:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, December 08, 2008

الأزمة وأخواتها

الأخبار والتحليلات من النوعية التي تقصفنا بها يوميا شبكات التلفزيون المختلفة لا تثير سوى القلق وتجعل من المستحيل على الفرد أن يحافظ على سلامه الداخلي، خصوصا في ظلّ هذه الفوضى والصخب اللذين يلفان العالم.
لذا قد يكون من المفيد أن يحاول الإنسان تقليل ساعات مشاهدته للأخبار هذه الأيام. فالكثير منها سيئ ولا يجلب سوى الهمّ والحزن.
أعرف أن الكثيرين منا يصعب عليهم إعادة برمجة عقولهم كي يتحكّموا في نوعية ما يشاهدونه. لكن باستطاعتهم، متى أرادوا، أن يقصروا مشاهدتهم على ما يفي بحاجتهم ويلبّي اهتماماتهم المباشرة.
لكن أيّا كان الأمر، لا يمكن للإنسان، بحكم الانتماء الديني والقومي والشعور الإنساني والوجداني، أن يدير ظهره ويتجاهل ما يحدث في أماكن مثل غزّة وفلسطين والعراق ولبنان من أمور مؤلمة وتطوّرات محزنة.
وقد لاحظت مؤخّرا، وهذا من دواعي البشر والتفاؤل، أن معظم القنوات العربية لم تعد تغري الكثيرين بمشاهدتها أو متابعة أخبارها المزعجة وحواراتها الزاعقة.
فقناة الجزيرة، مثلا، فقدت بريقها القديم وتحوّلت إلى قناة مملّة لا تجلب سوى التثاؤب والنعاس، بل وأصبحت لا تختلف في قليل أو كثير عن أيّ قناة عربية رسمية. وقناة العربية هي الأخرى أصبحت بلا لون ولا طعم، وحريّ بإدارتها أن تفكّر جدّيا بتحويلها إلى قناة للأسهم بعد أن اتضح أن ذلك هو الجانب الذي يحسنونه ويتميّزون فيه.
لكن ما حفزّني لكتابة الموضوع في الأساس هو الصخب المثار حاليا حول الأزمة الاقتصادية العالمية وما يرافقها من انخفاض مطّرد في أسعار البترول.
وما يعنينا في المقام الأوّل هو تأثير ما يحدث على واقعنا وأحوالنا.
والذي يتابع ما تنشره الصحف وما يبثّه التلفزيون من أخبار وتقارير عن أوضاع الاقتصاد في العالم العربي سيصاب ولا شك بالقنوط والإحباط.
فالغلاء ما يزال على حاله وأسعار الغذاء والدواء وغيرهما من ضرورات الحياة وصلت إلى مستويات قياسية.
وفي الخليج، على وجه الخصوص، لا يخفي بعض المواطنين سرورهم وابتهاجهم بانخفاض أسعار البترول. وليس سرّا أن الكثير من الخليجيين يتمنّون لو انخفض سعر النفط إلى معدّله القديم، أي إلى اثني عشر دولارا للبرميل. حيث أن الزيادة التي طرأت على الأسعار في السنوات الماضية لم يواكبها تحسّن يذكر في مستوى معيشة الناس. فالرواتب ظلت على حالها، وأسعار الموادّ والسلع في ازدياد، وأسعار الأراضي وإيجارات المساكن وصلت إلى معدّلات فلكية في بلدان ما تزال معظم أراضيها صحراء جرداء. كما أن مشاريع التنمية موضوعة على الرفّ، وأعداد الفقراء والعاطلين تزيد ولا تنقص، وحالة المرافق والبنى التحتية والخدمات أصبحت في منتهى البؤس والتخلف. وما ضاعف من معاناة الناس النقص المتزايد في إمدادات المياه وغياب أيّ خطط أو برامج عملية لحلّ المشكلة أو التقليل من آثارها وانعكاساتها على حياة الناس.
وقد شاهدت الأسبوع الماضي على شاشة إحدى القنوات الخليجية الخاصّة مواطنا وصف الوضع ببلاغة متناهية حيث قال: عندما كان سعر برميل النفط أكثر من مائة وخمسين دولارا كان المواطن يعاني اشدّ المعاناة، وما طالنا شيء من الإيرادات المليارية. ووالله إني أتمنّى أن ينزل السعر إلى عشرة دولارات عسى أن تنزل علينا رحمة الله".
ورغم أن الصحف المحلية تنشر الكثير من المقالات التي تتطرّق إلى هذه المشاكل وتنتقد المسئولين بنبرة عالية أحيانا، فإنه يبدو ألا شيء يتغيّر أو يتقدّم للأمام.
وفي الأيام الأولى التي تلت انهيار البنك الأمريكي مع ما صاحبه من بوادر الأزمة المالية الراهنة، قرأت تعليقا طريفا وذا مغزى كتبه مواطن خليجي في احد منتديات النقاش الاليكتروني إذ قال: من حقّ الرئيس المناضل والصديق جورج بوش أن يأتي إلينا ويأخذ الفلوس التي عندنا، وهذا حقّ الصديق على صديقه. وإذا ووجه بالرفض لأيّ سبب كان فإنه يجب أن يأخذ ما يريد بالقوّة. فالمواطن ماكل تبن في الحالتين، سواءً بقيت الفلوس هنا أو ذهبت للخارج".
طبعا مثل هذا الكلام ينمّ عن تفكير عبثي وساذج. ومن الواضح أن من كتبه إنما فعل ذلك بدافع من شعوره الشديد بالإحباط والتشاؤم.
غير أن ما فاجأني حقيقة هو ما قاله بعض المواطنين الكويتيين في ندوة بثتها قناة "سكوب" التي يملكها الشاعر طلال السعيد. فقد لاحظت أن الجميع مستاءون من تردّي حال الخدمات والمرافق وارتفاع الأسعار، في حين ينشغل مجلس الأمّة بإثارة قضايا هامشية دافعها التعصّب الطائفي والولاءات الحزبية الضيّقة والرغبة في تصفية الحسابات مع رئيس الحكومة وبعض الوزراء.
والحقيقة أن الحوار كان غاية في السخونة، كما اتّسمت بعض المداخلات والتعليقات التي تخللته بصراحتها وجرأتها الشديدة ونقدها اللاذع لأكثر من وزير ومسئول. وقد لفت انتباهي عبارة قالها احد الحضور يصف فيها الحال التي وصلت إليها المرافق الصحية عندما قال: عندنا مستشفيات لو دخلتها الجراثيم لماتت"!
وقلت في نفسي: إذا كان هذا حال الكويت، على صغر مساحتها ومحدودية عدد سكّانها وضجيج برلمانها المغرم أعضاؤه بمساءلة ومحاسبة الوزراء وإقالتهم من مناصبهم، فكيف إذن هو حال جيرانها؟!
ومع أن المرء قد يتساءل عن جدوى الانتقاد والشكوى طالما أن شيئا لا يتغيّر على ارض الواقع، فإن مما لا شكّ فيه أن مجرّد السماح بانطلاق قنوات خاصّة مثل "سكوب" الكويتية وجعلها منبرا يتحدّث من خلاله الجمهور عن شكاواهم وهمومهم هو أمر يدلّ على ذكاء الحكومة الكويتية وبعد نظرها وإدراكها لأهمّية وجود منفذ يستطيع من خلاله الناس التنفيس عن همومهم، وبذا تنتفي احتمالات نشوء حالات احتقان وتململ اجتماعي قد تأتي بما لا يحمد عقباه لا سمح الله.
وقد فكّرت في أن أيّ مواطن خليجي يشاهد تلك القناة لا بدّ وأن يشعر أن ما يثار فيها من مشاكل وهموم هي في الواقع صورة طبق الأصل تقريبا لما هو عليه الحال في بقيّة الأوطان الخليجية. ربّما الفارق الوحيد في المسألة هو أن صوت الكويتيين أعلى من أصوات جيرانهم ومساحة الحرّية المتاحة لهم لا تقارن بتلك التي لدى الآخرين.
في بعض الأحيان لا يمكن للمرء وهو يفكّر في أسباب اتساع رقعة المشاكل التنموية في الخليج وازدياد معاناة مواطنيه واستعصاء التوصّل إلى معالجات عملية وفعالة لأوجه النقص والقصور على الرغم من كل هذه الثروة الهائلة وبرغم كلّ ما يقال ويكتب في سياق النقد واستعجال الحلول وإظهار نفاذ الصبر، إلا أن يفترض أن "السيستم" لا يعمل وأن التغذية الاسترجاعية أو "الفيدباك" غائبة. وأسباب ذلك كثيرة ومتعدّدة، يأتي في طليعتها تفشّي البيروقراطية وترهّل المؤسّسات المعنية بالخدمات والنفع العام وسوء إدارة الثروة الوطنية، بالإضافة إلى المظاهر المتفرّعة عن ذلك من محسوبية وفساد مال وإداري وتغليب للمصالح الخاصّة على العامة.
ختاما، أرجو أن يعذرني القارئ على استطرادي في الكلام وانتقالي غير المنظم من موضوع لآخر. فقد كتبت الموضوع على عجل ودون تحضير مسبق. لذا جاءت الأفكار غير متسلسلة أو مرتّبة. لكن كما يقال: الحديث ذو شجون والكلام يجرّ بعضه.
كلّ عام والجميع بخير وعيدكم مبارك. وإلى لقاء قريب.