماته: هل تعرف؟! إن السعادة ليست في المال ولا في البنيان. السعادة هي في راحة البال ونقاء الضمير، وأنا لم احلم في يوم من الأيام أن اجمع ثروة أو أتقلد منصبا. ومع ذلك فإنني أتخيّل أنني إنسان سعيد وخال من الهموم. إنني أعيش يوما بيوم، ومع ذلك أنام هادئ البال قرير العين، وأؤمن أن الغد في علم الغيب وان الله يغيّر من حال إلى حال وانه لا يريد من عباده إلا أن يكونوا متراحمين وعطوفين ومتسامحين".
تعجّبت من كلام السائق الباكستاني البسيط وأدركت أن حديثه لا يخلو من حكمة وبعد نظر.
وقد أنستني تلك الخطرات الفلسفية الذكية التي جاد بها الروائح الحارقة التي شممناها في سيّارته التي كانت تنوء بروائح السغائر والعرق.
المشكلة الحقيقية التي واجهناها في ختام زيارتنا للرياض كانت في العثور على مقاعد على الرحلات الجوية المغادرة. فكلّ الرحلات ممتلئة عن آخرها، وحتى التسجيل في قوائم الانتظار كان متعذّرا بل ومستحيلا بسبب الازدحام الشديد..
وقيل لنا إن هذه الحال ستدوم لشهر أو أكثر. وقرّرنا أن نقصد شركتي الطيران الجديدتين اللتين قيل إنهما ستسهمان في تسهيل حركة الناس وتقليل معاناتهم في الحجز.
لكننا فوجئنا بنفس المشكلة. وكانت معاناة المئات من الناس مثلنا مؤشّرا آخر على التسيّب والفوضى والتخلف في أوضح صوره. وقد سمعت في مطار الرياض الكثير من التعليقات من أفراد سعوديين بلغ بهم الإحباط والغضب أشدّه، وبعضهم قال إن العقلية الاحتكارية لا يمكن إلا أن تخلق مثل هذه الدرجة من المعاناة والتخلف الإداري والتنظيمي. ولو كان هناك من يتحسّس معاناة الناس ويعمل على تسهيل أمورهم لزيد عدد الرحلات أو لتمّت الاستعانة، إذا لزم الأمر، بشركات طيران أجنبية لتسيير رحلات على الطرق الداخلية المزدحمة وهو ما تفعله معظم البلدان في مثل هذه الظروف".
وقد رأيت راكبا آسيويا يتحدّث مع موظف إحدى الشركتين المذكورتين، وفهمت أن الرحلة فاتته لتغيّب الموظف المناوب الذي يصدر للراكب بطاقة الصعود. وكان الآسيوي يريد استعادة نقوده التي دفعها لعدم استفادته من الخدمة، فما كان من الموظف إلا أن أشاح بوجهه بعيدا عنه وهو يقول بعنجهية واضحة: ما عندنا "كانسيليشن" ولا "ريفند"! أي أن حقّ المسكين ضاع وفلوسه نُهبت بسبب تخلّف ولا مسئولية موظّفي الشركة وغياب القوانين التي تنصف الناس وتحفظ لهم حقوقهم.
المهم، في اللحظة الأخيرة ومع استحالة العثور على مقعد قرّرنا على مضض الاستعانة بصديق عزيز، وجاءنا الفرج أخيرا عندما اقبل علينا باسما مستبشرا وهو يحمل في يده البوردنغ كاردز.
ولم نضيّع وقتا، فاتجهنا مباشرة إلى صالة المغادرة ونحن غير مصدّقين ما حدث ولم نلتقط أنفاسنا ونتبيّن حقيقة ما رأيناه في المطار من معاناة وتخبّط سوى بعد أن استقرّ بنا المقام على مقاعد الطائرة المغادرة.
في الختام، كلّ عام وانتم بخير وعيد مبارك على الجميع.